السلطة و الولاية و أنماطها
إنّ السلطة و الولاية هما بمعنى القدرة نظير الملكية و يقرب منهما الحق، فإنّه على أصحّ الأقوال سلطنة ضعيفة و هى كالملكية تتشعّب و تنقسم إلى شعب و أقسام عديدة لا تكاد تحصر في عدد و ذلك بسبب اختلاف المتعلّق و متعلّق المتعلّق لها.
و بعبارة أخرى: إنّ القدرة تتنوّع و تتكثّر بحسب المتعلّق و الموضوع، كما قد تتكثّر بحسب الشدّة و الضعف؛ و بالتالي تكون أنواعاً متباينة متخالفة، لكلٍّ آثار و أحكام متخالفة عن النمط الآخر.
و حقيقة التعدّد هذه في السلطنة و الولاية بالغة الأهميّة، إذ يترتّب عليها عدم صحّة التمسّك بالإطلاق في جانب النفي و في جانب الإثبات، إذ اللازم تحرّي نمط الولاية الوارد في الدليل بعد فرض تباين أنماط الولاية و السلطة عن بعضها البعض.
فمنها: ما يكون بنحو الإمامة و الخلافة و القيادة العُليا في النظام الاجتماعي و السياسي و الديني و هي التي يبحث فيها عن ضرورة العصمة.
و منها: ما يكون ذات دائرة أضيق من السابقة كخصوص القيادة العسكرية و الأمنية أو الإدارة و التدبير لمحافظة معيّنة أو حقيبة وزارية و نحو ذلك؛ فمن ثمّ
يطلق عليها بعناوين ماهويّة مباينة كالمحافظ و الوزير و نحوها من العناوين.
و منها: ما يكون أضيق دائرة من النمطين السابقين كإدارة مؤسّسة أو شعبة وزارية، فيطلق عليه مدير أو وكيل مساعد.
و منها: ما يكون منشأ القدرة و السلطة هو نفس الرأي العلمي كالقوّة التشريعية من المجالس النيابية، فمن ثمّ تسمّى المجالس النيابية بالسلطة التشريعية و كان منصب الإفتاء للفقهاء ليس إخباراً محضاً، بل نحو حاكميّة في الطائفة، فنافذيّة الفتيا و التشريع في المجتمع و النظام السياسي و الاجتماعي نحو سلطة و اقتدار و بالتالي نمط من الولاية.
فترى في هذا النمط من القدرة الاختلاف بينها و بين ما قبلها ليس في سعة و ضيق الدائرة و إنّما في سنخ القدرة و الولاية.
و منها: فصل النزاعات، أي القضاء و هو نمط أيضاً من السلطة و القدرة يهيمن على المسار الاجتماعى و من ثمّ يعبّر عنه بالسلطة القضائية، بل إنّ السلطة القضائية قد يفرض متعلّقها بفصل النزاع بين أجنحة السلطة نفسها كالنزاع بين السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية و يعبّر عنها بالمحكمة الدستورية أو سلطة القضاء الأعلى. فهذه السلطة و القدرة وظيفتها التعديل في القدرات و السلطات، سواء تعديل القدرات الفردية أم القدرات ذات الطابع المجموعي.
و منها: الولاية في الأمور الحسبية ذات النطاق المحدود التي قد تسمّى في مصطلح القانون الوضعي بإدارة الأمور الخيرية نظير التدبير و القيمومة على القصّر و اليتامى أو المعتوهين أو الأوقاف العامة أو الخاصة أو وصايا الأموات مع عدم الوارث و الوصي و نحو ذلك، فإنّ تدبير تلك الأمور و القيمومة عليها نحو سلطة و قدرة إلّا أنّها من نمط يختلف عما سبق من الأقسام و من ثمّ يعبّر عنه بالناظر و القيّم و القائم بالمصلحة كذا.
