بما يخلق و هو اللطيف الخبير، لطيف بما هو كمال للمخلوقات، و خبير بما هو صلاح لها؛ فلا يشذّ عن علمه و حيطته شيء من أول الخلقة إلى آخرها.
و قد مرّ في الأجوبة السابقة أيضاً التنويه بوجوه عناصر أو جهات مشتركة كلّية عامّة في كلّ أطوار و أدوار التغيّر في مراحل البشر و على ضوء هاتين النقطتين لا محالة من تعلّق الأوامر الإلهية و الأحكام الشرعية بما هو ثابت في كمال و صلاح البشر المنسجم مع كلّ أمثلة المتغيّر.
و أمّا حديث تصنيف القرآن إلى مَزيج من المفاد العقلاني و المفاد البيئي العربي، فإن أريد به ما يؤول إلى التفرقة بين المصاديق و الحكم الكلّي العامّ، فهذا التفصيل لا بدّ من مراعاته و من ثمّ بنى فقهاء الشريعة على أنّ المورد لا يخصّص الدليل الحكم الوارد، كما دأبوا في باب الاستظهار من الأدلّة على التفرقة بين الموضوع الكلّي الثابت و الموضوعات المصداقية التطبيقية المتبدّلة؛ لكن تبدّل الموضوع لا يضرّ بثبات الحكم، حيث أنّ الحكم وارد على الموضوع بنحو الفرض التقديري فلا يزلزل ثبات التشريع تبدّل المصاديق، لأنّها إن خرجت من الاندراج تحت تشريعٍ ما عادت بالاندراج تحت تشريع آخر و مثل ذلك ما لو لم يتحقّق مصداق للموضوع المأخوذ في الحكم التشريعي، فإنّه لا مجال لفعلية الحكم حينئذٍ لكن هذه الصورة الثانية أيضاً لا تعنى تبدّل الحكم و عدم ثباته.
و أمّا إن أريد من التفصيل المزبور أنّ جملة من الأحكام هي محدودة بذلك العصر أو منسوخة في هذا العصر، فهذا خلاف إطلاق دليلها و التمسّك بالأصول العامّة التشريعية و بالأدلّة المقرّرة لروح الشريعة لا ينفي تلك الأحكام إلّا بما يرجع إلى تبدّل الموضوع أو ملاحظة المناسبة و التناسب بين منظومة الأحكام و مشجّرة التشريعات و باب توارد الأحكام بعضها على بعض أو تزاحمها و التشبّث بالأصول التشريعية و رفع اليد عن التشريعات المتنزّلة لا يصحّ بعد لزوم طاعة الرسول و أولي الأمر من أهل بيته؛ نعم ملاحظة التناسب القانوني و العلاقات
و الروابط بين فصول التشريع بالقواعد و الموازين المقرّرة العلاجية أمر قانوني منضبط.
و أمّا الأمثلة المذكورة فالترغيب و الترهيب ليس ناشئاً من البيئة و ظرف زمني معيّن، بل هو ناشئ من غرائز مفطور عليها البشر أيّاً كانت بيئته و أياً كان زمنه فها نحن نسمع بالشره و الولَه الغريزي لدى الغرب بحكايات يمجّها الطبع الشرقي فقد ساء الخُلُق و الآداب الجنسية لديهم بدرجة مسعورة فَقَدَ العقلُ السيطرة عندها. فَوفْرَةُ الجمال لديهم لم نَرَها موجبة لفتور الجنس، بل لزيادة حرارته و هذه الظاهرة إن دلّت على شيء فإنّما تدلُّ على وجود الطلب الغريزي لدرجات أكثر صفاءً و لطفاً و جمالًا و بهاءً لا تتوفّر في هذه النشأة المادية الغليظة الكثيفة.
