بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 59

حاكميّة اللّه عزّ و جلّ


صفحه 60

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 61

قد وقع البحث في العلوم العديدة كعلم القانون و الحقوق و الفلسفة و الكلام عن مبدأ الحاكميّة و مصدر صلاحيّات الحكم و مشروعيّته و لم يختصّ هذا البحث بالسلطة التشريعية، بل عمّ كلّاً من السلطة التنفيذية و القضائية أيضاً و اختلفت المذاهب في ذلك و أبرز ما انقسمت إليه هو: المذهب الإلهي و المذهب الوضعي، و يطلق المتكلّمون على هذا التقسيم و أصحاب التراجم أتباع الملّة و النحلة.

و المعروف لدى الإلهيين أنّ مبدأ السلطات هو اللَّه الخالق ربّ العالمين، بينما المعروف لدى الوضعيين أنّ مبدأ السلطات هو البشر أنفسهم، على اختلاف بينهم في كيفية النشوء و منطلقه، هل هو الطبيعة البشرية أو القوّة و التغلّب أو العقد الاجتماعي أو العقل التجريبي و غيرها من المناشئ لديهم.

و الغريب من جملة من الباحثين في هذا المجال لا سيما الإسلاميين أنّهم قصّروا البحث في السلطة التشريعية، مع أنّ الحكم و الحاكمية معنىً عامّ شامل للأبعاد الثلاثة المتقدّمة.

و قبل استعراض أدلّة الطرفين يتعيّن الخوض في معنى الصلاحيّة و الحقّ عند التعبير بحقّ الحاكميّة، و من ثمّ تقييم الأدلة على وفق معنى أهلية الحقّ و الصلاحيّة.


صفحه 62

مبدأ تولّد الحقّ

الحقّ عند الحكماء يُقال على الثابت و الموجود و الغاية، أي كمال الشيء و على القديم.

و الحقّ عند الفقهاء هو السلطنة الضعيفة أو الملكيّة و القدرة.

و قد يطلق على كلّ شيء ذي نفع ثابت.

و الحقّ عند المتكلّمين هو ما يسوغ فعله لصاحبه و لا يمانع عن فعله.

و فسّر بعضٌ الحقّ بمعنى الاختيار في الأفعال أو في أيّ شيء يكون له. و الاختيار تارة فسّر بالتكويني و اخرى بالتشريعي، يعني المطابقة مع القانون و ما يسوّغه القانون.

و قد تعدّدت النظريات في علم القانون و العلوم السياسية و الإنسانية في مبدأ تولّد الحقّ فيجدر في المقام التعرّض إلى تلك المناشئ المتبنّاة عند أصحابها.

فالأول: القدرة و الغلبة

و كأنّ القائل بأنّ مصدر الحقوق و المنبع الأول للحقّ نشأ من القوّة و الغلبة، يستمدّ استدلاله من قضية فطرية و هي أنّ صاحب القوّة هو صاحب كمال و هو أقدر على إقامة الكمال من الضعيف و بالتالي يكون هو صاحب الحق و المشروعية و قد قال بذلك معظم أهل السنّة.

فيلاحظ على هذه النظرية: إنّ فلسفة الحقّ نشأت من الكمال و يمكن توافقها


صفحه 63

مع نظرية نشوء الحقّ من الغاية؛ نعم القائلين بنظرية القوّة و الغلبة يخطئون في تعيين مصداق و فرد القوّة، فأنّ الإلهيين يجعلونه الخالق، بينما أصحاب النظرية المزبورة يجعلونه الفرد البشري.

و جماعة أخرى فَلْسَفُوا مشروعية القوّة و الغلبة لنشوء الحقّ بأنّ الضعيف إذا قاوم القوى فإنّه يوجب استشراء للفساد و مرادهم أنّ تغلّب القوى و إن لم يلتزم بالصلاح التامّ، إلّا أنّه يوجب أدنى درجات النظام المدني الاجتماعي، كما أشار إلى هذه الضرورة أمير المؤمنين عليه السلام، «و لا بدَّ للناس من أمير برّ أو فاجر» بخلاف ما إذا قاوم الضعيف، فإنّه لن يقوى على إقامة النظام الاجتماعي و سيظلّ دوره محدوداً بالمقاومة و بالتالي زعزعة النظام المدني في أدنى صُوَره.

