بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 66

ذاتيان للأشياء، فالأمر واضح؛ و أمّا بناء على أنّ أحكامه اعتبارية فأحكام العقل العملي راجعة إلى العقد الاجتماعي الآتي و ليس مبدأ مستقلًا.

كما أنّ العقل العملي بناء على القول بتكوينية الحسن و القبح و رجوع المدح و الذمّ إلى الكمال و النقص فأيضاً يؤول هذا المبدأ إلى مبدأ الكمال غاية الأمر باستكشاف العقل العملي أو النظري.

و السابع: العقد الاجتماعي

تنطلق النظريات العقدية- أو ما يسمّى بنظرية العقد الاجتماعي- من أنّ الدولة هي ظاهرة إرادية قامت نتيجة اتفاق حرّ و اختياري بين مجموعة من الناس، رجّحوا الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المدني و السياسي و ما نتج عن ذلك من قيام سلطة سياسية و تنازل المواطنين عن كلّ أو بعض حقوقهم الطبيعية.[1]

و جذور هذه الفكرة ارتبطت في تاريخ الفكر السياسي بأسماء ثلاثة مفكّرين، و هم: توماس هابز، جان لاك، جان جاك روسو.

نظرية توماس هابز (1588- 1679 م)

يذهب هابز إلى أنّ الإنسان البدائي كان شرّيراً و كانت القوّة هي السائدة في العلاقات بين الأفراد إلّا أنّ الإنسان أدرك مع التطوّر فائدة الانتقال من حالة الفوضى و سيادة القوّة إلى حالة الاجتماع المدني.[2]

و لتفسير الانتقال من حالة الحياة الطبيعية الأولى إلى المجتمع المدني استخدم هابز فكرة العقد الاجتماعي بأنّ الأفراد اتّفقوا في ما بينهم على إقامة مجتمع يرعى فيه كلّ فرد حقوق غيره و ينزل فيه كل فرد عن حرّيته في العمل

[1]زهير شكر، الوسيط من القانون الدستوري، ص 23.

[2]زهير شكر، الوسيط، ص 24.


صفحه 67

مُؤثّراً في ذلك، المصلحة الآجلة على المصلحة العاجلة.

من هنا فإنّ الدولة تقوم حين يتنازل الناس عن سلطتهم لصاحب السيادة فتتركّز في يده سلطة عظيمة يخافونها و يشكل بها إرادتهم بذلك لصيانة السلام في الداخل و الدفاع عن الداخل أمام الخارج.

و حسب تعريفه إنّ السيّد الرئيس هو الذي يمتلك الحقوق كوكيل عن الناس.

نظرية جان لاك (1632- 1704 م)

يؤكّد على أنّ المجتمع لم يقم على أساس القوّة و الإكراه، بل قام على أساس الاختيار و الرضا المتبادل بين الأفراد و إنّ الغاية من ذلك الاجتماع المدنى هي المحافظة على الملكيّة التي تعنى حقّ الحياة و الحرّية و التملّك.

و حسب رأيه الحكومة المشروعيّة معنيّة بوظائف محدّدة و إن غفلت عن تأمين الأهداف و عملت وفق الهوى، فإنّها تفقد سند مشروعيّتها و يتحرّر الأفراد من الالتزام بطاعتها و يحقّ لهم الثورة عليها.[1]

و يؤكّد على أهميّة القانون في الحكومة و يعتبر أنّه حيثما ينتهي القانون يبدأ الاستبداد؛ فالفكر السياسي عنده هو علماني بصورة جذريّة و يعلن بأنّ كلّ سلطات الحكومة المدنية لا تتعلّق إلّا بالمصالح المدنية و أنّ الآراء الدينية تتمتع بحقّ مطلق و شامل و لكن بالمسامحة و يعلن أنه يؤمن بالوحى و من أنصار المسيحية العاقلة و ألّف كتاباً سمّاه المسيحية المعقولة[2].

نظرية جان جاك روسو (1712- 1778 م)

و رأيه قائم على سيادة الشعب و يرفض وجود سلطات تشريعية و تنفيذية

[1]محمد عبد المعز نصر، في النظريات و النظم السياسية، ص 81- 82.

[2]جان توشار، الأسس النظرية و الفلسفية للأنظمة السياسية و القانونية، ترجمة علي مقلّد، ص 295.