و بعبارة أخرى: إنّ هذه الغرائز ليس الحامل لها البدن، بل الروح و إنّما البدن الدنيوي أداة و آليّة لوصول إلى بعض درجات غايات و أفعال تلك الغرائز، فالإنسان في روحه و أبدانه البرزخية و الأخروية مطويّ على تلك الغرائز تنجذب ذاته نحو تلك الغايات و من ثمّ كان الدين الإسلامي دين الفطرة لا دين البيئة الخاصة.
الدليل الخامس إنّ حاكميّة الدين في شئون الحياة و نظمه للبناء الاجتماعي مبتنٍ على تشريع أصول و قواعد ثابتة،
و التراث الديني يفتقر عن وجود نصوص ثابتة قطعية الدلالة بعيدة عن الترديد في الاحتمالات المتعدّدة في المفاد. هذا لو سلّمنا بصيانة القرآن و حفظه عن التحريف، إلّا أنّه لا ضمان عن التحريف في المستقبل الآتي.
و الجواب عن ذلك:
أولًا: إنّ وجود الأصول و القواعد التشريعية القطعية اليقينيّة لا ريب فيه في الشريعة الإسلامية سواء من حيث الصدور أو من حيث الدلالة و إن كان وجه حجّية القرآن لا تعتمد على التواتر و لا على الصحابة في نقله بتاتاً، بل اليقين بكونه كلام اللَّه الخالد هو وجوه الإعجاز فيه المتعدّدة سنخاً و نوعاً و قد أوصل تعدادها بعض من العلماء إلى عشرين نوعاً، سواء من ناحية النظم و البديع و البلاغة أم من ناحية الملاحم التي تنبّأ بها المجالات المختلفة و التي تحقّقت جملة منها و تأتي جملة أُخرى أم من ناحية العلوم العديدة الطبيعية و المعارف الإلهية و الإنسانية و التي أثبتت التحقيقات العلمية اتقان قواعدها المنوّه بها في القرآن.
هذا فضلًا عمّا لم يتوصّل البشر إلى الاكتشاف منها و لا سيّما المعارف الإلهية حيث إنّ ما جاء به القرآن من دقائق المعارف الإلهية لا يوجد جزء من معشارها في العرفان و التصوّف البشري، سواء الهندي أم المسيحي أم غيرهما.
و الوجه الآخر لحجيّة القرآن هو العترة المطهّرة الحائزة لأسمى صفات الفضائل على كافّة البشرية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:
«كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ»[1]
و قد قال تعالى أيضاً:«إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ»[2]و غيرها من الآيات المتضمّنة للحفاظ على الدين و ثوابته كقوله تعالى:«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»[3]بنحو التأبيد إلى يوم القيامة«وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً»[4]كافّة للأجيال البشرية إلى يوم القيامة المستلزم للبقاء و حفظ هذا الدين من قِبل اللَّه تعالى بتوسّط خليفته في الأرض و حجّته على عباده، لا بدونه كما نطق بذلك القرآن الكريم في آيات حجّية الثقلين معاً كسورة آل عمران و الواقعة و النحل و غيرها و إلّا لزاغت الأمّة المتشابهات و لو فطنت الأمّة للتأويل الحقّ للشريعة الذي و اكب الأدوار و الأصول المختلفة.
و ثانياً: إنّ توفّر اليقين في هذه النشأة نزر قليل كما جاء في الحديث: «إنّ أقلّ ما قسّمه اللَّه بين العباد، اليقين»، فطلب اليقين في كلّ الأمور هو من طلب الممتنع وقوعاً و إنّما اللازم بناء الأدلّة الظنّية على وفق اليقين و هدايته، كي تكون مبنيّة على ركن وثيق.
و بعبارة اخرى، إنّ اللازم البناء على اليقين باعتبار الشرعي الإلهي لرأس هرم منظومة الظنّيات و التي يتشعّب منها بقيّة درجات تلك المنظومة و بالتالي فيكون الفراغ من عهدة التكاليف يؤول إلى اليقين؛ نعم هذا الدليل يبيّن حقيقة اخرى و هي اضطرار البشر إلى الحجّة لأنه الذي يمتلك اليقين التامّ و الحقيقة المحيطة
[1]الرعد/ 43.