و منها: ولاية التواصي بالمعروف و التناهي عن المنكر؛ فإنّ مداخلة فرد في
شئون الفرد الآخر نحو تصرّف في حوزة شئون الغير و تقاطع في الإرادة و من ثمّ كان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر نحو ولاية اشير إليها في قوله تعالى:
«الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»[1]
و كذا قوله تعالى:
«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ»[2]
ثمّ إنّ هذا التواصي إذا أخذ في الانتشار كظاهرة اجتماعية يأخذ نمطاً من القدرة السياسيّة العامّة و حكومة الأمّة و المجتمع على نفسه و إن كان مجرى هذه القدرة العامّة يختلف عن مجرى و قناة الحكومة و الدولة. و لعلّه إلى ذلك يشير تعبير الفقهاء بولاية عدول المؤمنين و إن كان ظاهر مرادهم تخصيصه بالحسبيات.
إلّا أنّه مع اطلاق المتعلّق ينطبق على هذا النمط من الولاية و القدرة.
هذا و الولاية و السلطة و القدرة كصفة في الموجودات التكوينية ترجع إلى كمالات الوجود و هي بطبيعتها تشتدّ شدّة و ضعفاً بدرجات كالوجود و بالتالي فتتباين حدود الماهيّات بحسب ذلك.
و منها: التولية و التفويض في إحراز صفات المنصّب في موقع من مواقع القدرة في النظام الاجتماعي و السياسي، كما في تفويض إحراز شرائط المرجع أو القاضي أو الوالي إلى عموم المكلّفين؛ فإنّ دورهم هذا و إن كان استكشاف واجديّة الشرائط إلّا أنهم نمط من الولاية و الخيار لهم، كما لو كان هناك عدّة من الواجدين لصفات فيتخيّر في الرجوع إليهم و هذا النمط من الولاية غير استكشاف أصل الخبرة في الموضوعات المختصة بمجال.
و منها: حجّية قول أهل الخبرة في الموضوعات، سواء على صعيد الشبهة
[1]التوبة/ 71.
[2]العصر/ 3.
الحكمية أم الموضوعية في الموضوعات المستنبطة في مجال تحليل ماهيّة الموضوع و تحديد أجزائه المكوّنة لذاته؛ فإنّ هذه الحجّية و إن كانت أمارة كاشفية إلّا أنّ لزوم الاتّباع لها نَحوُ نفوذ لرأي أهل الخبرة و بشكل عام، فإنّ الحجج العلمية طراً يكون لصاحبها نحو نفوذ و ولاية، كما تقدّم في فتوى الفقيه، فإنّها و إن كان إخباراً حدسياً من فهم الفقيه لمفاد الأدلّة و نتائجها إلّا أنّ نفوذ قوله و حجّيته نحو من السلطة التشريعية.
في ماهيّة السلطة
إنّ ضروب الأدلّة الواردة لإمضاء فعل معيّن أو إقامته تنقسم- كما هو المعروف- إلى الأدلّة التي تتعرّض إلى شرائط الفعل في نفسه كأدلّة شرائط العقد من الموالاة و الماضوية و شرطية القبض في الرهن و الصداقة و نحو ذلك.
و إلى أدلّة شرائط مورد الفعل، و موضوعه، كشرائط العوضين في المعاوضات.
و إلى أدلّة الفاعل لذلك الفعل، كأدلّة شرائط المتعاوضين و المتعاقدين.
و لا يصحّ التمسّك بإطلاق أحد الأنماط لنفي الشرائط المشكوكة في حيثية النمط الآخر لعدم كون أدلّة النمط المعيّن في صدد بيان حيثية النمط الآخر.
هذا من جانب و من جانب آخر إنّ تنقيح الموضوع في الأدلّة المتعرّضة إلى القضية الشرعية يتمّ عبر خمس مراحل:- كما حرّر في علم الأصول-.
