بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 98

تعرّضتْ إلى كثير من الضمانيات الإجرائية كتشريع العقوبة و التجريم و الغرام و نحوها.

و ثانياً: إنّ عدم تعرّض الحكم بامتثال نفسه لا يستلزم عدم تعرّض حكم آخر ثانٍ لامتثال الأول و أمّا شبهة التسلسل فإنّما يلزم ذلك المحذور لو بنى على الترامي لحاجة الحكم المتكفّل لتنفيذ و اجراء بقية الأحكام، لو فرض حاجة ذلك الحكم إلى ضامن تنفيذي آخر، مع أنّ ذلك الفرض غير لازم لإمكان تقدير فرض آخر و هو الزام الحكم العقلي و ادراك تسجيل العقوبة الأخروية على تركه. و على ضوء ذلك لا يعني ذلك التقدير أنّ الضمان التنفيذي هو حكم العقل بمفرده، بل المعيِّر و الشارح لتفاصيل التنفيذ هو أحكام الشرع، كأحكام القضاء و أحكام الولاية أو الجهاد أو الحدود و الديات أو القصاص أو غيرها من الأحكام في الفقه السياسي. و هذا نظير حكم العقل بالتوحيد و معرفة الباري و من ثمّ بقية أصول الدين، لكن ذلك لا يستلزم استحالة التشريع في الفقه العبادي أو الفقه المالي و غيرهما من أبواب الفقه؛ فمجرّد أول و رجوع الأحكام الشرعية في تشعّبها إلى أسّ حكم عقلي لا يسلبها عن شرعيّتها و انقلابها إلى أحكام إرشادية.

و السرّ في ذلك إنّ العقل لا يهتدي إلى التفاصيل، فمن ثمّ اضطرّ إلى هداية الشرع السماوي أو الى الالتجاء الى التشريع التجريبي البشري، أي افتقر العقل في الحكم التفصيلي إلى الاستمداد من التجربة و الاستجداء من عبر تاريخ الأمم السابقة إلّا أنّ المتعيّن هو الرجوع إلى الشارع الإلهي الخالق لإحاطته بحقيقة الواقع بخلاف تجربة البشر، لما مرّ من البرهان على عدم إصابة التجربة لتمام الحقيقة لنقطتين:

1. إنّ التجربة لا تقف عند حدّ، مهما تعاقبت و ترامت و امتدّت لأجل استكشاف الواقع بنسبة أكثر فأكثر و هلم جراً.

2. إنّ هذا البحث الفطري عند البشر عبر التجربة لكشف الواقع ليس طلباً


صفحه 99

للصواب، بل نُذعن في فطرتنا أنّه نزوع إلى الحقيقة و على ضوء النقطتين يتبيّن أنّ البشرية ليس بإمكانهم في يومٍ ما أن يحيطون بتمام حقيقة الواقع و هذا ممّا يبرهن ضرورة الحاجة إلى الخالق.

و ثالثاً: إنّ حكم العقل لا يعني كون ذلك الحكم ليس بشرعي، كما قرّر في علم الأصول؛ فإنّ حكم العقل بمعنى إدراكه و كشفه للإرادة الشرعية و هذا معنى قولهم: كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع.

و بعبارة أخرى: إنّ حكم العقل لا يعني أنّ العقل فوّض لزوم الامتثال و تطبيق الشريعة للعقلاء و إنّما غاية ما يعنيه وجود حكم للعقل، أمّا المحكوم به بحكم العقل ما هو؟ فهذا أمر آخر و المغالطة نشأت من الخلط بين حكم العقل بمعنى إدراكه و بين ما يحكم به العقل و ما أدركه؛ فحصلت المغالطة بين الحكم بمعنى المصدر و الحكم بمعنى اسم المصدر و نتيجة الفعل و إلّا فالعقل يحكم- بمقتضى خالقيّة الباري- أنّ الولاية و الصلاحيّة هي للباري دون الخلق. إنّ المغالطة وقعت بين حكم العقل بمعنى إدراكه للقانون و بين حكم العقل بمعنى الحاكمية التنفيذية و بينهما بون بعيد.

و رابعاً: إنّه إن اريد أنّ أصل لزوم الطاعة و التوصّل لأداء الأحكام و التشريع- و هو التعريف و المعنى العامّ لفعل الحكومة و الحاكم- هو بحكم العقل لا بحكم الشرع، فهو متين إلّا أنّ ذلك لا يلازم كون منظومة التشريعات في الفقه السياسي ليست شرعيّة بما في ذلك صلاحيّات الحاكم و مراتب الحكم السياسي، نظير ما قرّرناه في الإيمان باللَّه تعالى و المعاد و بقية أصول الدين؛ فإنّ الإلزام بالمعرفة و إن كان عقلياً- الذي هو فعل العقل النظري- و لا يعقل أن يكون شرعياً إلّا أنّ الإذعان و الإخبات للمعرفة به تعالى- الذي هو فعل العقل العملي المترتّب على العقل النظري- لا مانع من كونه حكماً شرعياً، كما هو ظاهر الأدلّة الواردة: «إنّ أول


صفحه 100

الفرائض الإيمان به تعالى»، و الحكم في وجوب الأمر بالمعروف كذلك، فإنّه و إن كان عقلياً إلّا أنه لا ينافي أن يكون شرعياً و لا يلزم منه الدور و التسلسل، لعدم كون المعروف وراء الأمر بالمعروف كي يلزم منه التسلسل.

