بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 76

و يفترق هذا الدليل عمّا سبق في أنّ الدليل الأول قد جعل فيه عمدة مقدّمات الدليل السعادة و الكمال الدنيوي، بينما في الدليل الثاني قد جعل عمدة مقدّمات الاستدلال فيه، هي سعادة الحياة الأبدية، و هي الحياة الثانية لا الحياة الأولى.

الدليل الثالث [كلّ شئون الحكم تشريعاً و تدبيراً راجعة إليه تعالى]

قد مرّ في مبحث مناشئ الحق و كيفية تولّدها، تولّد الحقّ من الطبيعة و بحسب الوجود الخارجي و يطلق عليه الحقّ الطبيعي و من المحقّق في محلّه أنّ كلَّ ما في الوجود ينتمي إلى خَلْق اللَّه و فِعله، بل كلّ ما في الوجود قائم وجوده الآن باللَّه تعالى، فالمخلوقات مملوكة لقدرته تعالى التكوينية. و بالتالي فالحقّ الاعتباري يتولّد من هذا الملك الطبيعي؛ فكلّ شئون الحكم تشريعاً و تدبيراً راجعة إليه تعالى«إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»[1]

و يفترق هذا الدليل عن سابقه أنّ عمدة مقدّمة الاستدلال في الدليلين السابقين هو حول كمال الإنسان و منافعه و أمّا في هذا الدليل فعمدة مقدّمته هي الملكيّة الطبيعية للباري تعالى و تولّد الحقّ منها.

الدليل الرابع: وجوب شكر المنعم

بعد ما ثبت أنّ الباري هو المنعم بكلّ النعم و ليست الأسباب التكوينية إلّا مجاري فيضه و سَيْبه على الخلق، بل أصل الخلقة هي النعمة الكبرى على المخلوقات، فضلًا عن الكمالات الأخرى و شكر كلّ منعم بحسبه؛ فإنّ الباري تعالى الأزلي لا يصل إليه نفع المخلوقين و إنّما الشكر اللائق به تعالى هو معرفته و الخضوع له بالعبادة و طاعته من الأعمال التي هي إحدى نعمه بصرفها في الهدف الذي خُلق لأجله و هذا الوجوب مبتنٍ على قاعدة التحسين و التقبيح العقليين، أي

[1]الأنعام/ 57.


صفحه 77

على هذا النمط من حكم العقل و بالتالي فحق الحاكمية يتولّد من حكم العقل الذي هو أحد مناشئ الحق و هو في الحقيقة راجع إلى كمالٍ خفيٍّ يرجع إلى الشاكر نفسه.

الدليل الخامس: وجوب دفع الضرر المحتمل

و هذا الوجوب قد فسّر بعدّة تفسيرات، كما أنّ المراد من الضرر هو الضرر المتوجّه من المولى الباري تعالى بسبب المخالفة، سواء كانت العقوبة جزاءً اعتبارياً قانونياً أم إفاضة من الباري تعالى ما يناسب الملكات الرديّة و الأفعال القبيحة الذي يقال عنه بتجسّم الأعمال أم غيرها من وجوه العقوبة المحرّرة و المقرّرة في بحوث علوم المعرفة؛ فما دامت العقوبة محتملة و الاستحقاق مجزوماً به فوجوب دفعه محقَّق إمّا لقضاء العقل النظري بذلك أو نفرة العقل العملي من الضرر المحتمل و هو ما يسمّى بالفطرة العقلية أو لقضاء الطبع الحيواني أو لكونه منافياً للجِبِلّة الطبيعية و سواء كان ذلك الضرر المحتمل دنيوياً أم أخروياً.

و هذا الدليل تفسيره في توليد الحق يتناسب و يتناغم مع المبدأ الأول الذي مرّ في منشأ تولّد الحقوق مع التحفّظ بالقيود التي أثرناها حول تلك النظرية.


صفحه 78

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 79

أدلّة نفي حاكميّة اللَّه تعالى عند العلمانيّين

أدلّة العلمانيين النافين للحاكميّة الدينية و نظريّتهم و إن تعدّدت في الصياغة تارة بتعبير فصل الدين عن الحياة السياسية و أخرى بفصل الدين كمسير أخروي عن نظام الحياة المدنية و ثالثة بأنّ الدين يتكفّل البرنامج الروحي للأفراد لا على النظام المادّة و الأبدان، و غيرها من قوالب التعبير المرفوعة لديهم و قد صاغوا لنظريتهم عدّة من الأدلّة:

الدليل الأول إنّ الدين و القوانين الثابتة لا يتمكّن من تلبية الجانب المتغيّر في الإنسان،

حيث إنّ طبيعة الإنسانية هي على الدوام في مسير التحوّل و التبدّل و كذلك في علاقة الإنسان مع البيئة المحيطة به، فإنّ تلك العلاقة و الرابطة خاضعة لسلسلة غير متوقّفة من التغيّرات و التبدّلات فكيف يفرض جانب ثبات فيها؟

و الجواب عنه:

أولًا: إن الأدلّة التي صاغوها على ظاهرة التغيّر في الإنسان و معيشته في البيئة لا تقتضي عموم التغيّر في كلّ الموارد و إلّا لَوَرَد على هذه الدعوى ما يرد على نظرية


صفحه 80

التضاد الديالكتيكي، بل إنّ جوانب الثبات في الإنسان و البيئة كثيرة جداً؛ و أبين برهان على وجود أبعاد الثبات فيهما ما يشاهد من طلب الباحثين في العلوم التجريبية- كعلم الفيزياء و الكيمياء و الأحياء و الرياضيات- من السعي و التحرّي لاكتشاف القواعد الكليّة الشاملة بكلّ الجزئيات المتغيّرة، بحيث لا يشذّ منها الموارد الجزئية؛ فترى باحثي العلوم والِهينَ في طلبهم حيارى وراء جاذبية الكليّات الثابتة و يفرّون من الاعتماد على المتغيّرات.