الأولى: تحديد المعنى أو المعاني الموضوع له اللفظ أو الألفاظ؛ أي تعيين أصل المعنى بنحو الإجمال الذي له رابطة العلقة الوضعية باللفظ. و في هذه المرحلة قول اللغويين معتمد من باب أهل الخبرة. (و تسمّى بالحقيقة الوضعية)
الثانية: بعد الفراغ عن تحديد أصل المعنى يتمّ تحليل أجزاء المعنى الحدِّيّة و الرسميّة و تركيبه بدقّة و عمق و يتمّ ذلك بتوسّط أهل اختصاص ذلك العلم
الباحث عن ذلك الموضوع. فهاهنا يكون الدور لأهل الخبرة و الاختصاص العلمي في علوم الموضوعات المختلفة دون اللغويين؛ إذ منتهى دورهم هو تحديد الارتباط بين اللفظ و أصل المعنى؛ و أمّا البحث في ذات المعنى في نفسه فليس ذلك من شأنهم.
و مراعاة هذه المرحلة بمكان من الأهميّة في عملية الاستنباط و الاستظهار من الأدلّة؛ إذ يتمّ تحديد موضوع الأدلّة بمداقّة تامّة، فلا يقع الخلط في مفاد الأدلّة و لا يعطف فيه إلى غير ما سيقت له. (و تسمّى بالحقيقة التكوينية أو الماهويّة)
الثالثة: تحديد الحقيقة الشرعية أو ما هو بمنزلتها من تصرّفات الشارع و قيوده الموجبة لتضييق أو توسعة المعنى. (و تسمّى بالحقيقة الشرعية)
الرابعة: تحديد المعنى الاستعمالي الذي وقع في الأدلّة.
الخامسة: استقصاء الألفاظ المختلفة ذات المعاني المتعدّدة الواردة في لسان الدليل (و تسمّى بتحديد المعنى الجدّي)
و من حيث الترتيب تراعى المرحلة الأولى أوّلًا، ثمّ الرابعة، ثمّ الخامسة، ثمّ الثانية و الثالثة؛ و ذلك لأنّ المراحل الأولى و الرابعة و الخامسة إنّما توصل الباحث إلى بدايات حدود المعنى من دون أن يقتحم أرض المعنى و يلج فيه بعمق و هذا بخلاف المرحلة الثانية و الثالثة.
و على ضوء ذلك فلا بدّ من الالتفات في المقام إلى أنّ موضوع البحث- و هو الحكم بمعنى القيادة و الولاية و صلاحيّة الرئاسة- لا بدّ من تحديد كنه معناه تحليلًا و تركيباً كي لا يقع الخلط بينه و بين موضوعات أخرى متّصلة بشكل آخر بأعمال الحكومة و الدولة، فنقول:
إنّ المعروف لدى الحكماء في باب الحكمة العملية تعريف الحكم و فعل الحكومة بتدبير سياسة المدن وفق ضوابط و قوانين مقرّرة و أهداف و غايات مرسومة و تعيين القرارات و ترسيم الخطط و المسارات و البرامج لإدارة و الرقي
بأمور الناس و النظام الاجتماعي و توجيهه إلى الأهداف المعيّنة و قريب من ذلك ما ذكره الفارابي في إحصاء العلوم[1]و الخواجه نصير الدين[2].
فعنوان التدبير يقارب عنوان الإدارة و النظم و في جملة من التعريفات الأخرى أخذ عنوان السلطة و القدرة و القوّة إلّا أنّه لا تنافي بين المعنيين للزوم تقييد كلّ منهما بالآخر، أي إنّ المحصّل على القدرة على التدبير و سلطة الإدارة و نظم المرافق المختلفة لهيكل النظام الاجتماعي و السياسي للمجتمع.
كما أنّه لا بدّ من اليقظة و الالتفات في تعريف الحكومة و الحكم إلى أنّ ذات معنى هذا الفعل إذا جرّد بدقّة يختلف عن وظائف الحكومة و مسئولياتها، فإنّ القضاء في نزاعات الناس و إقامة العدالة فيهم و توزيع بيت المال بالقسط و غير ذلك من أفعال الحكومة و إن كانت من شعب أفعالها و أنشطتها إلّا أنّها من قبيل موضوعات فعلها، أي موضوع الموضوع و من قبيل الموارد لفعلها و إلّا فهو بالأصالة لا يخرج عن حدود التدبير و الإدارة و النظم.