صفحه 68

مستقلّة عن الشعب و لا تلعب الحكومة إلّا دوراً تابعاً و هي مجموعة من الأفراد التي تنفّذ القوانين بينما الشعب هو الذي يضع القوانين.

* و الملاحظ في نظرية العقد الاجتماعي أنّ جلّ نظرياتها تسلّم بلزوم تحديد و تقييد الحقوق الطبيعية بالأحكام العقلية أو العقلائية التي تَرعى و تَعني برعاية مصلحة الاجتماع المدني للأفراد و قالوا بلزوم تنازل الفرد عن جملة من حقوقه الطبيعية في مقابل المصلحة العامّة للمجموع و أنّ هذه ضريبة الدخول الاختياري في العقد الاجتماعي.

هذا و لكن الحكماء في الحكمة الإلهية و العملية و كذلك المتكلّمون قد كشفوا النقاب عن الغاية في دخول الإنسان في العقد الاجتماعي و هي وصوله إلى كمالات و تلبية حاجات ليس بالإمكان وصوله إليها من دون التعاون مع بني أبناء جنسه في حياته المشتركة.

و بعبارة أُخرى: فإنّ نظام الاجتماع المدني قنطرة لتحقيق التعاون في البيئة المناسبة لتلبية حاجات الأفراد؛ فلا يكون تنازله عن جملة من اختياراته إلّا لأجل الوصول إلى بقية اختياراته و تلبيةً لبقيّة حاجاته؛ فليس تنازله تنازلًا مجانياً، بل هو يستعيض بذلك بتحقيق كمالاته.

و بالتالي فالنظام الاجتماعي هو الطريق الوحيد لتأمين ذلك و إقامة النَّظْم الحكيم في الاجتماع المدني ضرورة لوصول جميع الأفراد إلى غاياتهم المنشودة و هو يسمّى بالعدالة في كافّة مجالاتها.

و بهذا المقدار من البيان لفكرة العقد الاجتماعي يتقرّر تولّد حقّ الحاكميّة للباري تعالى أيضاً، حيث أنّه العالم بالقوانين الكفيلة لإقامة العدل الاجتماعي.

هذا فضلًا عن الدخول في تفاصيل البحث في العقد الاجتماعي نظير البحث القائم عن غايات الحكم في النظام الاجتماعي أو البحث عن البنية الحقوقية


صفحه 69

السابقة على العقد الاجتماعي و هي الحقوق الطبيعية و غيرها من البحوث الأخرى، فإنّ هذه الأبحاث أيضاً كلّها تؤدّي إلى تقرير حقّ حاكميته تعالى.

أمّا البحث في الأغراض فقد اختلفت فلاسفة الاجتماع البشري في تحديده، فمنهم مَن جَعل الغرض من الحكم و التدبير السياسي هو التربية الأخلاقية للأفراد و عرّف المدينة الفاضلة بذلك و هم قاطبة الفلاسفة و الحكماء، سواء في العهد القديم أو فترة العهد الإسلامي، فلم يحصروا كمال الأفراد في الجانب المادي، بل أخذوا بعين الاعتبار الكمالات الروحية.

و قد برهن في الحكمة العملية أنّ الكمال الخُلُقي و العدالة الخُلُقية أُسُّها الذي تنطلق منه هو عبوديّة الإنسان لخالقه هي الحاجز عن ظهور طابع الأخلاق الوحش الكاسر على الإنسان؛ فَعلى هذا التقرير لغاية الحكم و التدبير السياسي يتقرّر جليّاً حقّ حاكميّته تعالى.

و منهم مَن جعل الغرض من الحكم و التدبير هو الوصول للرفاه المادي، إلّا أنّ سرعان ما تبيّن في أبحاث الفلسفة الاجتماعية أنّ هذه النظرية تؤدّي إلى «اللّاعدالة» و حاكميّة أصحاب الثروة على مقدّرات أفراد المجتمع و على حساب حقوق الجميع.

و السبب المكتشف لهذه النتيجة و الظاهرة هو إطلاق الرغبة المادية للأفراد من دون حاجز داخلي في أعماق كلّ فرد و قصور العقوبة القانونية عن إقامتها لذلك الحاجز.