و هذا التفسير للمشروعيّة و الحقّ بغضّ النظر عن الملاحظات الواردة عليه يتبنّى أيضاً على تفسير منشأ الحقّ و المشروعيّة بالكمال و المصلحة العامّة، حيث أنّ حفظ أدنى درجات النظام يؤمّن ايجاد مصالح الأفراد و كمالاتهم و لو بأدنى الدرجات.

نعم يرد على هذا التفسير مضافاً إلى ما أورد عليه قبله، أنّ الضعيف في كلّ الحالات لا يكون غير قادر على إقامة النظام، كما أنّ مقاومته قد تكون هي بنفسها موجبة لقلب معادلة القدرة بوصول الضعيف إلى قنوات القدرة و قطع الطريق عن المتغلّب عن استمرار في التحكم بها، بل لو فرض أنّ الضعيف لم يتمكّن من الوصول إلى السيطرة على النظام يمكن مع ذلك فرض العديد من المزايا في مقاومته للمتغلّب كأن يوجب ارعواء المتغلّب عن التمادي في الفساد و إيجاب مقاومته للضغط عليه و أن تمهّد المقاومة للمقاومات في الأجيال اللّاحقة تزيل القدرة المتغلّبة الفاسدة.

و الثاني: الطبيعة أو الفطرة

و يصطلح على الحقوق الناشئة منها بالحقوق الطبيعية أو الفطرية.


صفحه 64

و قد يشكل على مبدئية الطبيعة لتوليد الحقوق: بأنّ حدود و دائرة الحقّ لا تكون بيّنة المعالم على طبق الطبيعة و بالتالي فإنّه يفتح الباب على مصراعيه أمام الحريّات الجنسية و الشهوية و ايجاد الجوّ الخُلُقي الرديّة.

و يمكن الاجابة على ذلك: بأنّ ابهام الحدود لا يعني التنكّر لأصل منشئية الطبيعة و مقتضياتها للحقّ، غاية الأمر لا بدّ على المقنّن الوضعي مثلًا من مراعاة المقدار المتيقّن و نحو ذلك أو استكشاف حدوده بالوحي في التقنين الإلهي.

كما أنّ القول بمبدئية الطبيعة للحقّ لا يعني المغالاة و الإفراط في رسم الحقوق منها على حساب الحقوق الناشئة من الفطرة الروحية، بل لا بدَّ من الموازنة؛ لا بمعنى التساوي، بل المعادلة بنحو الأهمّ و المهمّ و نحو ذلك و قد جرى ديدن الفقهاء في كثير من الأبواب الفقهية بالاستدلال على مشروعيّة أمر بالآيات الواردة في السنن الإلهيّة في التكوين.

و الثالث: القدرة

و قد تقدّم أنّها تفسّر بعدّة معاني.

و الرابع: ضرورة حفظ النظام الاجتماعي و مصلحة النُّظُم العامّة.

و هذه ترجع إلى نشوء الحقّ من أدنى الكمالات الضرورية، إذ بعد كون الإنسان لا يؤمّن تمام حاجياته بفعل نفسه، بل يؤمّنها بمجموع أفعال بني آدم فلا بدَّ من إقامة أدنى مراتب النظم التعايش و التبادل.

و على أية حال، فهذا المنشأ يصلح مبدأ لتولّد الحقوق و الحقّ السياسي لا مبدأ لأوّل حقّ متصوّر، إذ لحاظ الفرد و وجوده سابق على لحاظ و وجود المجموع رتبةً و بالتالي فحقّ الحكم و المشروعيّة السياسية متأخّر عن مجموعة الحقوق الأولى.

و من ثمّ أُقِرَّ في البحوث الحقوقية و القانونية في الآونة المتأخّرة أنّ هناك منظومة من الحقوق قبل القانون- أي قانون النظام الاجتماعي السياسي- و هناك مجموعة من الحقوق متولّدة من القانون فلا تعدّ الثانية و كيفية نشوئها من الحقوق


صفحه 65

الأوليّة لنشأة الحقّ.