و من ثمّ كان الوالي على بلاد معيّنة قد يقوم بنصب القاضي و الخازن لبيت المال و ينصب ثالثاً رئيساً للديوان إلى غير ذلك من الأيدي و الأعوان. و كما هو الملحوظ في ظاهرة الحكم و الحكومة في العصر الحديث، فإنّه قد راج أخيراً أنّ الوظيفة الأصلية للحكومة و الدولة هو الإدارة و الاشراف على مرافق النظام العامّ و إن لم تقم هي بوظائف أركانه و من ثمّ انتشرت ظاهرة خصخصة المؤسّسات العامّة، أي ايكال أعمالها إلى الشركات الأهلية مع حفظ سلطة الإشراف و النظارة و الولاية للدولة و الحكومة و هو مقام الولي الناظر المشرف على أفعال المولّى عليه، فإنّه يخفّف مِن كاهِل أعباء الدولة و يجرّدها إلى القيام بالفعل الأصلي للحكومة.
[1]الفصل الخامس.
[2]الخواجة، اخلاق ناصرى، ص 12.
و هذه الظاهرة الأخيرة في عالم السياسة و الحكومات تؤكّد و توضّح ماهيّة الفعل الأصلي للحاكم و الحكومة و السلطان و القدرة و أنها التدبير و الإدارة و النظم و ترسيم خطط العمل؛ نعم لا نريد من ذلك تخصيص ذلك الفعل بالسلطة التنفيذية في مقابل السلطة التشريعية و القضائية حسب التقسيم و المصطلح المعاصر، بل ما يشمل ذلك، إلّا أنّه لا بدّ من التمييز بين وظائف العامّة و وظائف أجزاء و أعضاء النظام الاجتماعي السياسي و بين الفعل و الوظيفة الأصلية للحاكم و الحكومة. و لتقريب الفكرة نذكر هنا المثال و هو مثال المخّ و الدماغ و بقية أعضاء البدن، سواء أعضاء القوّة الهاضمة أو أعضاء الحركة الدمويّة و العضلات أو أعضاء الإدراكات الحسّية، فإنّ المخّ يدير و يدبّر كلّ تلك الأعضاء حتى إنّه لو فرض توقّف بعض خلايا الدماغ لتسبّب ذلك في توقّف أعمال جزء تلك الأعضاء و عطالها، مع أنّ وظيفة الهضم و الحركة و الإدراك لا يقوم بها الدماغ مباشرة.
و من سياسات الدول في عصر الحديث التركيز على الفعل الأصلي للحكومة و هو الحكم و الحاكميّة و التخلّي عن الأفعال الثانوية لها و إن كانت هي وظائف عامّة و يطلقون على النمط الأول من الفعل- الذي هو ماهية الحكم- فعل الحاكميّة و النظارة و الرقابة و يرغّب الباحثون في علم الإدارة و القانون و السياسة اتّساع مرافق الحكومة و مؤسّساتها من هذا الجانب، إذ كلّ ما اتسعت رقابتها و إشرافها سبّب ذلك تحكيماً للقانون بنطاق واسع.
و من جملة التوسّع في هذا الجانب أيضاً التوسّع في السلطة القضائية، بل تعدّ من أبرز محاور الفعل الأول و هو الحاكميّة و من هنا يظهر سرّ التعبير عن القضاء في روايات نصب الفقهاء بجعل الحاكم «إني جعلته حاكماً».
و منه يظهر عمومية حاكميّة الفقيه نيابة عن المعصوم بنصبه قاضياً، أي بالالتفات إلى النكتة المزبورة.
أمّا الفعل الثاني فيطلقون عليه فعل التصدّي و القيام بالخدمات العامّة و