و أمّا البحث عن البنية التحتية للعقد الاجتماعي و هي الحقوق الطبيعية، فقد تبيّن في ما مضى تقرير حقّ حاكميّته تعالى بلحاظ مبدئية الطبيعة لتوليد الحقّ.

ثمّ إنّ هناك كلمة جامعة حول مبدئية العقد الاجتماعي لتوليد الحقّ و هي ما أشار إليه الحقوقيّون و القانونيّون في التقنين الوضعي من أنّ هناك تنازعاً بين المذهب العقلي و الفردي في التقنين.


صفحه 70

و حقيقة هذا التنازع يرجع إلى التنازع بين الجانب الغريزيّ النازل في الإنسان و الجانب العقلاني منه؛ فإنّ العقل قاضٍ بأنّ وصول الإنسان لكمالاته- أجمع، حتى الغريزي منها، فضلًا عن غيرها- لا بدّ فيها من الاجتماع المدني و هو لا يقرّ قراره و لا تقوم دعامته بنحو يبسط فيه المجال لوصول كلّ فرد إلى كمالاته- و هو ما يسمّى بالعدالة- إلّا بتحكيم قوانين الفطرة العقلية و هيفِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.

و بذلك يتبيّن أنّ فلاسفة القانون و علم الاجتماع لا تصحّ مقابلتهم و ترديدهم البحث بين أصالة الفرد أو أصالة المجتمع الذي المراد به قوانين النظم الاجتماعي، لأنّ الدَوَران في حقيقته ليس بين الفرد و غيره، بل هو بين أبعاد الفرد الواحد و لك أن تقول بين بُعدَيْه: البُعد العقلاني و ما يتبعه من الجهات الروحية و الخُلُقية و البُعد الغريزي من الشهوة و الغضب و لذائذ و مُتعة البدن و رفاهه الجسماني.

و قد أثبتت العلوم الإنسانية (علم فلسفة التاريخ و علم الاجتماع) أنّ التفريط بالبعد العقلاني و الأخلاقي و الروحي في النظام الاجتماعي مدعاة لِتَصَدُّعِ الحضارات و انهيار الأمم و زوال النظام الاجتماعي و التاريخ يعيد نفسه، فقد تكرّر ذلك في العديد من الأمم و الحضارات. و نحن نشاهده في الحضارة الغربيّة الآخذة بالتَّهَرُّء و الفوضى الروحية و تصدّع الأسرة و تفاقم الأمراض الروحية.

فحيث انتهينا إلى هذه الضرورة في العقد الاجتماعي من مراعاة الجانب الخُلُقي و العقلاني فمن الثابت في موضعه أنّ الفلسفة الأخلاقية و العقلية لا ينبني سَرْحُها إلّا بأساس التوحيد و بالتالي حقّ حاكميّة الباري تعالى في كل هذه المراحل المنتهية إلى النظام الاجتماعي.


صفحه 71

معنى حاكميّة اللَّه تعالى

لا بدّ من الالتفات إلى معنى حاكميّة اللَّه قبل التعرّض و الخوض في الأدلّة على ذلك و بعبارة أخرى: إنّ أدلّة ضرورة النبوة العامّة و الخاصّة هي عبارة عن الحاكميّة التشريعية للَّه تعالى، كما أنّ أدلّة الإمامة هي عبارة عن الحاكميّة التدبيريّة للَّه تعالى في السلطات الثلاث التنفيذيّة و القضائيّة و التشريعيّة المتنزّلة؛ فأدلّة ضرورة النبوة هي في الحقيقة حاكميّة للَّه تعالى و في الدرجة الثانية هي وصاية للنبي صلى الله عليه و آله و سلم على الطبيعة البشريّة و كذلك الحال في أدلّة الإمامة هي بالدرجة الأولى حاكميّة للَّه أوّلًا في السلطة و بالدرجة الثانية حاكميّة للرسول صلى الله عليه و آله و سلم و بالدرجة الثالثة هي حاكميّة للإمام المعصوم عليه السلام، و من ثمّ كانت أصول الدين كلّها عبارة عن صياغات للتوحيد في مقامات متعدّدة، أي توحيد الذات و الصفات و التوحيد في التشريع و التوحيد في الولاية و الحكم و التوحيد في الغاية.

