بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 103

العمل فاولئك مع الذين لا يستطيعون توصية ولا إلى اهلهم يرجعون.

والمالكي واحد ممن نتحفظ على بعض قراءاته.

ولا أشك انه يمثل عنصر الاثارة لزملائنا في الأقسام التاريخية فهل هم معه ، أو ضده ولماذا هذا الصمت الطويل هل ما يقوله لا يستحق الرد ، والمساءلة ، ام أنهم يرون أنفسهم أكبر من الرجل ، ومن المجال الصحفي الذي يشتغل من خلاله. وامنيتي أن يمد المالكي عينه لا إرادة لزينة الحياة الدنيا ، ولكن اتقاء كالذئب الذي ينام بإحدى مقلتيه ، ويتقي باخرى الأعادي ، يمدها ليقرأ لأولئك الذين أسالوا دم التاريخ من عقلانيين ، وعلمانيين ، ومستشرقين ، ثم ينازلهم ، إن كان ثمة فضلة من جهد وعلم. إذا كلما رأيتهم يخبون ، ويضعون في تراثنا ، دون منازع ، تذكرت قول الشاعر :

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي

بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبان

ان كتابات المالكي الفاقعة اللون ، تهز المسلمات ، وتحفز القارئ إلى إعادة النظر في مصداقية التاريخ ، وليست بأقل إثارة مما يكتبه الآخرون. فمتى يهب الأخوة في الجامعات ، لاعادة الثقة بهم ، وبالتاريخ المستباح ، لإيقاف هذه الهدميات التي تمارس بين الحين والآخر من مغرضين حادقين أليس فيهم رجل علم واثق ، ينازل باقتدار ، ويسائل بحكمة ، ويوقف هذه الجرأة التي نحترمها عند البعض ، وقد لا نتفق مع طائفة من مفرداتها.

ومن المؤكد ان ( التاريخ الإسلامي ) الذي أرى أن يسمى ( تاريخ المسلمين ) يهتم بأحداث السلاطين ، ولا يتسع للفكر ، ورجلاته ، والعلم واساطينه ، كما يمتلىء بالمبالغات ، والخرافات والأساطير ، واللا معقول ،


صفحه 104

واللا لائق وسبق ان قيل : ( لا يكتب التاريخ إلا المنتصر ). ومع شديد الاستياء ، فالتاريخ في مفهومنا لا يمتد إلى تراجم الرجال من علماء ، وفلاسفة ، ومفكرين ، وإلى منجزهم ، بل يقف حيث تكون الأحداث السياسية ، والعسكرية ، وأخبار السلاطين. هذا التاريخ بآلياته ، ومرجعياته واهتمامته ، ومناهجه ، بحاجة إلى أقلام مخلصة واعية ، تمسه بلطف ، وتنقيه باقتدار ، لكي توقف طوفان التساؤلات المحرجة.

لقد كانت الضربات الموجعة للتاريخ ، تأتي من علماء الملل والنحل الاسلامية ، التي تعمدت إنكار بعض الأحداث ، وبعض الشخصيات المؤثرة ، كبعض الصحابة ، والتابعين المشبوهين وتأتي هذه الإثارات من المستشرقين الذين دخلوا على التاريخ الاسلامي بآليات غير ملائمة ونوايا مشبوهة ، ووجدوا فيه ما يريدون. وكنت أود لو عمد علماؤنا ومفكرونا ونفوا من التاريخ ما لا يتسع له نص ولا يحتمله عقل ولا تقبله أوضاع ، فنحن أحق بالمعالجة منهم ، وهذه مسؤوليتنا. وإذا يكون ابن سبأ محور كتابات المالكي فإن ممن كتب عن شخصية ابن سبأ في سياق إنكار هذه الشخصية مرتضى العسكري في عملين هامين ومشبوهين في آن هما :

( عبدالله بن سبأ بحث وتحقيق فيما كتبه المؤرخون والمستشرقون عن ابن سبأ ) المطبعة العلمية في النجف ١٣٧٥ ه‌ ـ ١٩٥٦ م ) وعبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ) دار الغدير بيروت طهران ١٣٩٢ ه‌ / ١٩٧٢ م.

والجدل حول ابن سبأ يأخذ ثلاثة مستويات ـ المستوى السائد عند المؤرخين الإسلاميين. وهو ثبوت وجوده ، وثبوت دوره في الفتنة ، بكل حجمها المبالغ فيه.


