كلمة الأستاذ
بسم اللَّه الرحمن الرحيم و الحمد للَّه الذي قرن طاعته بطاعة رسوله و بطاعة ولاة أمره الذي يتنزّل ليلة القدر من عالم أمره.
ثمّ الصلاة و السلام على المرسَل رحمةً للعالمين من البشر و الكائنات و البيئات الكونيّة المحيطة في هذه النشأة و النشئات الأخرى و على آله ولاة الأمر المعصومين و لا سيما على المهدي الذي أبرز نعوته أنّه قائم بالأمر و ليس قاعداً عن أمر الناس طيلة عشرة قرون من ستار غيبته لتحرّكه الخفى و أنشطته السرّية و شبكة منظومته النافذة المخترقة لأنظمة البشر في البلدان و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
إنّ البحث في النظام السياسي لمذهب أهل البيت عليهم السلام هو في الحقيقة بحث عن الإمامة الإلهية التي يقوم عليها الإيمان عندهم و هو في الحقيقة بحث عن وجه من الوجوه المهمة في شئون الإمامة، فإنّ كثيراً من البحوث حول الإمامة عند المتكلّمين يركّز على جانب صفات الإمام مِن بُعد أشبه بالفردي بخلاف الحديث عن النظام، فإنّه الالتفات إلى الإمامة كنظام اجتماعي سياسي و هذا البُعد أحد النظم و النظامات المرتسمة في هيكلية الإمامة، و قد أشار إلى مثل هذا البعد في الإمامة قوله تعالى:«إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»فأشير في أبرز تعريفٍ لخلافة التصرف و التدبير في النظام البشري الأرضي إلى حيلولة تدبير الإمامة من وقوع الفساد الأكثري
و سفك الدماء المستأصل لغالبية وجود النسل البشري، و كذلك إشارة الصديقة الطاهرة (عليها أفاضل الصلوات) في خطبتها في التأسيس المعرفي «و إمامتنا نظاماً للملّة ...» فينبغي في تبيين الحقائق في معاني الإمامة الإلهية شرح الجانب المنظومي فيها بتوسط آليات علوم النُّظُم في قراءة النصوص.
و من المهم في دراسة النظام السياسي الاجتماعي عدم الاقتصار علي الهيكل الإداري الرسمي للدولة السياسية، فإن ذلك لا يمثّل مسحاً كاملًا لذلك؛ بل ما هو إلّا فصل من مجموع النظام العام، كما هو مقرّر حالياً في العلوم الإنسانية الاجتماعية و السياسية؛ فالبنية الثقافية بما تحمل من مكوّنات عقائدية و أعراف قانونية فقهية كرسوم و عادات متجذّرة في الهويّة الاجتماعية هي المحاور البنويّة لصرح النظام.
و على ضوء ذلك فإن مواقع التدبير و القدرة في النظام لا تنحصر في نظام الدولة الرسمية؛ فإنّ ذلك الموقع و إن كان ذو دور فاعل هامّ إلّا أنّ هناك مواقع عديدة أخرى مؤثرة أكثر باقتدار في النظام العام.
هذه الرؤية لبنية و محاور و هوية النظام العام تضفي بظلالها على قراءة كثير من النصوص الشرعيّة حول دور أئمّة أهل البيت عليهم السلام و دور الإمام المهدي- عجل اللَّه فرجه- في الغيبة الكبرى الذي هو امتداد لدور الأنبياء و الرسل في ضمن حلقات لسلسلة واحدة، و كذلك علي قراءة النصوص الشرعيّة حول دور الفقهاء في عصر الغيبة الكبرى، و مؤثّرة في قراءة الدور الذي مارسه فقهاء الإمامية في قرون متطاولة.
كما و قد بات من المسلّم أكاديمياً في الأدبيات السياسية و الاجتماعية تنوّع صور الحكومات و القوى المتنفّذة في إدارة النظام الاجتماعي السياسي، فلا تنحصر قدرة التدبير في الحكومة الرسمية المعلنة على السطح فتنوّعت أسماء الأنواع الأخرى كحكومة الظلّ، و قوى الضغط، و حكومة الأعراف، و سلطة الأموال؛ فتنوعت الأنظمة الاجتماعية و السياسية إلى نظام المذاهب و نظام العشائر و نظام الديانات و نظام الطبقات و غيرها.