و من ثمّ لا توحيد تامّ في الأديان إلّا في دين الإسلام على ما هو عليه في مذهب الإمامية و لم يتمّ نصاب التوحيد في بقية الفِرق الإسلامية كما لم يتمّ عند أتباع الأديان السماوية السابقة.

و الحاصل أنّ أدلّة النبوّة و الإمامة مجموعهما هي أدلّة لحقّ حاكميّة اللَّه تعالى في مجال التشريع و التقنين و في مجال التدبير السياسي.


صفحه 72

أدلّة حاكميّة اللَّه تعالى

و حيث قد تبيّن مناشئ الحقّ و كيفية تولّدها، يمكن للباحث حينئذٍ أن يصوغ الأدلّة الآتية على حاكميّة الباري تعالى على النظام الاجتماعي بِلُغَةٍ حقوقية.

و يجب الأخذ بعين الاعتبار مؤدّى كلّ دليل و شموليّته لحقّ التشريع في كافّة المجالات و لحقّ الحاكميّة القضائية و لحقّ حاكميّة التدبير السياسي.

الدليل الأول كون الإنسان مدنيّاً بالطبع

و قد صاغ هذا الدليل و قرّره كلّ من الحكماء و المتكلّمين و غيرهم من أصحاب علم المعرفة و علم الاجتماع من أنّ الإنسان مضطرّ إلى الحياة الاجتماعية و هي متوقّفة على الحاكميّة النموذجيّة في جانب التشريع أو في جانب التدبير.

أما المقدّمة الأولى

فمِن البديهي أنّ الإنسان لا يتوصّل و لا يقضي كثيراً من حاجياته إلّا بتوسّط تبادل الخدمات مع أفراد جنسه البشري، و بالتالي فتلبية كثير من حاجياته الجِبِلّيّة و الغريزية تتمّ بالاستخدام المتبادل بين الأفراد، بل الحال كذلك في الجوانب الروحية و النفسية، فإنّه يميل فطرةً إلى الألفة و الأنس ببقية أفراد جنسه؛ و كمالاتُه


صفحه 73

الروحية أيضاً إنّما تتمّ بتبادل العلوم في شتّى المجالات و تبادل المهارات و كذا التأثير المتبادل في نظام السلوك. و قد أشبعت العلوم الاجتماعية و النفسانية هذا الجانب بحثاً و دراسةً.

أمّا المقدّمة الثانية

إنّ توقّف الحياة الاجتماعية على الحاكميّة النموذجيّة في جوانبها العديدة- و التي أبرزها جانب التشريع و التدبير- فلأنّ حفظ تآلف مجموع النظام المدني إنّما يتمّ بتوفّر الفُرَص للأفراد ليقضي كلّ منهم حاجياته و رغباته و هو معنى العدالة الاجتماعية.

و لا يتمّ حفظ العدالة إلّا بالتشريع العادل في كلّ تفاصيله و مِن بعده التدبير العادل و التطبيق الدقيق إلى ذلك التشريع. و التشريع الجامع القانوني يتطلّب مُشرّعاً و مقنّناً عارفاً و عالماً و محيطاً بحقائق الأفعال، سواء على صعيد النُّظُم أم على صعيد الأفراد و الأُسَر، و الغايات و الكمالات المطلوب الوصول إليها و يشير إلى ذلك قوله تعالى:«أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»[1]

كما يتطلّب ذلك أن لا يكون المشرّع و المقنّن نفعيّاً يُراعى مصلحتَه الخاصّة و إلى ذلك يشير قول الحكماء في أنّ الجواد هو الفاعل بالعناية و كذلك الحال في مقام التدبير بالمعنى العامّ الشامل للجوانب المختلفة و لا ريب أنّ هذه الصفات لا تتوفّر بنحو مطلق إلّا في الباري تعالى، فهو أحكم الحاكمين في كلّ مجال و مقام، كما قال تعالى:«إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»[2]

فالحاكميّة للَّه تعالى سواء في جانب التشريع أم في جانب التدبير، و لا يتوفّر هذا التقرير من حاكميّته تعالى المطلقة في كلّ الجوانب إلّا عند أتباع الشرائع

[1]الملك/ 14.

[2]الأنعام/ 57.