[2]الحجر/ 9.
[3]البقرة/ 30.
[4]سبأ/ 28.
بالواقع بما أوتي من علم لدني إلهي و أما البدائل الأخرى- و لو الطرق الشرعية الاضطرارية- فإنّما هي من باب أكل الميتة، كما عبّر الميرزا النائيني في كتاب تنبيه الأمّة و تنزيه الملّة، فهذه الجدلية في الاستدلال لدى القائل تبيّن الضرورة و الاضطرار إلى المعصوم الحجّة، فهذه المقدّمة في الاستدلال تامّة كما أنّ هناك مقدّمة أخرى في الاستدلال حقانية أيضاً و هي أنّ الإمامة بنحو الدائرة المطلقة و القيادة الفردية لرأس كلّ الأمور، أي تمركز القدرات و القوى، لا يصحّ عقلًا أن يفوّض إلى غير المعصوم، لعدم وجود الأمان و الضمان و العصمة العلمية و العملية التي في المعصوم.
و بالتالي فلا بدَّ من نمط الحاكميّة الجماعيّة و إدارة الأمور بأحد أشكال العقل الجماعي و هذه الظاهرة هي التي توصّل إليها البشر في تمدّنه الحاضر كبديل اضطراري ناقص عن الإنسان الكامل. و على هذا فلا بدَّ من توزيع القدرة و تقاسم السلطات و المشاركة الجماعيّة في التدبير بأشكال مختلفة فضلًا عن رقابة الأمّة جمعاً للسلطة.
نعم المدّعى الذي يريد المستدلّ التوصّل إليه- من تنحية الأحكام الشرعية عن مسرح التطبيق في النظام الاجتماعي السياسي و لو بدرجتها الظنيّة المعتبرة- خاطئ، فإنّ الدرجة الظنيّة من الوصول إلى الحقيقة و إن لم يكن وصولًا حقيقياً محيطاً بالسعادة و الكمال الحقيقي المتوفّر في الدين و الإسلام بحسب الواقع المتوفّر عند المعصوم فقط دون غيره إلّا أنّ تلك الدرجة مهما تكن أولى من الاقتصار على نتائج العقل التجريبي و الظنّي.
و لك أن تقول: أنّ هناك فوارق عديدة بين الطريق الظنّي المعتبر في الشريعة و النتائج الظنيّة في العقل التجريبي:
الفارق الأول: إنّ الظنون المعتبرة في الشريعة و إن كانت هي ظنيّة و كذا نتائجها و انشعاباتها إلّا أنّ اعتبارها و رسميّة صلاحيّاتها و صفة حجيّتها و علميّتها يقينية
من قبل المشرّع السماوي الأزلي المهيمن على شئون الخلقة، بخلاف المناهج و الطرق الظنيّة في العقل و العلوم التجريبية البشرية، فإنّها من باب الاضطرار لسلوك أفضل السبل الممكنة و هي الطرق الظنيّة التي تتوصّل إليها التجربة المحدودة و العقل المحدود البشري.
الفارق الثاني: إنّ المظنون و متعلّق الظن في الظنون الشرعية هو أحكام الباري تعالى و إراداته النابعة و الناشئة من علمه المحيط بمخلوقاته بخلاف مظنونات العلوم التجريبيّة الإنسانية الاجتماعية، فإنّها عبارة عن ظواهر أحداث جزئية محدودة مهما تكثّر العدد فيها؛ فهناك فارق كبير بين المتعلّق و المورد المحيط مع المورد المحدود جدّاً بالقياس إلى الأول.