صفحه 105

ـ المستوى الإستشراقي والشيعي المتأخر. وهو انكار وجود ابن سبأ ، ومن ثم إنكار دوره. وعندما أقول الشيعي المتأخر فإنما أشير إلى أن المتقدمين من الشيعة لم ينكروا وجود ابن سبأ وان نفوا بعض أثره.

ـ المستوى المتوسط ، وهو اثبات وجود ابن سبأ ، والتقليل من دورة في الفتنة وهذا ما أميل إليه ، إن كنت لم أجدا الوقت والجهد الكافيين للقراءة النقدية الجادة حول هذه الشخصية ، لإعلان رأيي بصراحة ، وبدون تردد ، فموقفي متابع لمن أثق به من العلماء والمؤرخين والدارسين ، ومن ثم فهو رأي استئناسي تقليدي ، وليس نتيجة بحث وتقصي ، وحكم شخصي ، ولو فرغت لتقصي لا تخذت موقفاً لا محاباة فيه ، ولا تردد.

ويأتي الدكتور الهلابي ، ومن بعده حسن المالكي مع تيار المتشددين ، المنكرين لوجود هذه الشخصية. ومع قراءتي لما كتبا ووقوفي على الجهد المبذول في التقصي إلا أنني لا أطمئن لما ذهبا إليه ، ولا أرتاح له لأن في نسف هذه الشخصية نسفاً لأشياء كثيرة وتفريغاً لكتب تراثية لكبار العلماء من أمثال شيخ الاسلام ابن تيمية وابن حجر والذهبي وغيرهما ، فان سبأ أو ابن السوداء يشكل مذهبا عقدياً ويشكل مواقف أخرى لو تداعت لكنا امام زلزلة تمس بنايات كثيرة.

ومع هذا مازلت محتاجا إلى مزيد من القول لكي اعدل عن رأيي التبعي الاستئناسي.

وفي سياق مغاير يأتي الأستاذ الدكتور سليمان بن حمد العودة الأستاذ المشارك في قسم التاريخ بفرع جامعة الإمام بالقصيم متساوقاً مع المستوى السائد الذي يؤكد وجود هذه الشخصية وأثرها ومثله الأستاذ الدكتور سعدي


صفحه 106

الهاشمي.

والدكتور العودة خبير كبني لهب في هذا المجال ، فقد قدم رسالة ماجستير عن ( ابن سبأ ) وهو باحث متمكن ، فيه أناة ، وبعد نظر ، ويملك آليات الحوار الجاد ، وهو المؤمل للمنازلة ، ولكنه بعد لم يقطع.

وأذكر ان لدي بحثنا صغيراً عن ابن سبأ للدكتور سعدي ، تناول فيه هذه الشخصية. وقرر أنها حقيقة لا خيال وقد حاولت الحصول عليه مع بحوث الدكتور الهلابي في كتبتي المركومة بشكل فوضوي فلم أجدها ووجدت كتاب ( الرواة الذين تأثروا بابن سبأ ) للهاشمي.

والدكتور العودة كرمني حين عرض علي أخيراً بحثاً قيماً تحت عنوان « ابن سبأ والسبئية » كتبه عام ١٤١١ ه‌ في إطار بحوث الترقية وفيه رد ، على منكري وجود ابن سبأ. وبالذات الدكتور الهلابي وعجبت كثيرا من تردده في نشر هذا البحث القيم الذي أتوقع أن يثير قضايا جديدة ، قد تحمل المالكي على اعادة النظر فيما توصل إليه من نتائج ساير فيها أستاذه الدكتور الهلابي ، وسايرا معا من لا يبحث عن الحق. وأملي أن يجد الدكتور العودة الشجاعة في نشره ، أو ارسال نسخة منه إلى الأستاذ الدكتور الهلابي ، وحسن المالكي ، لقراءته أملا في تعديل بعض آرائهما ، إن كان في البحث ما يحملهما على ذلك او اسقاطه في سياق ما يمارسانه من هدميات موسعة ، في بنية التاريخ فنحن مع الحق متى بدا لنا ، وليس بيننا وبين أحد نسب ، ولا عهد ، في قضايا العقيدة ، والفكر ، فكل نفس بما كسبت رهينة ، تأتي يوم القيامة تجادل عن نفسها ، والذي اعرفه ان المالكي يشير دائما في بحوثه المثيرة إلى انه طالب حق ، رجاع إليه ، متى تبين له وجه الصواب ، وهذا البحث هو المحك عن المصداقية.