و بعبارة أخرى: إنّ طبيعة الإنسان سواء البدنية أو الروحية و إن جرت عليها سلسلة من التغيّرات إلّا أنّ هيئة أعضائه و احتياجاته الطبيعية لم تختلف منذ نشأة الإنسان على وجه الأرض إلى يومنا هذا و كذلك الحال في العناصر الطبيعية المحيطة به من الهواء و التراب و الطبائع الحيوانية و النباتية، فإنّها و إن جرت عليها عوارض متغيّرة عديدة إلّا أنّ جانب الثبات في طبائعها هو الأكثر.

و ثانياً: إنّ حالة التغيّر الدائم في الجهة المتبدّلة من الإنسان و البيئة لا تقتضي نفي وجود العلم و القواعد الكليّة الجامعة الضابطة للجزئيات بنحو حاصر لها، نعم هي تقتضي ضرورة وجود الشخص المحيط بإحاطة لدنيّة بذلك العلم المحيط الشامل يكون هو المؤهَّل لدراية و تدبير الجزئيات بحيث لا يشذّ عنه شيء من الجزئيات بكلّ مدارجها و محالّها و مواضعها اللازمة. فالدليل المزبور إنّما يصبّ في ضرورة وجود الشخص الكامل و عدم كفاية الناقص. و هذا الدليل مؤشّر في النزعة الفطرية البشرية لتحسّس الاضطرار و الافتقار إلى وجود الشخص الكامل المتكفّل لإيصال هداية الباري تعالى للبشرية.

و بعبارة أخرى: إنّ المتغيّرات- مهما فرض تكثّرها و سلسلة تبدّلها- فإنّنا بضرورة الوجدان نذعن بوجود حيثية كليّة عامّة نافذة في كلّ تلك السلسلة، بها تنحفظ وحدة السلسلة و يبقى دوامها و تلك الجهة من الجهة ليست إلّا هي القانون الثابت؛ فلو افترضنا أنّ باحثاً من علماء القانون استطاع أن يهيمن و يطلع على


صفحه 81

أدوار البشرية منذ بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه و آله و سلم إلى اليوم الموعود من انقراض النسل البشري على وجه الكرة و كان اطلاعه محيطاً بكلّ التفاصيل و المجريات، أ لا يقضى العقل حينئذٍ إنّه بالإمكان حينئذٍ استخلاص قواعد قانونية ثابتة تسيطر على توليد المسير المعتدل من أطوار التغير المختلفة؟ لا ريب إنّ الإجابة هي المثبتة بالإضافة إلى ما يأتي في الجواب الثالث.

و ثالثاً: إنّ التقنين الديني و التشريع الإسلامي حيث كان جانب الثبات فيه من الأصول التشريعية فَقَدْ روعي فيه فتح المجال من جهة المتغيّر، أي في جانب الموضوعات و حيثيّة التطبيق، مِن ثمّ لم يحدّد التشريع الإلهي شكل الحكومة و آليّاتها التفصيلية و آليّات المشاركة و نحوها؛ و ذلك لاختلاف هذه الأمور في كلّ عصر بحسبه إلى غير ذلك من مجالات التطبيق المفتوحة.

و بعبارة أخرى: إنّ التشريع الإلهي كما روعي فيه جانب الثبات روعي فيه آليّة المتغيّر أيضاً و إيهامُ أنّ مدار الثبات لا يعالج المتغيّرات و لا يتقبّلها مغالطة.


صفحه 82

الدليل الثانى إنّ التغيير السريع و الواسع بسبب احتياجات البشر في كافّة المجالات تستلزم دوام الوحي

و إلّا فلا بدّ من فسح المجال للعقل كي يُغَطّي مساحات الحاجة المستجدّة و بالتالي سيكون الدور الأهمّ في التشريع هو في التقنين العقلي و العقلائي و إن استلزم نسخ العقل للتشريع الديني و رفع تلك الأحكام.

و الجواب عن هذا:

أولًا: إنّ هذا الدليل يرجع لبّاً إلى الاستدلال السابق فيواجه الأجوبة المتقدّمة.

و ثانياً: إنّ هذا الاستدلال قد افترض فيه قصر الشريعة على الظواهر و أنّ تمام الشريعة هي في ظواهر الأدلّة المتناولة بين الأيدي و لكن هذه الفرضية بمنأى و بعيدة عن حقيقة الشريعة، فإنّ القرآن ينادي

«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»[1]

و غيرها من الآيات التي تثبت تأويلًا للشريعة لا يصل إليه فقهاء الشريعة و عامّة المسلمين، بل هو عند الراسخين في العلم من المعصومين و هذه الحقيقة

[1]آل عمران/ 7.


صفحه 83

هي أحد أدلّة ضرورة وجود المعصوم المفسِّر للحقائق القلبية للشريعة. نظير قوله تعالى:

«إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ* لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ»[1]

حيث تبيّن الآية أنّ حقائق الكتاب العِلْوية لا يمسّها إلّا أهل آية التطهير من عترة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و كذلك قوله تعالى في سورة الكهف في قول العالم لموسى عليه السلام:

«ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً»[2]

و بعبارة أخرى: إنّ هذا الاستدلال يدلّل على ضرورة وجود المعصوم و عدم الاستغناء عنه بفقهاء الشريعة.

[1]الواقعة/ 77- 80.

[2]الكهف/ 82.