من المناهج التي طبقت في قراءة التاريخ ، كمنهج الشك مثلاً عند أسد رستم الذي يرى ان شك المؤرخ رائع حكمته ، وهو يذهب اليه انجلو وسينويوس من أن نقطة الابتداء للباحث هي ( الشك المنهجي ) بحيث يرتاب المؤرخ في كل الأقوال ، وهو ما يذهب اليه أيضاً حسن عثمان ، وقد علل عبد الرحمن بدوي أسباب الكذب في التاريخ من خلال رؤية عقلية أو حدسية ، وفقاعة المالكي واحتدام مشاعره في سياق الفعل الكتابي أدى اليه دأبه ، وتقصيه للقضايا القابلة للتداول وغير القابلة ، وهو ما لا نجده عند كثير من لداته ، وشيء آخر أرجو أن يتقبله المؤرخون المعاصرون ، وهو تخوفهم وترددهم ، وضعف آلياتهم ونميطتهم في تناول الأشياء والأحداث ، وقلة بضاعة البعض منهم ولو أن أحداً منهم كشف عن ساقه ودعى بقلمه ومحبرته ونازل الرجل من خلال علمية متفوقة ومنهجية منضبطة ، لكان بالامكان حفظ التوازن بين داخل بآليات صارمة ، ومدافع من خلال آليات متسامحة.
وأنا أتحفظ على جرأة المالكي ، ومحدودية تناوله والتي يأتي في ذروتها « البيعة » و « ابن سبأ » و « سيف بن عمر » وأتمنى لو أنه حد من اندفاعه ، وخفف من حدته ، وعدل من أحكامه ، وبحث في قضايا غير مطروقة ، وغير مثيرة للتساؤل والشك ، ثم ـ بعد تناوله ـ أرجأ اصدار الأحكام ، وترفع عن التحدي ، وطلب المبارزة ، فالأمر ليس من السهولة بحيث تتلاحق فيه الأحكام بهذه الحدة ، وبتلك الجرأة. ولنأخذ على سبيل المثال موقفه من ظاهرة « عبد الله بن سبأ » بعد اتفاقنا معه فيما يتعلق بالبيعة لعلي ، وضعف ابن عمر في الحديث وهشاشة بعض الرسائل العلمية في منهجها ، ومادتها ، ونتائجها.
لقد تساوق مع غيره من مذهبيين ومستشرقين ، وعقلانيين ، في انكار
ومن قبل ومن بعد أخذت الأقلام المشبوهة تتجه صوب التاريخ الاسلامي ، وتراثه ، تنقب عن هفواته ، وتنفخ في هناته لأغراض دنيئة ، هذه القنافذ الهداجة حفزتني على الاهتمام بالتاريخ ، وبما يدور حوله من دراسات باقلام عربية وغربية منصفة او متحاملة مربية او مستريبة في هذه الأجواء الملوثة ، والمشبوهة استكملت الدراسات حول تفسير التاريخ كالتفسير الاشتراكي كما يصفه انجلز مردريك ، ومناهجه عند الغرب وعند العرب كما يجليه الدوري وعبد الغني حسين وعثمان حسن وأسد رستم وشوقي الجمل ، وحسين نصار ومن ثم عرفت شيئا عن مدارسه وخصائصها وصلة التاريخ بالعلوم الأخرى ومصادره المشروعة وغير المشروعة ، والموثوقة وغير الموثوقة ومستويات نقد التاريخ لقد سعدت حين عدت إلى مكتبتي فوجدت فيها العشرات من هذه الأنواع.
وزاد اهتمامي بالتاريخ الإسلامي بعد أن أوغل فيه العلمانيون ، والحداثيون ، وقرؤوا بعض الأحداث واتخذوها سلما للطعن في التجربة الاسلامية في الحكم. ومازلت أنحي باللائمة على اخواننا المؤرخين ، الأكاديميين ، الذين يمرون بهذه الأشياء وكأنها لا تعنيهم وانحي باللائمة ـ أيضاً ـ على أقسامنا العلمية المتخصصة ، التي لم تتخلص من نمطيتها ، وأسلوب تناولها المعتق وأتحسر على ضحالة الأكثرية منهم ، وارتجالهم الأشياء ، أو التسطح عليها واعجب كل العجب من ضعف التقي وجلد المنافق.
