بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 41

المحور الثالث: مؤدّى النسبة بين المحورين السابقين على صعيد السلطات الأربعة في الحكم

إنّ عمدة بيان وجه النسبة الخاصّة بين هذه النظرية في الحكم و الحاكم عند مذهب الإمامية- حيث إنّ ولاية الحكم منشعبة من ولاية اللَّه و لا تنالها و لا تطالها يد البشر، ثمّ لرسوله صلى الله عليه و آله و سلم و لأولي الأمر من قرابته هذا من جانب. و من جانب آخر ما مرّ من نظارة و مراقبة الرعية و الامّة لنظام الحكم و أمرهم بالمعروف و إقامتهم له و نهيهم عن المنكر و إزالتهم له و غيرها من الحقوق التي مرّت- يتمّ ببيان النسبة و العلاقة بين هذين الجانبين بأنّ ولاية الوالي لا تستمدّ من الرعية و الامّة حتى في نائب المعصوم، بل هي منشعبة من ولاية المعصوم الذي ولايته منشعبة من ولاية اللَّه و رسوله؛ و ذلك لا ينافي دور الرعيّة و الأمّة من مراقبة جهاز الحكم و نظامه و مساره حتى في جهاز حكم المعصوم، كما هو ملاحظ في حكومة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و حكومة علي عليه السلام؛ حيث إنّ في حكومته عليه السلام و إن كان رأس الجهاز معصوماً إلّا أنّ بقية فقرات الجهاز و أعضائه ليسوا كذلك؛ هذا فضلًا عن حكومة غير المعصوم ممن ينوب عنه عليه السلام.

و هذه المراقبة من الامّة تتحدّث في مواضع الثوابت و المسلّمات لا مواضع الاجتهاديات و اختلاف الآراء إلّا أن يكون ذلك من النخبة ممن يضطلع بالأدلة الكافية و البراهين العلمية.

و كذلك للُامّة و الرعيّة إحراز واجديّة من ينوب عن المعصوم للشرائط ابتداءً و بقاءً و كذلك لجملة من شرائح الأُمّة كأهل الاختصاص من الحقول المختلفة المشاركة في فقرات حياة النظام السياسي نظراً لاضطلاعهم في مجال اختصاصهم.

كما أنّ للُامّة و عليها تمكين و إقدار و معاونة إمام الحق و نوّابه على إمساك زمام الأمور في النظام السياسي، كما أنّ لهم و عليهم إزالة و مدافعة أنظمة الجور إلى


صفحه 42

غير ذلك من الأدوار ممّا يدلّ على أنّ هناك تمام التفاعل بين نظرية النص في الإمامة و فتح المجال أمام الأمّة للقيام بأدوارها.


صفحه 43

السلطة و الولاية و أنماطها

إنّ السلطة و الولاية هما بمعنى القدرة نظير الملكية و يقرب منهما الحق، فإنّه على أصحّ الأقوال سلطنة ضعيفة و هى كالملكية تتشعّب و تنقسم إلى شعب و أقسام عديدة لا تكاد تحصر في عدد و ذلك بسبب اختلاف المتعلّق و متعلّق المتعلّق لها.

و بعبارة أخرى: إنّ القدرة تتنوّع و تتكثّر بحسب المتعلّق و الموضوع، كما قد تتكثّر بحسب الشدّة و الضعف؛ و بالتالي تكون أنواعاً متباينة متخالفة، لكلٍّ آثار و أحكام متخالفة عن النمط الآخر.

و حقيقة التعدّد هذه في السلطنة و الولاية بالغة الأهميّة، إذ يترتّب عليها عدم صحّة التمسّك بالإطلاق في جانب النفي و في جانب الإثبات، إذ اللازم تحرّي نمط الولاية الوارد في الدليل بعد فرض تباين أنماط الولاية و السلطة عن بعضها البعض.

فمنها: ما يكون بنحو الإمامة و الخلافة و القيادة العُليا في النظام الاجتماعي و السياسي و الديني و هي التي يبحث فيها عن ضرورة العصمة.

و منها: ما يكون ذات دائرة أضيق من السابقة كخصوص القيادة العسكرية و الأمنية أو الإدارة و التدبير لمحافظة معيّنة أو حقيبة وزارية و نحو ذلك؛ فمن ثمّ


صفحه 44

يطلق عليها بعناوين ماهويّة مباينة كالمحافظ و الوزير و نحوها من العناوين.

و منها: ما يكون أضيق دائرة من النمطين السابقين كإدارة مؤسّسة أو شعبة وزارية، فيطلق عليه مدير أو وكيل مساعد.