صفحه 107

بحث كهذا سيضع الاثنين أمام مساءلة لن يجدا مناصا من الإجابة عليها ، ورد ما يمكن رده ، وقبول ما يمكن قبوله والمالكي تناول من قبل أطروحة العودة عن ابن سبأ ص ١٧٥ من كتابه ( نحو انقاذ التاريخ الإسلامي ) بحيث أشار إلى أربع ملاحظات هامة ، ما كان يسع العودة السكوت عليها ، ولا سيما أنه يدعي امتلاك الوثائق التي تحمل المالكي على التراجع عن شيء من رأيه وعن بعض ملاحظاته.

والبحث الذي بين يدي للدكتور العودة يعول فيه على روايات لم تكن عن طريق سيف بن عمر في سبيل اثبات شخصية ابن سبأ.

والهلابي ومن بعده المالكي ، ومن قبلها العسكري ، يقتصرون في إنكار وجود شخصية ابن سبأ على رواية سيف بن عمر المجروح عند المحدثين ، وربما أخذا هذا الموقف التحفظي من منهج أسد رستم حول المصدر الواحد للقضية وكم كنت أتمنى لو ان ( الهلابي والمالكي ) لم يجعلا ضعف سيف بن عمر سبيلا لنسف حقيقة ابن سبأ ، ذلك أن الضعف في الرواي قد لا يحمله على اختلاق الشخصية من العدم ، واختلاق أحداث لها ، وإنما قد يحمله على نسبة أشياء لا تصح نسبتها إليه. وشخصية ابن سبأ مستفيضة في كتب التاريخ ، والعقائد ، وعند علماء التاريخ ، وعلماء الكلام ، وليس أحد من السلف ـ فيما أعلم ـ أثار هذه الإشكالية كإثارة الأخوين ، ولا أرى مبررا لنسف هذه الشخصية من أساسها. وسيف بن عمر ( عمدة في التاريخ ) كما يقول ابن حجر ، مع ان هناك روايات لم تأت عن طريق سيف بن عمر أشار إليها الدكتور العودة ، ويقال عن ( القعقاع ) ما يقال عن ( ابن سبأ ) ، ولا سيما أن القعقاع من عشيرة سيف بن عمر ، وهو أدرى به وبأخباره والمأخذ على سيف ربما يقتصر على تضخيم الدور ،


صفحه 108

والتركيز على الشخصية لدافع قبلي أو عقدي لكنني لا أتصور اختلاق شخصيات من الوهم والخيال للتشيع ، إذا ليست الأمة وعلماؤها من الغفلة والذاجة ، بحيث تصنع لها شخصيات وهمية ، وتمرر عليها. أحسب ان ذاكرة الأمة أوعى من هذا الاستغفال وعلماء الحديث الذين كتبوا في الطبقات ، وفي تاريخ الرجال ، ذكروا القعقاع ، ولم يشكوا في ثبوت وجوده ، كشخصية فاعلة في الفتوح والغزوات. وقد نبهني بعض الزملاء إلى أطروحة دكتوراه كتبها طالب عراقي عن القعقاع بين الحقيقة والخيال ، وكم أتمنى الحصول عليها. وعلى ضوء ذلك فان ما يكتبه المالكي تحصيل حاصل ، وتسخين طبيخ. فلا أحسبه يضيف شيئا أكثر من تاكيد ما قيل. يقال هذا فيما سبق إليه ، ولامساس فيما بادر إليه من دراسات قيمة لا يهمنا الحديث عنها الآن.

وبصرف النظر عن كل ما سبق ، فانه يجب علينا في حالة الدخول في مثل هذه المضائق الحساسة ان نتجرد من الهوى ، وان نتوفر على المعلومات وان نتملك آليات الاجتهاد ، وأن نتحرى الدقة ، وأن نستخدم كل مانملك من إمكانات ، وان نكون واثقين من أنفسنا ، مستقبلين لكل اعتراض بصدر رحب ، فيما يتعلق بقضايا مثل هذه القضايا ، ولا سيما إذا كانت تلك القضايا قد سبق إلى التشكيك فيها مستشرقون مشبوهون ، وأصحاب ملل مستفيدون من هذا التشكيك. وعلى الذين يهزون الثوابت ويحملوننا على إعادة ترتيب معلوماتنا ، ان يستمعوا لنا بأدب جم ، وأن يحاورونا باحترام ، وان يتلطفوا بازالة الشك ، والارتياب ، بعلمية مهذبة ، وان لم يفعلوا فما بلغوا رسالتهم ، وفق أصول البحث العلمي وفي المقابل علينا ان نحسن الظن بمن لم يبد عواره ، ولم يثبت ارتيابه ، ولن نتحامى الحكم على النوايا فلا يحصل ما في الصدور إلا الله ، ولا يبلو السرائر