ومما زاد استيائي وصعد من حرصي على قراءة التاريخ الإسلامي ما تتابع من مناهج غربية تسابق المؤرخون على تطبيقها في دراسة التاريخ الاسلامي وتعمد البعض محاكمة الإسلام فيما كتبه بعض الاسلاميين كفعل المستشرقين مع
الاسرائيليات في التفسير ، ومحاكمة الإسلام فيما يفعله الاسلاميون كالذي كتبه العلماني الهالك فرج فودة في كتابه ( الحقيقة الغائبة ) وما تلفظه المطابع ، ودور النشر المشبوهة والمرتزقة من كتب تسيء إلى رموز الإسلام ، ومقدساته ، ولا تعف عن النيل من شخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه الكرام ، وأحداث التاريخ. ومن قبل هذا قرأت باستياء روايات جرجي زيدان التي وظف فيها آليات فرويد الجنسية وكتابات الدكتور طه حسين عن « الفتنة الكبرى » و « المعذبون في الأرض » ، و « الأدب الجاهلي » ومن بعد أولئك جمع غفير من الماركسيين القذرين الذين لم يتورعوا عن النيل من الرسول ومن المجتمع المدني وعندي من ذلك ما يغثي النفوس.
ثم ما نراه ونسمعه من كتابات المتطرفين في فكرهم كال ( العروى ) وغيره ، ممن حكموا العقل المطلق ، أو حكموا المناهج الغربية في قراءة التاريخ ومع انني لا أتردد في ادانة كثير من المؤرخين ، ومع انني ـ أيضاً ـ أو من إيمانا لا يزعزعه الشك ، ان تاريخنا بحاجة إلى غربلة ، ومساءلة ، وتصفية ، وتنقية ، إلاّ ان هذا لا يجعلني اتفق مع المفكرين ، والعقلانيين ، والماديين ، في قراءة التاريخ على هذه الشاكلة ، ولمثل هذه الأهداف الدنيئة. ويقال مثل ذلك عن التفسير المليء بالإسرائيليات ، مما فتح ثنيات على فكر الأمة ، وتراثها. ثم يجب أن نعرف أن مدار الأعمال على النية وعلى العلم واستكمال آليات البحث ، فمن آخذ التاريخ ، ولام المؤرخين وآخذ المفسرين لغرض شريف ومقصد سليم ، وبعد أهلية الاجتهاد لا يرمى في مؤاخذته إلى تقرير نتائج مناهضة للإسلام ، فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم واستعملهم في خدمته ، وطاعته ومن مارس الفعل نفسه وله نوايا دنيئة ، ومقاصد سيئة ، ثم هو دون القدرة المطلوبة لمثل هذا
العمل فاولئك مع الذين لا يستطيعون توصية ولا إلى اهلهم يرجعون.
والمالكي واحد ممن نتحفظ على بعض قراءاته.
ولا أشك انه يمثل عنصر الاثارة لزملائنا في الأقسام التاريخية فهل هم معه ، أو ضده ولماذا هذا الصمت الطويل هل ما يقوله لا يستحق الرد ، والمساءلة ، ام أنهم يرون أنفسهم أكبر من الرجل ، ومن المجال الصحفي الذي يشتغل من خلاله. وامنيتي أن يمد المالكي عينه لا إرادة لزينة الحياة الدنيا ، ولكن اتقاء كالذئب الذي ينام بإحدى مقلتيه ، ويتقي باخرى الأعادي ، يمدها ليقرأ لأولئك الذين أسالوا دم التاريخ من عقلانيين ، وعلمانيين ، ومستشرقين ، ثم ينازلهم ، إن كان ثمة فضلة من جهد وعلم. إذا كلما رأيتهم يخبون ، ويضعون في تراثنا ، دون منازع ، تذكرت قول الشاعر :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبان
ان كتابات المالكي الفاقعة اللون ، تهز المسلمات ، وتحفز القارئ إلى إعادة النظر في مصداقية التاريخ ، وليست بأقل إثارة مما يكتبه الآخرون. فمتى يهب الأخوة في الجامعات ، لاعادة الثقة بهم ، وبالتاريخ المستباح ، لإيقاف هذه الهدميات التي تمارس بين الحين والآخر من مغرضين حادقين أليس فيهم رجل علم واثق ، ينازل باقتدار ، ويسائل بحكمة ، ويوقف هذه الجرأة التي نحترمها عند البعض ، وقد لا نتفق مع طائفة من مفرداتها.
