التصرّف في الأمور الوَلَويّة أي في الأمور العامّة.
و على ذلك فلا تجري الأصول الفراغية في الحكم التكليفي المنشعب من السلطة و الملكيّة و الحق المشكوك، بل الجاري هو الاحتياط و أصالة المنع؛ لأصالة عدم ذلك الملك و الحق و لا يعارض بأصالة عدم ملك الغير و حقّه، لأنّه لا يثبت موضوع الحلّ للمشكوك.
و لا يتوهّم أنّ الغرض في تحرير الأصل العملي هو نفي الحرمة من دون لزوم إثبات الحلية، إذ العذرية يكفي فيها نفي الملزِم، لا إثبات اطلاق حكم الفعل. و ذلك لأن التصرّف في المقام ليس تصرّفاً كفعلٍ مجرّد، كما في المباحات العامّة، ليكون حكماً تكليفياً مجرّداً و إنّما حقيقة الفعل في المقام و التصرّف ترجع إلى أكل المال و لو بنحوٍ تدريجي مما يتوقّف على الملك، فهو نظير التصرّفات الوضعية المتوقّفة على إحراز الملك.
و ما اشتهر من عدم توقّف التصرفات التكليفية المجرّدة على الملك بخلاف الوضعية إنما يتمّ في المباحات دون الأعيان المملوكة الخارجة عن الإباحة الأصلية؛ فإنّها في كلا النمطين من التصرّفات متوقّفة على الملك.
و لمزيد البيان للمطلب نقول: إنّ هناك قسمين من الحلّ و الحرمة: أحدهما الحلّ و الحرمة الطبيعيين و الذاتيين، و ثانيهما الحلّ و الحرمة الفعليين.
أمّا الأول فهو الحكم التكليفي الثابت للأشياء بحسب ذواتها، مثل حلّية شرب الماء و حرمة شرب الخمر و نحو ذلك.
و أمّا الثاني فهو الذي يثبت للأشياء بعنوانٍ آخر طارئ، سواء كان عنواناً أولياً أو ثانوياً، كالحلّية الثابتة للأعيان المملوكة و الحرمة المترتّبة على ملك الغير و حرمة ماله و مثل الحلّية الناشئة من الاضطرار أو الحرمة الناشئة من الضرر؛ ففي موارد الشك في الحلّية و الحرمة الناشئة من الملك لا يوجد شك في حلّية التصرّف الطبعية الذاتية كي تجري أصالة الحلّ أو البراءة و إنّما الشك في الحلّ
و الحرمة من القسم الثاني ذي الموضع الخاص كما تبيّن.
و قد ينعكس الفرض بأن يقع الشك في الحلّ و الحرمة الذاتيين مع عدم الشك في الحلّية من القسم الثاني لكون الشيء ملكاً محرَزاً، كما لو شك في حلّية معاملة خاصّة واقعة على ماله.
و هذا هو مراد من قال بأصالة الحرمة في الأموال المجهولة المالك، أي الحرمة من النمط الثاني؛ بتقريب أنّ المال المعلوم الملكيّة لشخصٍ ما و لم يبقَ على إباحته الأصلية فله حرمة خاصّة و لا يسوغ انتهاكها أو اقتحامها إلّا بمسوّغ.
و قد يستفاد هذا المفاد كأحد مداليل الآية الشريفة في قوله تعالى:«لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ»[1]أي لا تأكلوا المال المملوك إلّا بطريق محلّل تعلمونه (طريق حِلّ محرَز)
و يدعم ذلك التفصيل عدم جريان البراءة العقلية أو العقلائية في مثل هذه الموارد؛ أمّا البراءة العقلية فلاختصاصها وفاقاً لمشهور المتكلمين الإماميين بموارد الجهل المركّب و الغفلة دون الجهل البسيط و أمّا موارد الجهل البسيط فهي البراءة العقلائية المجعولة من قبل العقلاء المحتاجة إلى إمضاء الشرع؛ و قد عرفت أنّ أدلّة الأصول المفرِغة لا تتناول مثل هذا النمط من الموارد ممّا ينشأ الشك في الحلّ و الحرمة من السلطنة على التصرّف من الملكية أو الحقّ.
مضافاً إلى أنّ الأصل المقرّر عنه العقلاء في مثل هذا النمط ليس هو البراءة العقلائية أيضاً، بل المقرّر لديهم الاحتياط في ذلك لا سيّما في الأفعال ذات الظاهرة العامّة في النظام الاجتماعي، فإنّ التصرّف في الأمور العامّة و التصدّي لها يتوقّف لديهم على شرعية قانونية يسوغ بها مباشرة الأمور العامّة و إلّا كان التصدّي و التصرّف غير مشروع لديهم؛ مع غضّ النظر عن الوجه المشرّع القانوني لديهم
[1]النساء/ 29.
كمثل التعاقد الاجتماعي أو سلطة النخبة أو غيرها من المذاهب لديهم.