الفارق الثالث: إنّ الطرق الظنيّة المعتبرة في التشريع الإلهي اعتبارها لديه دالّ على غلبة إصابتها الواقع على حالات إخفاقها و خطائها بخلاف الطرق الظنيّة و المناهج غير اليقينية التي يسلكها البشر ممّا تمليه التجربة كالقياس الظنّي و التمثيل كذلك و الاستقراء الناقص نقصاً من جهة الأفراد و الحالات.
الدليل السادس إنّ الحكم و الحكومة يتقوّم بمعارف عملية و فنون و مهارات في تدبير مفاصل و أجنحة الحكم السياسي لإدارة دفّة الأمور
و لا ريب أنّ مثل هذه العلوم و المعارف أجنبيّة عن المشروع الديني.
و يرد عليه
بعد الالتفات إلى أنّ مراده بالمعرفة العملية هي قوانين النظام الاجتماعي أن المشروع الديني مملوء بأبواب و فقرات قوانين النظم الاجتماعي سواء في جانب الجنايات أم الحقوق المدنية أم حقوق الأسرة أم قوانين و صلاحيّات للسلطة السياسية، فضلًا عن قوانين القضاء و غيرها عن بقية مرافق المعيشة و الحياة الاجتماعية.
و أمّا فنون مهارات التدبير فهي أمور لا ربط لها بمنظومة علم القانون و الحقوق و إنّما هي ترجع إلى علوم الإدارة و العلوم السياسية و قد خلط المستدلّ بينهما، مضافاً إلى أنّ الحكم السياسي يعتمد على آليّات و علوم عديدة في تدبير الحكم و لكن لا ربط لها بعلم القانون و الحقوق و تباين هذه الحيثيات لا ينفي وجود الحيثية القانونية في المشروع الديني التي هي محطّ البحث.
مضافاً إلى أنّ للدين رؤية و خطوطاً عامّة في كافّة العلوم، كما ذهب إلى ذلك جملة من علماء الإسلام بمقتضى قوله تعالى:«وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ»[1]
[1]النحل/ 89.
الدليل السابع إنّ مقدار ما هو ضروري في الدين إنّما هو اثبات الخالق و الاعتقاد و الإيمان به
و كذلك الاعتقاد و الإيمان بصفاته و أمّا أفعاله و دخالته في أمور عباده فلا تصل إلى درجة الضرورة المتوفّرة في القسمين الأولين، بل هي محلّ أخذ و ردّ.
و يرد عليه
بُعدُ المستدلّ عن الإحاطة بالأدلّة و المعارف الدينيّة و الخوض في أبوابها، حتى تَوَهّم أنّ الأدلّة اليقينيّة مقتصرة على التوحيد في مقام الذات و الصفات دون التوحيد في مقام الأفعال- أي على تجميد التوحيد و حبسه عن السريان و الشمول في النظام الاجتماعي و إزواء حاكميّة الباري تعالى في النظام السياسي-.
و في الحقيقة إنّ هذا الإزواء لحاكميّة الباري و التوحيد على صعيد الحكومة السياسية لا يقتصر على أصحاب النظرية العلمانية، بل يشاهد في غالب المذاهب الإسلامية عدا مذهب أهل البيت عليهم السلام فإنّ المذاهب الإسلامية و إن أقرّت بوجود القانون الديني في النظام الاجتماعي إلّا أنّها رفضت دخالة السماء في الحاكميّة العملية للنظام السياسي، بينما نجد الحاكميّة الإلهية في حكومة الرسول متجلّية بوضوح؛ فإنّ الحاكم الأول في حكومته صلى الله عليه و آله و سلم هو الباري تعالى، سواء على صعيد الحاكم السياسي أو القضائي أو التشريعي، و الرسول صلى الله عليه و آله و سلم هو الحاكم الثاني في حكومته، كما يستعرض القرآن سيرة حكومة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و فجأة تتبنّى المذاهب الإسلامية فترة ما بعد الرسول انحصاراً لحاكميّة الباري تعالى لعدم وجود القناة البشرية التي تتنزل عليها إرادات اللَّه و مشيئاته.