ومن المؤكد ان ( التاريخ الإسلامي ) الذي أرى أن يسمى ( تاريخ المسلمين ) يهتم بأحداث السلاطين ، ولا يتسع للفكر ، ورجلاته ، والعلم واساطينه ، كما يمتلىء بالمبالغات ، والخرافات والأساطير ، واللا معقول ،
واللا لائق وسبق ان قيل : ( لا يكتب التاريخ إلا المنتصر ). ومع شديد الاستياء ، فالتاريخ في مفهومنا لا يمتد إلى تراجم الرجال من علماء ، وفلاسفة ، ومفكرين ، وإلى منجزهم ، بل يقف حيث تكون الأحداث السياسية ، والعسكرية ، وأخبار السلاطين. هذا التاريخ بآلياته ، ومرجعياته واهتمامته ، ومناهجه ، بحاجة إلى أقلام مخلصة واعية ، تمسه بلطف ، وتنقيه باقتدار ، لكي توقف طوفان التساؤلات المحرجة.
لقد كانت الضربات الموجعة للتاريخ ، تأتي من علماء الملل والنحل الاسلامية ، التي تعمدت إنكار بعض الأحداث ، وبعض الشخصيات المؤثرة ، كبعض الصحابة ، والتابعين المشبوهين وتأتي هذه الإثارات من المستشرقين الذين دخلوا على التاريخ الاسلامي بآليات غير ملائمة ونوايا مشبوهة ، ووجدوا فيه ما يريدون. وكنت أود لو عمد علماؤنا ومفكرونا ونفوا من التاريخ ما لا يتسع له نص ولا يحتمله عقل ولا تقبله أوضاع ، فنحن أحق بالمعالجة منهم ، وهذه مسؤوليتنا. وإذا يكون ابن سبأ محور كتابات المالكي فإن ممن كتب عن شخصية ابن سبأ في سياق إنكار هذه الشخصية مرتضى العسكري في عملين هامين ومشبوهين في آن هما :
( عبدالله بن سبأ بحث وتحقيق فيما كتبه المؤرخون والمستشرقون عن ابن سبأ ) المطبعة العلمية في النجف ١٣٧٥ ه ـ ١٩٥٦ م ) وعبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ) دار الغدير بيروت طهران ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م.
والجدل حول ابن سبأ يأخذ ثلاثة مستويات ـ المستوى السائد عند المؤرخين الإسلاميين. وهو ثبوت وجوده ، وثبوت دوره في الفتنة ، بكل حجمها المبالغ فيه.
ـ المستوى الإستشراقي والشيعي المتأخر. وهو انكار وجود ابن سبأ ، ومن ثم إنكار دوره. وعندما أقول الشيعي المتأخر فإنما أشير إلى أن المتقدمين من الشيعة لم ينكروا وجود ابن سبأ وان نفوا بعض أثره.
ـ المستوى المتوسط ، وهو اثبات وجود ابن سبأ ، والتقليل من دورة في الفتنة وهذا ما أميل إليه ، إن كنت لم أجدا الوقت والجهد الكافيين للقراءة النقدية الجادة حول هذه الشخصية ، لإعلان رأيي بصراحة ، وبدون تردد ، فموقفي متابع لمن أثق به من العلماء والمؤرخين والدارسين ، ومن ثم فهو رأي استئناسي تقليدي ، وليس نتيجة بحث وتقصي ، وحكم شخصي ، ولو فرغت لتقصي لا تخذت موقفاً لا محاباة فيه ، ولا تردد.
ويأتي الدكتور الهلابي ، ومن بعده حسن المالكي مع تيار المتشددين ، المنكرين لوجود هذه الشخصية. ومع قراءتي لما كتبا ووقوفي على الجهد المبذول في التقصي إلا أنني لا أطمئن لما ذهبا إليه ، ولا أرتاح له لأن في نسف هذه الشخصية نسفاً لأشياء كثيرة وتفريغاً لكتب تراثية لكبار العلماء من أمثال شيخ الاسلام ابن تيمية وابن حجر والذهبي وغيرهما ، فان سبأ أو ابن السوداء يشكل مذهبا عقدياً ويشكل مواقف أخرى لو تداعت لكنا امام زلزلة تمس بنايات كثيرة.
ومع هذا مازلت محتاجا إلى مزيد من القول لكي اعدل عن رأيي التبعي الاستئناسي.
وفي سياق مغاير يأتي الأستاذ الدكتور سليمان بن حمد العودة الأستاذ المشارك في قسم التاريخ بفرع جامعة الإمام بالقصيم متساوقاً مع المستوى السائد الذي يؤكد وجود هذه الشخصية وأثرها ومثله الأستاذ الدكتور سعدي
الهاشمي.