فلك أن تقول: إنّ الأمر بالمعروف و إن كان معروفاً إلّا أنّ الذي يخاطب بالأمر بالمعروف المتعلّق بالأمر بالمعروف عند الآخرين هو الحاكم و الإمام حتى ينتهي ذلك إلى اللَّه الذي هو الداعي إلى دار السلام؛ إذ لا يصحّ للغير التارك للأمر بالمعروف أن يخاطب بأمر نفسه لامتثال الأمر بالمعروف بعد فرض أنّه تارك غير معتبر.

و كذلك الحال في لزوم الطاعة فإنّه و إن اشتهر أنه لا يعقل أن يكون شرعياً فهو تامّ بلحاظ المكلّف نفسه لا غيره ممن يكون له الولاية عليه، سواء ولاية الحاكم أو ولاية الأخوّة و التآخي في الإيمان أو في العقد الاجتماعي.

و تنتهي سلسلة الآمر بالطاعة و حق الطاعة إلى الباري عزّ اسمه.


صفحه 101

الدليل العاشر إنّ النبوة و الإرشاد الديني و تبليغ الأحكام الإلهية و الهداية الربّانية أمر يختلف عن الحكومة،

فإنّ الحكومة أمر عقلائي مرتبط بالإنسان و تقييد الإنسان بغير الإنسان لا يتعقّل و لا يلائم العدالة و حقوق الإنسان؛ و من ثمّ قال تعالى:«وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ»[1]و أَخَذَ النبي صلى الله عليه و آله و سلم البيعة في العقبتين من المسلمين لتنصيبه حاكماً، فوظيفة الأنبياء البشارة و النظارة و الرسالة لا الإمامة و القيادة إلّا بنصب من الناس أنفسهم له. و كذلك الحال في الإمامة الإلهية، فإنّها بمعنى الإمامة الملكوتية و المقامات التكوينية لأداء الهداية المكمّلة و المتمّمة لدور النبوة للإرشاد و بيان العلوم و المعارف.

و أورد جملة من الآيات التي تَوَهّم حصر مقامه صلى الله عليه و آله و سلم بالنذارة و البشارة نظير قوله تعالى:«فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ»[2]و«إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ»[3]و غيرهما من الآيات.

و يرد عليه:

أولًا: إنّ المستدلّ قد أغمض العين عن الكثير من الآيات و السور الواردة في

[1]الشورى/ 38.

[2]الغاشية/ 21- 22.

[3]الأعراف/ 188.


صفحه 102

الأحكام القضائية و السياسية و العسكرية و علاقات الصلح و الحرب بين النبي صلى الله عليه و آله و سلم و مجتمع المسلمين من جهة و جماعات أخرى من المشركين و أهل الكتاب و غيرها من أبواب تشريعات النظام الاجتماعي السياسي و جملة هذه الآيات و السور قد نزل تشريعها عند ما كوّن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم مجتمع المسلمين في المدينة و شكّل الحكومة و الأوامر بطاعة اللَّه و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، مُلِئت السور منها نظير قوله تعالى:

«فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»[1]

و قوله تعالى:

«وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً»[2]

«فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ* إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ* وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* وَ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ

[1]النساء/ 65.

[2]الأحزاب/ 36.


صفحه 103

يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ* وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ»[1]

و غيرها من آيات الحدود و القصاص و الديات و الجهاد.

و ثانياً: إنّ بيعَتَي العقبة و الرضوان ليستا مصدر إعطاء الولاية للَّه و رسوله في الحكومة، كما سيأتي الحديث عنها مفصلًا في مبحث النيابة.

و ثالثاً: إنّ جملة الآيات نظير«لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ»[2]و«لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ»[3]و غيرها في صدد الطاعة القلبية و الإيمان الجانحي و لا ربط له بالحكومة السياسية في النظام الاجتماعي السياسي كنشأة دنيوية قبل دولة الرجعة للأئمة عليهم السلام.

فمحصّل مفاد تلك الآيات هو أنّ اللَّه تعالى خلق الإنسان مختاراً في أفعاله الجنائية و الجناحية.

تنبيه

[1]المائدة/ 42- 49.

[2]البقرة/ 256.

[3]الغاشية/ 22.


صفحه 104

إنّ الأدلّة السابقة من مقولة العلمانية و هي فصل الدين عن السياسة متحقّقة في حاكميّة غير المعصوم مطلقاً على اختلاف درجاتها، لأنّ تحقّق و تطبيق الدين و العلم به في كلّ جهاته اليقينية علماً و عملًا بنحو الإحاطة في كلّ منها لا يمكن و لا يتصوّر إلّا في المعصوم، فكلّ حاكم- مهما بلغ شأنه في العلم و العمل- تصدّيه للحكم من دون المعصوم بالاستقلال و الاستغناء عنه فصل للدين عن السياسة و فصل للدنيا على الآخرة و من ثمّ لا يتحقّق التوحيد الكامل و الحاكميّة الكاملة للَّه عزّ و جلّ إلّا في نظرية إمامة المعصوم كما ذكرنا في الإمامة الإلهية.


صفحه 105

حاكميّة المعصوم عليه السلام