إنّ أحد دواعى الخوض في هذا البحث و كتابته هو ما انطبع خطأً عند جملة من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى و أهل الحلّ و العقد عندهم أنّ مذهب الإمامية حيث تبنّى في الآونة الأخيرة إقامة الحكومة الرسمية، فهو بمثابة الإعلان منهم بالتخلّى من اشتراط العصمة في الإمامة و القيادة السياسية العُليا و أنّ النظام آل عندهم بنائه على قاعدة الشورى- بمعناها المقرّر عندهم و هى حاكمية الأكثرية، لا بمعناها القرآنى و هي المداولة العلمية الفكرية و جمع الخبرات و المعلومات و الانفتاح الفكرى و العلمى و المعلوماتى- و أنّ هناك حالة تمذهب جديد و ظهور لمذهبية بازغة للتوِّ فيهم و هى و إن كانت غير محسوسة لدى الروّاد عندهم فضلًا عن أوساط قاعدتهم بنحو متميّز إلّا أنّ ظهور المذهبية في طبيعة بَدْوِها لا يُستشعر بها إلّا أنّها تأخذ في التنامى و الظهور و التشكّل و البروز كلّما تمادى المسار، فتبدأ من إطار فكري مبتني على متبنيّات عقديّة يرتكز عليها و لو بنحو الإبهام فتُضفي بظلالها على المنهاج الفقهى و السياسى و منابع التراث و مستنداتها.
و كلّ ذلك الوهم ناشئ من عدم القراءة العلمية العميقة إلى الأسس الاعتقادية التى يتبنّى عليها النظام السياسي عند الإمامية و كيفية تأثير تلك الأصول الاعتقادية على طابع النظام السياسي، مضافاً إلى عدم تفرقتهم بين سعة دائرة الدين و الشريعة و ضيق دائرة النظام السياسي الاجتماعى و أنّ الإمامية متقيّدة في كلّ صغيرة و كبيرة بالكتاب و العترة و أنّ موقعية حجّية العترة لديهم هى الحجّية الذاتية نظير حجّية الكتاب، لا كحجّية طريقية كفتاوى الفقهاء و أخبار الرواة، سواء على مستوى المعارف الاعتقادية أو الفروع العملية و إذا كانت دائرة الفروع العملية أوسع بكرّات و مرّات من دائرة النظام السياسى، فضلًا عن دائرة المعارف الاعتقادية و الآداب و السنن، فكيف يتوهّم انحصار موقعيّة الإمامة في ضيق تلك الدائرة فقط؟
فهذا الوهم الخاطئ ناشئ- في أحسن تقاديره لو حمل على الصحّة- من السطحية في القراءة الأديانية و المذهبيّة و حقيقة موقعية الإمامة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ فإنّ خليفة المسلمين بالفعل في العصر الراهن في اعتقاد الإمامية و الإمام المنصوب مِن قِبل
اللَّه تعالى إنّما هو المعصوم- و هو المهدى عجل اللَّه ظهوره على السطح عياناً أمام الملأ- و أنّه الذى تنتهى إليه الولايات و الصلاحيّات و أنّ كلّ التشريعات العامّة و الأحكام و القواعد مأخوذة عن الكتاب و العترة، فأين تخلّى الإمامية عن ذلك؟ و هل نبذت الإمامية اتّباع أهل البيت و الأخذ عنهم بما هم أسباب اتصال بين الأرض و السماء و أنّهم الكتاب المبين الناطق الذى نصبهم اللَّه و رسوله قَيّمين على المصحف، مبيِّنين للوح المحفوظ و الكتاب المكنون، لا بما هم رواة و فقهاء؛
فهل رَسى النظام العقائدى للإماميّة الراهن القائم في هذا اليوم إلّا على ذلك و على معارف أهل بيت النبوة و كذلك نظام السنن و الآداب عندهم و نظام القضاء و نظام الفتيا و التشريعات العامّة و غيرها من الأنظمة و هل استحلّ أحد من علماء الإماميّة لنفسه نبذ ذلك؟ و رفع يده عن التمسك بكلّه؟
و هذا البحث في الحقيقة محاولة للقراءة الاعتقادية لأسس النظام السياسى الذى ترسمها الإمامية في عصر غيبة الخفاء و السرّية لحركة الإمام المهدى- عجل اللَّه فرجه- و نشاطه و أن هذا الأساس كلّه مبنىّ على النظام العقائدى عند أهل البيت عليهم السلام.
و أنّ مناعة البُنى العقائدية في منهاج أهل البيت عليهم السلام يلجئ التابعين لهم إلى البصيرة و الحصانة عن الانزلاق و الانتهاج إلى سبل الزائغة الأخرى، فإنّ الذاكرة التاريخية تتحفظ لنا بمحن و امتحانات مرّت بها الطائفة من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بقي فيها منهاج أهل البيت صلباً منيعاً لم تزلزله العواصف، بل ازداد تشعشعاً و وضوحاً و شَعتْ معالمه بأنوار كشفت المبهمات و أنارت السبيل بجلاء واضح، كلّ ذلك لما اشتمل عليه هذا الدين من إعجاز في نسيج مكوّناته؛ كيف و قد وعد اللَّه بإظهار دينه و إتمام نوره.
