بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 82

الدليل الثانى إنّ التغيير السريع و الواسع بسبب احتياجات البشر في كافّة المجالات تستلزم دوام الوحي

و إلّا فلا بدّ من فسح المجال للعقل كي يُغَطّي مساحات الحاجة المستجدّة و بالتالي سيكون الدور الأهمّ في التشريع هو في التقنين العقلي و العقلائي و إن استلزم نسخ العقل للتشريع الديني و رفع تلك الأحكام.

و الجواب عن هذا:

أولًا: إنّ هذا الدليل يرجع لبّاً إلى الاستدلال السابق فيواجه الأجوبة المتقدّمة.

و ثانياً: إنّ هذا الاستدلال قد افترض فيه قصر الشريعة على الظواهر و أنّ تمام الشريعة هي في ظواهر الأدلّة المتناولة بين الأيدي و لكن هذه الفرضية بمنأى و بعيدة عن حقيقة الشريعة، فإنّ القرآن ينادي

«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»[1]

و غيرها من الآيات التي تثبت تأويلًا للشريعة لا يصل إليه فقهاء الشريعة و عامّة المسلمين، بل هو عند الراسخين في العلم من المعصومين و هذه الحقيقة

[1]آل عمران/ 7.


صفحه 83

هي أحد أدلّة ضرورة وجود المعصوم المفسِّر للحقائق القلبية للشريعة. نظير قوله تعالى:

«إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ* لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ»[1]

حيث تبيّن الآية أنّ حقائق الكتاب العِلْوية لا يمسّها إلّا أهل آية التطهير من عترة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و كذلك قوله تعالى في سورة الكهف في قول العالم لموسى عليه السلام:

«ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً»[2]

و بعبارة أخرى: إنّ هذا الاستدلال يدلّل على ضرورة وجود المعصوم و عدم الاستغناء عنه بفقهاء الشريعة.

[1]الواقعة/ 77- 80.

[2]الكهف/ 82.


صفحه 84

الدليل الثالث إنّ دين الإسلام إذا أُريد له الخلود و الأبديّة فلا بدّ أن يغطّي الكثير من مساحات الفراغ في مجالات الحياة

و النظام الاجتماعي نظير مجالات المستجدّة الاقتصادية و المالية و المصرفية و الميادين العسكرية و البيئية و قوانين الاجتماع و النظم الدولي و غيرها من الأبواب الواسعة المستجدّة مع أنّها ليس لها أيّ إشارة في المتون و النصوص الدينيّة.

الجواب:

أولًا: يرد عليه ما تقدّم في الأجوبة على الأدلّة السابقة.

ثانياً: إنّ القوانين الدينية ليست تنحصر بالأبواب و الفصول التي استخرجها الفقهاء على مدى القرون، حيث كان الفقه ابتداءً يضم أبواباً معيّنة و عدداً محدوداً من المسائل إلّا أنّه بمرور القرون و الأزمان المختلفة تكثّرت تلك الأبواب و ازداد استخراج الفقهاء للقواعد الشرعية و القوانين الدينية و الفصول الجديدة في التشريع و لكن مع كلّ ذلك هذا لا يعني أنّهم استخرجوا كلّ ما في القرآن و السنّة المطهّرة من فقه و من قواعد شرعية؛ فإن ما في القرآن من أصول للتشريع و القوانين و كذلك ما في سنّة المعصومين عليهم السلام أوسع ممّا عليه كتب الفقهاء و لذلك ترى الكتاب الفقهي الحاضر بالمقايسة مع الكتاب الفقهي قبل قرون و بالمقايسة مع الكتاب الفقهي في القرون الأولى الهجرية قد ازداد حجماً كبيراً مضاعفاً عمّا


صفحه 85

هو عليه سابقاً.

و كلّ ذلك لأجل تواصل مسيرة الاستنباط و القراءة التخصصية للشريعة و يقظة فقهاء الشريعة إلى أصول في التشريع و قواعد لم يتنبّه إليها السابقون في التخصص الفقهي و ذلك لإلحاح الحاجة في الحياة المستجدّة بطرح أسئلة و بحوث اضطرارية، فعدم العثور على أجوبة فقهية للمسائل المستجدّة من كتب الفقهاء لا ينسحب على القرآن و السنّة، بل اللازم تظافر الجهود و تنوّعها لتغطّي حاجات الحياة المعاصرة.