والدكتور العودة خبير كبني لهب في هذا المجال ، فقد قدم رسالة ماجستير عن ( ابن سبأ ) وهو باحث متمكن ، فيه أناة ، وبعد نظر ، ويملك آليات الحوار الجاد ، وهو المؤمل للمنازلة ، ولكنه بعد لم يقطع.
وأذكر ان لدي بحثنا صغيراً عن ابن سبأ للدكتور سعدي ، تناول فيه هذه الشخصية. وقرر أنها حقيقة لا خيال وقد حاولت الحصول عليه مع بحوث الدكتور الهلابي في كتبتي المركومة بشكل فوضوي فلم أجدها ووجدت كتاب ( الرواة الذين تأثروا بابن سبأ ) للهاشمي.
والدكتور العودة كرمني حين عرض علي أخيراً بحثاً قيماً تحت عنوان « ابن سبأ والسبئية » كتبه عام ١٤١١ ه في إطار بحوث الترقية وفيه رد ، على منكري وجود ابن سبأ. وبالذات الدكتور الهلابي وعجبت كثيرا من تردده في نشر هذا البحث القيم الذي أتوقع أن يثير قضايا جديدة ، قد تحمل المالكي على اعادة النظر فيما توصل إليه من نتائج ساير فيها أستاذه الدكتور الهلابي ، وسايرا معا من لا يبحث عن الحق. وأملي أن يجد الدكتور العودة الشجاعة في نشره ، أو ارسال نسخة منه إلى الأستاذ الدكتور الهلابي ، وحسن المالكي ، لقراءته أملا في تعديل بعض آرائهما ، إن كان في البحث ما يحملهما على ذلك او اسقاطه في سياق ما يمارسانه من هدميات موسعة ، في بنية التاريخ فنحن مع الحق متى بدا لنا ، وليس بيننا وبين أحد نسب ، ولا عهد ، في قضايا العقيدة ، والفكر ، فكل نفس بما كسبت رهينة ، تأتي يوم القيامة تجادل عن نفسها ، والذي اعرفه ان المالكي يشير دائما في بحوثه المثيرة إلى انه طالب حق ، رجاع إليه ، متى تبين له وجه الصواب ، وهذا البحث هو المحك عن المصداقية.
بحث كهذا سيضع الاثنين أمام مساءلة لن يجدا مناصا من الإجابة عليها ، ورد ما يمكن رده ، وقبول ما يمكن قبوله والمالكي تناول من قبل أطروحة العودة عن ابن سبأ ص ١٧٥ من كتابه ( نحو انقاذ التاريخ الإسلامي ) بحيث أشار إلى أربع ملاحظات هامة ، ما كان يسع العودة السكوت عليها ، ولا سيما أنه يدعي امتلاك الوثائق التي تحمل المالكي على التراجع عن شيء من رأيه وعن بعض ملاحظاته.
والبحث الذي بين يدي للدكتور العودة يعول فيه على روايات لم تكن عن طريق سيف بن عمر في سبيل اثبات شخصية ابن سبأ.
والهلابي ومن بعده المالكي ، ومن قبلها العسكري ، يقتصرون في إنكار وجود شخصية ابن سبأ على رواية سيف بن عمر المجروح عند المحدثين ، وربما أخذا هذا الموقف التحفظي من منهج أسد رستم حول المصدر الواحد للقضية وكم كنت أتمنى لو ان ( الهلابي والمالكي ) لم يجعلا ضعف سيف بن عمر سبيلا لنسف حقيقة ابن سبأ ، ذلك أن الضعف في الرواي قد لا يحمله على اختلاق الشخصية من العدم ، واختلاق أحداث لها ، وإنما قد يحمله على نسبة أشياء لا تصح نسبتها إليه. وشخصية ابن سبأ مستفيضة في كتب التاريخ ، والعقائد ، وعند علماء التاريخ ، وعلماء الكلام ، وليس أحد من السلف ـ فيما أعلم ـ أثار هذه الإشكالية كإثارة الأخوين ، ولا أرى مبررا لنسف هذه الشخصية من أساسها. وسيف بن عمر ( عمدة في التاريخ ) كما يقول ابن حجر ، مع ان هناك روايات لم تأت عن طريق سيف بن عمر أشار إليها الدكتور العودة ، ويقال عن ( القعقاع ) ما يقال عن ( ابن سبأ ) ، ولا سيما أن القعقاع من عشيرة سيف بن عمر ، وهو أدرى به وبأخباره والمأخذ على سيف ربما يقتصر على تضخيم الدور ،