ثمّ إنّ هذا التقرير لمنع جريان الأصل المفرغ كما يجري في جانب المتصدّي للتصرّفات في المسند و المقام المشكوك صلاحيّته له، كذلك يقرّر في من يتعاطى مع تصرّفاته من المحكومين أو المتولى عليهم أو من يريد أن يرتّب الأثر على تلك التصرّفات (تصرّفات المتصدّي)
فيتلخّص: أنّ الأصل العملي في كلٍّ من الحكم التكليفي و الوضعي جارٍ بالمنع بالاضافة إلى جميع الأطراف. و أمّا دعوى البناء و التباني العقلائي القانوني لديهم من دون بناء ذلك على الحكم الشرعي، فإنّ غاية ذلك دفع إشكال التشريع دون التخلّص من الحرمة الشرعية، فإنّ موضوع أدلّة التحريم الشرعي في المعاملات و الأمور الوضعية هو وجودها بحسب البناء العرفي لتكون الحرمة رادعة و صادّة عن البناء العرفي تعديلًا له و سوقاً إلى الطريق الذي يسوّغه الشارع، كما أنّ أدلّة الحلّية و الإمضاء أيضاً موضوعها الوجود بحسب البناء العرفي و إلّا لو كان موضوع الأدلّة الوجود بحسب الاعتبار الشرعي للزم من ذلك التناقض في موارد الحرمة و تحصيل الحاصل في موارد الحلّ و الإمضاء.
و محصّل هذا التوهّم الذي قد يكرّر في عدّة من أبواب المعاملات و الأحكام هو كون التعبّدات الشرعية إنّما يلزم المكلّف بها إذا أراد التديّن و التقيّد بها؛ و إلّا فهي غير نافذة عليه و هو كما ترى.
و أمّا عموميّة الأبواب المعاملية كالبيع و الإجارة و الوكالة و الهبة و غيرها من العقود و الشروط لموارد التعاقد السياسي أو العسكري أو الاقتصادي المالي في الأموال العامّة و غيرها من المجالات فهو متين و متّجه بحسب عموم أدلّة تلك المعاملات إلّا أنّ غاية ذلك إمضاء المعاملة من حيث الشرائط و إجراء الماهيّة في نفسها و ليس هو دليل إمضاء المتولّي و المتصدّي لتلك المعاملة كما هو الشأن في المعاملات الفردية؛ فإنّ أدلّة إمضاء المعاملات ليست أدلّة إمضاء لولاية الفرد
و عدم حَجره، بل أدلّة سلطنة الفاعل تلتمس من نمط آخر من الأدلّة.
أمّا الأصل اللفظي فقد يتمسّك بالعديد من الآيات و كذلك الروايات الآمرة بإقامة وظائف الحكومة و الحكم في مجال القضاء و المال و الحدود و التعزيرات (العقوبات الجنائية) و الجهاد من الوظائف العسكرية و الأمنية.
حاكميّة اللّه عزّ و جلّ
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
قد وقع البحث في العلوم العديدة كعلم القانون و الحقوق و الفلسفة و الكلام عن مبدأ الحاكميّة و مصدر صلاحيّات الحكم و مشروعيّته و لم يختصّ هذا البحث بالسلطة التشريعية، بل عمّ كلّاً من السلطة التنفيذية و القضائية أيضاً و اختلفت المذاهب في ذلك و أبرز ما انقسمت إليه هو: المذهب الإلهي و المذهب الوضعي، و يطلق المتكلّمون على هذا التقسيم و أصحاب التراجم أتباع الملّة و النحلة.
و المعروف لدى الإلهيين أنّ مبدأ السلطات هو اللَّه الخالق ربّ العالمين، بينما المعروف لدى الوضعيين أنّ مبدأ السلطات هو البشر أنفسهم، على اختلاف بينهم في كيفية النشوء و منطلقه، هل هو الطبيعة البشرية أو القوّة و التغلّب أو العقد الاجتماعي أو العقل التجريبي و غيرها من المناشئ لديهم.
و الغريب من جملة من الباحثين في هذا المجال لا سيما الإسلاميين أنّهم قصّروا البحث في السلطة التشريعية، مع أنّ الحكم و الحاكمية معنىً عامّ شامل للأبعاد الثلاثة المتقدّمة.
و قبل استعراض أدلّة الطرفين يتعيّن الخوض في معنى الصلاحيّة و الحقّ عند التعبير بحقّ الحاكميّة، و من ثمّ تقييم الأدلة على وفق معنى أهلية الحقّ و الصلاحيّة.
مبدأ تولّد الحقّ
الحقّ عند الحكماء يُقال على الثابت و الموجود و الغاية، أي كمال الشيء و على القديم.
و الحقّ عند الفقهاء هو السلطنة الضعيفة أو الملكيّة و القدرة.
و قد يطلق على كلّ شيء ذي نفع ثابت.
و الحقّ عند المتكلّمين هو ما يسوغ فعله لصاحبه و لا يمانع عن فعله.
و فسّر بعضٌ الحقّ بمعنى الاختيار في الأفعال أو في أيّ شيء يكون له. و الاختيار تارة فسّر بالتكويني و اخرى بالتشريعي، يعني المطابقة مع القانون و ما يسوّغه القانون.
و قد تعدّدت النظريات في علم القانون و العلوم السياسية و الإنسانية في مبدأ تولّد الحقّ فيجدر في المقام التعرّض إلى تلك المناشئ المتبنّاة عند أصحابها.
فالأول: القدرة و الغلبة
و كأنّ القائل بأنّ مصدر الحقوق و المنبع الأول للحقّ نشأ من القوّة و الغلبة، يستمدّ استدلاله من قضية فطرية و هي أنّ صاحب القوّة هو صاحب كمال و هو أقدر على إقامة الكمال من الضعيف و بالتالي يكون هو صاحب الحق و المشروعية و قد قال بذلك معظم أهل السنّة.
فيلاحظ على هذه النظرية: إنّ فلسفة الحقّ نشأت من الكمال و يمكن توافقها