و منها: ما يكون منشأ القدرة و السلطة هو نفس الرأي العلمي كالقوّة التشريعية من المجالس النيابية، فمن ثمّ تسمّى المجالس النيابية بالسلطة التشريعية و كان منصب الإفتاء للفقهاء ليس إخباراً محضاً، بل نحو حاكميّة في الطائفة، فنافذيّة الفتيا و التشريع في المجتمع و النظام السياسي و الاجتماعي نحو سلطة و اقتدار و بالتالي نمط من الولاية.

فترى في هذا النمط من القدرة الاختلاف بينها و بين ما قبلها ليس في سعة و ضيق الدائرة و إنّما في سنخ القدرة و الولاية.

و منها: فصل النزاعات، أي القضاء و هو نمط أيضاً من السلطة و القدرة يهيمن على المسار الاجتماعى و من ثمّ يعبّر عنه بالسلطة القضائية، بل إنّ السلطة القضائية قد يفرض متعلّقها بفصل النزاع بين أجنحة السلطة نفسها كالنزاع بين السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية و يعبّر عنها بالمحكمة الدستورية أو سلطة القضاء الأعلى. فهذه السلطة و القدرة وظيفتها التعديل في القدرات و السلطات، سواء تعديل القدرات الفردية أم القدرات ذات الطابع المجموعي.

و منها: الولاية في الأمور الحسبية ذات النطاق المحدود التي قد تسمّى في مصطلح القانون الوضعي بإدارة الأمور الخيرية نظير التدبير و القيمومة على القصّر و اليتامى أو المعتوهين أو الأوقاف العامة أو الخاصة أو وصايا الأموات مع عدم الوارث و الوصي و نحو ذلك، فإنّ تدبير تلك الأمور و القيمومة عليها نحو سلطة و قدرة إلّا أنّها من نمط يختلف عما سبق من الأقسام و من ثمّ يعبّر عنه بالناظر و القيّم و القائم بالمصلحة كذا.

و منها: ولاية التواصي بالمعروف و التناهي عن المنكر؛ فإنّ مداخلة فرد في


صفحه 45

شئون الفرد الآخر نحو تصرّف في حوزة شئون الغير و تقاطع في الإرادة و من ثمّ كان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر نحو ولاية اشير إليها في قوله تعالى:

«الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»[1]

و كذا قوله تعالى:

«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ»[2]

ثمّ إنّ هذا التواصي إذا أخذ في الانتشار كظاهرة اجتماعية يأخذ نمطاً من القدرة السياسيّة العامّة و حكومة الأمّة و المجتمع على نفسه و إن كان مجرى هذه القدرة العامّة يختلف عن مجرى و قناة الحكومة و الدولة. و لعلّه إلى ذلك يشير تعبير الفقهاء بولاية عدول المؤمنين و إن كان ظاهر مرادهم تخصيصه بالحسبيات.

إلّا أنّه مع اطلاق المتعلّق ينطبق على هذا النمط من الولاية و القدرة.

هذا و الولاية و السلطة و القدرة كصفة في الموجودات التكوينية ترجع إلى كمالات الوجود و هي بطبيعتها تشتدّ شدّة و ضعفاً بدرجات كالوجود و بالتالي فتتباين حدود الماهيّات بحسب ذلك.

و منها: التولية و التفويض في إحراز صفات المنصّب في موقع من مواقع القدرة في النظام الاجتماعي و السياسي، كما في تفويض إحراز شرائط المرجع أو القاضي أو الوالي إلى عموم المكلّفين؛ فإنّ دورهم هذا و إن كان استكشاف واجديّة الشرائط إلّا أنهم نمط من الولاية و الخيار لهم، كما لو كان هناك عدّة من الواجدين لصفات فيتخيّر في الرجوع إليهم و هذا النمط من الولاية غير استكشاف أصل الخبرة في الموضوعات المختصة بمجال.

و منها: حجّية قول أهل الخبرة في الموضوعات، سواء على صعيد الشبهة

[1]التوبة/ 71.

[2]العصر/ 3.


صفحه 46

الحكمية أم الموضوعية في الموضوعات المستنبطة في مجال تحليل ماهيّة الموضوع و تحديد أجزائه المكوّنة لذاته؛ فإنّ هذه الحجّية و إن كانت أمارة كاشفية إلّا أنّ لزوم الاتّباع لها نَحوُ نفوذ لرأي أهل الخبرة و بشكل عام، فإنّ الحجج العلمية طراً يكون لصاحبها نحو نفوذ و ولاية، كما تقدّم في فتوى الفقيه، فإنّها و إن كان إخباراً حدسياً من فهم الفقيه لمفاد الأدلّة و نتائجها إلّا أنّ نفوذ قوله و حجّيته نحو من السلطة التشريعية.