و على أيّ تقدير إنّ هذا الدليل و طبيعة المرمى الذي يهدف إليه مؤشّر إلى وجود الاضطرار و الحاجة إلى المعصوم من كلّ الأزمنة و الأعصار و أنّه المحيط بكافّة التشريعات الخافية على الأجيال البشرية مهما تواصلت مسيرة الفقه و الفقهاء و مسيرة التفسير و علماء العلوم الدينية و لكن ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.


صفحه 86

الدليل الرابع ليس من لوازم الخاتميّة إطلاق أحكام الشريعة و عمومها لكلّ الأزمان و الأحوال،

سواء تلك الأحكام الواردة في القرآن الكريم أم السنّة النبوية و لا تلازم بين أبديّة الذات الإلهية و اطلاق الأوامر الإلهية.

و ينبّه على عدم التلازم ما يشاهد في القرآن من امتزاج الأحكام و المعارف العقلانية مع أحكام و ثقافات البيئة العربية و محيط القَبَلي الجزيرة العربية و الذي لا يمكن تعميمه لبقية البيئات البشرية و المحيط الزمني للأجيال اللاحقة.

و من أمثلة ذلك ترغيبهم في الثواب الأخروي بالحور العين و تشبيههنّ بالبيض المكنون و الياقوت و المرجان و غيرها من الأوصاف التي تتواجد في الجنس البشري من الأمم الأخرى فلا تكون مدعاة رغبة و استثارة لبقية الأمم الأخرى كي تحثّهم على التوجّه إلى الآخرة و ترغّبهم في الجزيل الثواب.

و كذلك التمثيل للثواب الأخروي بالجنّات التي تجري من تحتها الأنهار و الفواكه الطَّريّة، فإنّ محيط البادية في الجزيرة العربية، حيث لا تتوفّر لديهم مثل هذه الأشياء تكون مدعاة رغبة لهم بخلاف بقية البلدان العامرة جمالًا و خضرةً.

و الجواب:

إنّ أبديّة الذات الإلهية و مبدئيّتها تعنى واجدية الذات الإلهية لجميع الكمالات و منها علمه تعالى بكلّ شيء و خالقيّته لكلّ شيء و قدرته عليه و علمه


صفحه 87

بما يخلق و هو اللطيف الخبير، لطيف بما هو كمال للمخلوقات، و خبير بما هو صلاح لها؛ فلا يشذّ عن علمه و حيطته شيء من أول الخلقة إلى آخرها.

و قد مرّ في الأجوبة السابقة أيضاً التنويه بوجوه عناصر أو جهات مشتركة كلّية عامّة في كلّ أطوار و أدوار التغيّر في مراحل البشر و على ضوء هاتين النقطتين لا محالة من تعلّق الأوامر الإلهية و الأحكام الشرعية بما هو ثابت في كمال و صلاح البشر المنسجم مع كلّ أمثلة المتغيّر.

و أمّا حديث تصنيف القرآن إلى مَزيج من المفاد العقلاني و المفاد البيئي العربي، فإن أريد به ما يؤول إلى التفرقة بين المصاديق و الحكم الكلّي العامّ، فهذا التفصيل لا بدّ من مراعاته و من ثمّ بنى فقهاء الشريعة على أنّ المورد لا يخصّص الدليل الحكم الوارد، كما دأبوا في باب الاستظهار من الأدلّة على التفرقة بين الموضوع الكلّي الثابت و الموضوعات المصداقية التطبيقية المتبدّلة؛ لكن تبدّل الموضوع لا يضرّ بثبات الحكم، حيث أنّ الحكم وارد على الموضوع بنحو الفرض التقديري فلا يزلزل ثبات التشريع تبدّل المصاديق، لأنّها إن خرجت من الاندراج تحت تشريعٍ ما عادت بالاندراج تحت تشريع آخر و مثل ذلك ما لو لم يتحقّق مصداق للموضوع المأخوذ في الحكم التشريعي، فإنّه لا مجال لفعلية الحكم حينئذٍ لكن هذه الصورة الثانية أيضاً لا تعنى تبدّل الحكم و عدم ثباته.