و قد بحثنا عن منظومة السياسة و السلطة وفق معطيات الشيعة الإمامية و مكتب أهل البيت عليهم السلام في برنامجنا الدراسية و قد قام بتحرير و تأليف ما تداولناه من هذه البحوث كلّ من العلّامة النبيل السيّد محمد حسن الرضوي و العلّامة الفهّامة الشيخ مصطفى الإسكندري- أدام اللَّه تأييدهما لخدمة الشريعة الغرّاء و الصراط الحق للفرقة الناجية- و هذا
الكتاب بمثابة الحلقة الأولى التي ستتبعها بقية الحلقات بمشيئة اللَّه تعالى.
محمّد السند
قم المقدسة
25- محرم الحرام- 1426 ه
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
إليكم
إنَّ جوهر الموقف الشرعى الشيعى من السلطة على وجه العموم يستجلى ممثّلًا- بعد الكتاب و السنّة- في المصنفات الفقهيّة الشيعية التى لم تتناول في معظم الأبحاث السياسية إلّا لماماً؛ فالسياسة الشرعية الشيعية بعدَ كون جذورها في الأصول الاعتقادية- خاصة الإمامة- هى موضوع فقهى و تتحدّد معالمها و أحكامها في المجال الفقهى.
و بدأنا رحلة شائكة لاقتفاء جذور الفقه السلطانى الشيعى منذ عصر النص الى الوقت الراهن و حاولنا قراءة في الجذور من زاوية كلامية و فقهية لاستكشاف الأسس التى رسمها مكتب أهل البيت عليهم السلام في مجال النظرية و التطبيق.
و استفدنا لخطواتنا في هذه الرحلة الشائكة من إرشادات و إفادات شيخنا الأستاذ المحقّق الفقيه آية اللَّه الشيخ محمّد السند- حفظه اللَّه تعالى- و قد قمنا بتحرير أبحاثه الأنيقة لفتح باب جديد في التحقيق.
و قد تداول شيخنا الأستاذ عرض تلك المباحث ضمن حلقات دراسيّة و محاضرات و مقالاتٍ من سنة 1417 إلى سنة 1426 الهجرية و افتخرنا بتلقّى هذه الدراسات و تدوينها و تنظيمها بجهدٍ و تتابعٍ طوال تسع سنوات.
و أبواب و فصول الكتاب الإجمالية تنقسم بشكل رئيسى إلى مجموعة مباحث في الحكومة تارة و أخرى في الحاكم و ثالثة في المحكوم.
كما أنّها ستتوزّع المباحث في السلطات المتنوعة التشريعية و التنفيذية و القضائية و كذلك في سلطة الإعلام و سلطة الرقابة و في الثوابت و القواعد الأساسية في النظام الاجتماعى السياسى و نظام الحكم و منظومات الأنظمة المختلفة، كما سيتمّ التطرق إلى ضرورة الحكومة و الجدل الدائر حول ذلك في عصر الغيبة و حقيقة دور المعصوم في هذه الفترة و دور نيابة الفقهاء و حقيقة الشورى في الحكم عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام و أنّها بمعنى اعتماد منهج الكيان و النظام الاستشارى و المؤسّسات العلمية أو أنّها بمعنى سُلْطَوي لتحكيم إرادة الأكثرية المتغلّبة، كما سيتمّ استيفاء البحث في الفصول التى هى مثار جدل وسيع في عصرنا الحاضر من بحث حقوق الأقلّيات و المعارضة و اختلاف تشكيل الأحزاب و حقوق الإنسان و حقوق المرأة و العدالة الاجتماعية و العولمة.
و قد احتوى هذا المجلد على بابين يتضمّنان فصولًا في المباحث العامّة الكلّية في الحكومة و الحاكم.
و يعدّ هذا الجزء كالحلقة الأولى من هذه الموسوعة السياسيّة و نسأل اللَّه تبارك و تعالى أن يوفّقنا لإنجاز ذلك المشروع الضخم الثري و نستمدّ من صاحب الولاية الكبرى الإلهية أن يشرقَ مسيرتنا بأنوار البصيرة و يفيض علينا الحكمة الربانيّة و يجعلنا خادماً للشريعة، و آخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
قم المقدسة/ ذو الحجة 1424 ه
محمّد حسن الرضوي
مصطفى الإسكندري