صفحه 47

في ماهيّة السلطة

إنّ ضروب الأدلّة الواردة لإمضاء فعل معيّن أو إقامته تنقسم- كما هو المعروف- إلى الأدلّة التي تتعرّض إلى شرائط الفعل في نفسه كأدلّة شرائط العقد من الموالاة و الماضوية و شرطية القبض في الرهن و الصداقة و نحو ذلك.

و إلى أدلّة شرائط مورد الفعل، و موضوعه، كشرائط العوضين في المعاوضات.

و إلى أدلّة الفاعل لذلك الفعل، كأدلّة شرائط المتعاوضين و المتعاقدين.

و لا يصحّ التمسّك بإطلاق أحد الأنماط لنفي الشرائط المشكوكة في حيثية النمط الآخر لعدم كون أدلّة النمط المعيّن في صدد بيان حيثية النمط الآخر.

هذا من جانب و من جانب آخر إنّ تنقيح الموضوع في الأدلّة المتعرّضة إلى القضية الشرعية يتمّ عبر خمس مراحل:- كما حرّر في علم الأصول-.

الأولى: تحديد المعنى أو المعاني الموضوع له اللفظ أو الألفاظ؛ أي تعيين أصل المعنى بنحو الإجمال الذي له رابطة العلقة الوضعية باللفظ. و في هذه المرحلة قول اللغويين معتمد من باب أهل الخبرة. (و تسمّى بالحقيقة الوضعية)

الثانية: بعد الفراغ عن تحديد أصل المعنى يتمّ تحليل أجزاء المعنى الحدِّيّة و الرسميّة و تركيبه بدقّة و عمق و يتمّ ذلك بتوسّط أهل اختصاص ذلك العلم


صفحه 48

الباحث عن ذلك الموضوع. فهاهنا يكون الدور لأهل الخبرة و الاختصاص العلمي في علوم الموضوعات المختلفة دون اللغويين؛ إذ منتهى دورهم هو تحديد الارتباط بين اللفظ و أصل المعنى؛ و أمّا البحث في ذات المعنى في نفسه فليس ذلك من شأنهم.

و مراعاة هذه المرحلة بمكان من الأهميّة في عملية الاستنباط و الاستظهار من الأدلّة؛ إذ يتمّ تحديد موضوع الأدلّة بمداقّة تامّة، فلا يقع الخلط في مفاد الأدلّة و لا يعطف فيه إلى غير ما سيقت له. (و تسمّى بالحقيقة التكوينية أو الماهويّة)

الثالثة: تحديد الحقيقة الشرعية أو ما هو بمنزلتها من تصرّفات الشارع و قيوده الموجبة لتضييق أو توسعة المعنى. (و تسمّى بالحقيقة الشرعية)

الرابعة: تحديد المعنى الاستعمالي الذي وقع في الأدلّة.

الخامسة: استقصاء الألفاظ المختلفة ذات المعاني المتعدّدة الواردة في لسان الدليل (و تسمّى بتحديد المعنى الجدّي)

و من حيث الترتيب تراعى المرحلة الأولى أوّلًا، ثمّ الرابعة، ثمّ الخامسة، ثمّ الثانية و الثالثة؛ و ذلك لأنّ المراحل الأولى و الرابعة و الخامسة إنّما توصل الباحث إلى بدايات حدود المعنى من دون أن يقتحم أرض المعنى و يلج فيه بعمق و هذا بخلاف المرحلة الثانية و الثالثة.

و على ضوء ذلك فلا بدّ من الالتفات في المقام إلى أنّ موضوع البحث- و هو الحكم بمعنى القيادة و الولاية و صلاحيّة الرئاسة- لا بدّ من تحديد كنه معناه تحليلًا و تركيباً كي لا يقع الخلط بينه و بين موضوعات أخرى متّصلة بشكل آخر بأعمال الحكومة و الدولة، فنقول:

إنّ المعروف لدى الحكماء في باب الحكمة العملية تعريف الحكم و فعل الحكومة بتدبير سياسة المدن وفق ضوابط و قوانين مقرّرة و أهداف و غايات مرسومة و تعيين القرارات و ترسيم الخطط و المسارات و البرامج لإدارة و الرقي