و أمّا إن أريد من التفصيل المزبور أنّ جملة من الأحكام هي محدودة بذلك العصر أو منسوخة في هذا العصر، فهذا خلاف إطلاق دليلها و التمسّك بالأصول العامّة التشريعية و بالأدلّة المقرّرة لروح الشريعة لا ينفي تلك الأحكام إلّا بما يرجع إلى تبدّل الموضوع أو ملاحظة المناسبة و التناسب بين منظومة الأحكام و مشجّرة التشريعات و باب توارد الأحكام بعضها على بعض أو تزاحمها و التشبّث بالأصول التشريعية و رفع اليد عن التشريعات المتنزّلة لا يصحّ بعد لزوم طاعة الرسول و أولي الأمر من أهل بيته؛ نعم ملاحظة التناسب القانوني و العلاقات


صفحه 88

و الروابط بين فصول التشريع بالقواعد و الموازين المقرّرة العلاجية أمر قانوني منضبط.

و أمّا الأمثلة المذكورة فالترغيب و الترهيب ليس ناشئاً من البيئة و ظرف زمني معيّن، بل هو ناشئ من غرائز مفطور عليها البشر أيّاً كانت بيئته و أياً كان زمنه فها نحن نسمع بالشره و الولَه الغريزي لدى الغرب بحكايات يمجّها الطبع الشرقي فقد ساء الخُلُق و الآداب الجنسية لديهم بدرجة مسعورة فَقَدَ العقلُ السيطرة عندها. فَوفْرَةُ الجمال لديهم لم نَرَها موجبة لفتور الجنس، بل لزيادة حرارته و هذه الظاهرة إن دلّت على شيء فإنّما تدلُّ على وجود الطلب الغريزي لدرجات أكثر صفاءً و لطفاً و جمالًا و بهاءً لا تتوفّر في هذه النشأة المادية الغليظة الكثيفة.

و بعبارة أخرى: إنّ هذه الغرائز ليس الحامل لها البدن، بل الروح و إنّما البدن الدنيوي أداة و آليّة لوصول إلى بعض درجات غايات و أفعال تلك الغرائز، فالإنسان في روحه و أبدانه البرزخية و الأخروية مطويّ على تلك الغرائز تنجذب ذاته نحو تلك الغايات و من ثمّ كان الدين الإسلامي دين الفطرة لا دين البيئة الخاصة.


صفحه 89

الدليل الخامس إنّ حاكميّة الدين في شئون الحياة و نظمه للبناء الاجتماعي مبتنٍ على تشريع أصول و قواعد ثابتة،

و التراث الديني يفتقر عن وجود نصوص ثابتة قطعية الدلالة بعيدة عن الترديد في الاحتمالات المتعدّدة في المفاد. هذا لو سلّمنا بصيانة القرآن و حفظه عن التحريف، إلّا أنّه لا ضمان عن التحريف في المستقبل الآتي.

و الجواب عن ذلك:

أولًا: إنّ وجود الأصول و القواعد التشريعية القطعية اليقينيّة لا ريب فيه في الشريعة الإسلامية سواء من حيث الصدور أو من حيث الدلالة و إن كان وجه حجّية القرآن لا تعتمد على التواتر و لا على الصحابة في نقله بتاتاً، بل اليقين بكونه كلام اللَّه الخالد هو وجوه الإعجاز فيه المتعدّدة سنخاً و نوعاً و قد أوصل تعدادها بعض من العلماء إلى عشرين نوعاً، سواء من ناحية النظم و البديع و البلاغة أم من ناحية الملاحم التي تنبّأ بها المجالات المختلفة و التي تحقّقت جملة منها و تأتي جملة أُخرى أم من ناحية العلوم العديدة الطبيعية و المعارف الإلهية و الإنسانية و التي أثبتت التحقيقات العلمية اتقان قواعدها المنوّه بها في القرآن.

هذا فضلًا عمّا لم يتوصّل البشر إلى الاكتشاف منها و لا سيّما المعارف الإلهية حيث إنّ ما جاء به القرآن من دقائق المعارف الإلهية لا يوجد جزء من معشارها في العرفان و التصوّف البشري، سواء الهندي أم المسيحي أم غيرهما.