صفحه 109

إلاّ خالقها ، ولا ينجو إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

وثقتي بالأستاذ الدكتور الهلابي ومن بعده الأستاذ حسن المالكي قوية ، وأرجوا ألاّ يحملاني على زعزعة الثقة بالنفار أو بالإستهتار. ومع ذلك لا يمكن ان ارفعها فوق المساءلة ، والنقد ، والشك في امكاناتهما. وعتبي الشديد على اخواننا أساتذة التاريخ في جامعة الامام وفي الجامعات المماثلة ، وبخاصة المتخصصين منهم في التاريخ الإسلامي القديم فهم الأجدار بالمواجهة. وليس من اللائق أن ننازل عنهم ، فقد يخرج علينا من يقول : ( ليس هذا العش عشك فادرجي ) ، ولو وجدنا فسحة من الوقت وفضلة من الجهد لكنا اندى صوتا ، وأصلب عوداً. ولكننا كخراش وضبائه ، فالى الله المشتكى وما أفعله الان على الأقل من باب الغيرة ، وفك الاشتباك ، وأرجو ألا يقال لي « زادك الله حرصا ولا تعد » وأرجو ممن يجد الأهلية من نفسه ، مع توفر الوقت ، والقدرة ، أن يدخل دخولاً علميا لا تسفيه فيه ، ولا سخرية ، ولا لجاجة ، ولا هجاء مخلاً بحشمة العلماء ووقارهم ، ومسيئا لمكانة القضايا مجال النقاش ، فكم من مقتدر يمنعه من الدخول في الحوار ما يؤول إليه من مهاترات ، وتراشق بكلمات السباب ، والاتهام ، وما يخشاه من دخول أدعياء إذا ريع أحدهم اهتاج اعزلا على حد :

( ينيلك منه عرضا لم يصنه

ويرتع منك في عرض مصون )

لقد كان صمت المتخصصين مريباً ، واحجامهم مخلاً في الثقة بهم. فالصحافة الآن وقبل الآن تشتغل في تخصصهم ، وتدك حصونهم ، وهم صامتون إن عليهم ان يوظفوا قدراتهم ليحقوا الحق ويبطلوا الباطل ، ولا يعجب الانسان أن يقول أخطأت ، ويعود إلى الصواب ونصف العلم لا أدري ومن قال


صفحه 110

لا أدري فقد أفتى إذا كان سيف بن عمر متكأ المنكرين ( عمدة في التاريخ ) عند ابن حجر ( ويروي عند البخاري في التاريخ ) فالأمر فيه متسع ، ( فابن حبان ) و ( الذهبي ) ، و ( ابن حجر ) ، و ( المزي ) ، وغيرهم قالوا بضعفه ، وكذبه ووضعه ، وزندقته. على اختلاف فيما بينهم ، وتخفظ منهم على بعض التهم وكثير غير ابن عمر اختلف العلماء حولهم فمن موثق ومن مضعف ولكن لم يقل احد منهم ـ فيما أعلم ـ برد رواياته التاريخية ، ويكفيه تزكية في مجال التاريخ على الأقل ، شهادة ابن حجر ، ورواية البخاري له ، وأحسب أن الرجلين شاهدا عدل ، ولا يمكن استبدال الأدنى بالذي هو خير ، وفي تعليق القلعجي على العقيلي قال كان اخباريا عارفا إلا أنه في الحديث ضعيفا ) ولم يقل في التاريخ ، وقضية الزندقة اتهام تحفظ عليها الكثيرون. وعلى ضوء ذلك يحسن ب‌ ( الهلابي والمالكي ) مراجعة الموضوع.

وإشكالية المالكي الاولى : أنه يعيش عقدة « سيف بن عمر » وما وصم به من جرح قادح في روايته في الحديث ، دون التاريخ ، ومن ثم يشكل المنفذ الوحيد لمرافعته ضد بعض أحداث التاريخ وشخصياته.

واشكاليته الثانية : اصراره على تطبيق منهج المحدثين على الاطلاع ، في تمحيص المروي من طريق تتبع طرق الرواية ، ومعرفة الرجال.

واشكاليته الثالثة : انه ما يزال في اطار المثار ، ولم ينفرد بشيء بعد.

واشكاليته الرابعة : انه يقف حيث تكون أحداث الفتنة الكبرى وهي شائكة وحساسة وللسف في ذلك موقف أسلم وأحكم وتطبيق منهج المحدثين على الروايات التاريخية دون قيد ، فيه ما فيه من المحاذير ، وللسلف الصالح موقف عدل في هذا الأمر ولعل مشروع الدكتور ضياء العمري الذي وظف له