إنّ هناك جدليّة قائمة في البحث الحقوقي و القانوني حول ترجيح و مراعاة حقوق الفرد في مقابل حقوق المجتمع، و أكثر الآراء في ذلك على ترجيح جانب المجموع على الفرد، في مقابل الآراء الأخرى التي تكيّف الوضع النظام الاجتماعي مع حالة إطلاق الحريّات الفردية و اختيارات الفرد، إلّا أنّ هناك بُزُوغاً لصياغة تعادلية أخرى لا تجعل في حسبانها تلك الكفّتين في الميزان، فلا تقابل بين حق الفرد و حق المجموع، بل تجعل التقابل بين حقّ الجميع مع حقّ المجموع.

و الفرق بين النظريّتين هو الفرق بين العامّ الاستغراقي و العامّ المجموعي كما هو المصطلح عليه عند علماء الأصول و لك أن تقول: هو الفرق بين المصالح و المنافع الواصلة إلى كلّ الأفراد بنحو الاستيعاب و بين المنافع غير الواصلة إليهم مباشرة، بل التي تنتهي إلى مؤسسات و بُنى النظام الاجتماعي.

و الخامس: العدالة العامّة

و الظاهر أن مرادهم يقارب المنشأ الذي سبق و إن كان بينهما فرق من بعض الجهات، حيث أنّ عنوان و مفهوم العدالة لازمه و مقتضاه مراعاة هذا الأصل في تمام قانون النظام الاجتماعي، بخلاف أصل حفظ النظام العامّ، فإنّه يتأتّى و لو بالعدالة النسبيّة. فالكلام في هذا المنشأ هو الكلام في ما سبق.

و بعبارة أُخرى: إنّ عنوان العدالة يفترض فيها تقرّر حقّ في المرتبة السابقة يؤدّى إلى صاحبه و يؤخذ من المتجاوز للحدّ ذي العدوان. نعم و إن كانت العدالة كما هو محرر في الحكمة العملية و أحكام العقل العملي غير متوقّفة على الاعتبار و القانون.

و السادس: أحكام العقل

و قد يفسّر تارة بخصوص العقل العملي و أخرى بما يعمّ العقل النظري و هذا بناءً على أنّ أحكام العقل العملي برهانية و الحسن و القبح


صفحه 66

ذاتيان للأشياء، فالأمر واضح؛ و أمّا بناء على أنّ أحكامه اعتبارية فأحكام العقل العملي راجعة إلى العقد الاجتماعي الآتي و ليس مبدأ مستقلًا.

كما أنّ العقل العملي بناء على القول بتكوينية الحسن و القبح و رجوع المدح و الذمّ إلى الكمال و النقص فأيضاً يؤول هذا المبدأ إلى مبدأ الكمال غاية الأمر باستكشاف العقل العملي أو النظري.

و السابع: العقد الاجتماعي

تنطلق النظريات العقدية- أو ما يسمّى بنظرية العقد الاجتماعي- من أنّ الدولة هي ظاهرة إرادية قامت نتيجة اتفاق حرّ و اختياري بين مجموعة من الناس، رجّحوا الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المدني و السياسي و ما نتج عن ذلك من قيام سلطة سياسية و تنازل المواطنين عن كلّ أو بعض حقوقهم الطبيعية.[1]

و جذور هذه الفكرة ارتبطت في تاريخ الفكر السياسي بأسماء ثلاثة مفكّرين، و هم: توماس هابز، جان لاك، جان جاك روسو.

نظرية توماس هابز (1588- 1679 م)

يذهب هابز إلى أنّ الإنسان البدائي كان شرّيراً و كانت القوّة هي السائدة في العلاقات بين الأفراد إلّا أنّ الإنسان أدرك مع التطوّر فائدة الانتقال من حالة الفوضى و سيادة القوّة إلى حالة الاجتماع المدني.[2]

و لتفسير الانتقال من حالة الحياة الطبيعية الأولى إلى المجتمع المدني استخدم هابز فكرة العقد الاجتماعي بأنّ الأفراد اتّفقوا في ما بينهم على إقامة مجتمع يرعى فيه كلّ فرد حقوق غيره و ينزل فيه كل فرد عن حرّيته في العمل

[1]زهير شكر، الوسيط من القانون الدستوري، ص 23.

[2]زهير شكر، الوسيط، ص 24.