بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 110

لا أدري فقد أفتى إذا كان سيف بن عمر متكأ المنكرين ( عمدة في التاريخ ) عند ابن حجر ( ويروي عند البخاري في التاريخ ) فالأمر فيه متسع ، ( فابن حبان ) و ( الذهبي ) ، و ( ابن حجر ) ، و ( المزي ) ، وغيرهم قالوا بضعفه ، وكذبه ووضعه ، وزندقته. على اختلاف فيما بينهم ، وتخفظ منهم على بعض التهم وكثير غير ابن عمر اختلف العلماء حولهم فمن موثق ومن مضعف ولكن لم يقل احد منهم ـ فيما أعلم ـ برد رواياته التاريخية ، ويكفيه تزكية في مجال التاريخ على الأقل ، شهادة ابن حجر ، ورواية البخاري له ، وأحسب أن الرجلين شاهدا عدل ، ولا يمكن استبدال الأدنى بالذي هو خير ، وفي تعليق القلعجي على العقيلي قال كان اخباريا عارفا إلا أنه في الحديث ضعيفا ) ولم يقل في التاريخ ، وقضية الزندقة اتهام تحفظ عليها الكثيرون. وعلى ضوء ذلك يحسن ب‌ ( الهلابي والمالكي ) مراجعة الموضوع.

وإشكالية المالكي الاولى : أنه يعيش عقدة « سيف بن عمر » وما وصم به من جرح قادح في روايته في الحديث ، دون التاريخ ، ومن ثم يشكل المنفذ الوحيد لمرافعته ضد بعض أحداث التاريخ وشخصياته.

واشكاليته الثانية : اصراره على تطبيق منهج المحدثين على الاطلاع ، في تمحيص المروي من طريق تتبع طرق الرواية ، ومعرفة الرجال.

واشكاليته الثالثة : انه ما يزال في اطار المثار ، ولم ينفرد بشيء بعد.

واشكاليته الرابعة : انه يقف حيث تكون أحداث الفتنة الكبرى وهي شائكة وحساسة وللسف في ذلك موقف أسلم وأحكم وتطبيق منهج المحدثين على الروايات التاريخية دون قيد ، فيه ما فيه من المحاذير ، وللسلف الصالح موقف عدل في هذا الأمر ولعل مشروع الدكتور ضياء العمري الذي وظف له


صفحه 111

وظائفه من الدراسين كان مغرياً لكثير من اللاحقين ، إذ من اليسير على ضوء هذا المنهج نسف التاريخ بكامله ، فهذا الطبري وهو من هو يعتمد على وضاعين ، وطائفيين كابن مخنف مثلاً ، ولو قرأناه بتلك العيون لما أبقينا على متنه نصاً صحيحاً ، ومشروع ضياء العمري يقف عند تاريخ الصدر الأول المؤثرة أحداثه بأمور الشريعة ، والعقيدة ، والعبادة ، كسيرة الرسول (ص).

وإذا كانت الروايات الآتية من طريق سيف بن عمر ، ضعيفة عند المحدثين ، حجة عند المؤرخين ، والاخباريين ، فلا يمكن معها ان ننسف الظاهرة كلها. فابن عمر ليس من أهل البدع ، والأهواء ، وان اتهم بالزندقة تحاملاً من ابن حبان حيث قال « وكان قد اتهم بالزندقة » ، وليست كل رواياته مخالفة لنص قطعي الدلالة والثبوت ، وانما هي روايات تأتي في سياق معهودات مستفيضة ، « فابن سبأ ، والقعقاع » ، مثلا شخصيات تداولها ، وقبل بوجودها علماء التاريخ ، وعلماء الحديث ، وعلماء الجرح والتعديل ، وعلماء الكلام ، والمؤرخون للملل والنحل وبخاصة ابن سبأ فهم يذكرونها في سياق ما يكتبون ، ولم يكن اعترافهم بهذه الشخصيات إلاّ لأنها مستفيضة على الألسن يتداولها الناس ، وعلماء الجرح والتعديل انصفوا سيف بن عمر حتى لقد قال ابن حجر العسقلاني عنه : « ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ » وأردف : « أفحش ابن حبان القول فيه » وقال العقيلي : « يحدث عنه البخاري » أي : في التاريخ ، ولو اننا طبقنا منهج المحدثين على بقية العلوم على اطلاقه مثلما يفعل البعض مع الروايات التاريخية ، ولتكن مثلا على روايات الجاحظ في « البيان والتبيين » وفي « الحيوان » ، أو على روايات أبي الفرج الاصفهاني في « الأغاني » ، أو على روايات علماء النحو والصرف واللغة ، والبلاغة ، كما لا نقبل أن يكون هذا الشعر لذلك الرجل


صفحه 112

المنسوب اليه لوصوله عن طريق مجهول الحال أو الذات ، أو يكون مجروحاً ، وهذا يمتد بنا إلى انكار الشخصيات ، كما أنكرها الهلابي ، والمالكي ، ومن قبلهم المستشرقون والمذهبيون.

واحتياجنا إلى منهج المحدثين في الجرح والتعديل قائم ، ولكنه ليس على اطلاقه ، وانما يقوم متى قامت الحاجة ، وذلك إذا تعارضت الروايات بين المؤرخين ، بحيث جاءت الواقعة عند مؤرخ مناقضة لواقعة اخرى عند مؤرخ آخر ، ولزم التوفيق بينهما ، أو عندما يأتي مقتضى الرواية التاريخية حكم شرعي ، او عقدي ، أو تعبدي ، أو عقلي ، ففي اختلاف المؤرخين نحاول الجمع ، فان أمكن صرنا اليه ، وان لم يمكن الجمع نظرنا إلى رجال السند ، فاثبتنا ما كان رجاله ثقات ، اسقطنا ما كان في رجاله قول. ومعارضة الرواية التاريخية للنص الثابت ، أو القطعي تسقط الرواية ولا كرامة ، وخروج الرواية على المعقول يسقطها عقلاً والذين درسوا مناهج التاريخ وضعوا ضوابط للنقد وحصروا مآخذ كل ضابط وفرقوا بين النقد السلبي والايجابي ، ونقد النص ، والاشخاص والوثائق ، وما يعرف بالنقد الظاهري ، والباطني ، ومع ذلك فما أحد منهم أفاض في منهج النقد على طريقة المحدثين ، وبخاصة عندما لا تقوم الحاجة لهذا المنهج كما أشرت.

وإذا جاء الناقد التاريخي إلى واقعة متعارف عليها ، متداولة بين المورخين ، مقبولة عند علماء الجرح والتعديل ، ممن ضعفوا راوي الواقعة التاريخية وقبلوها منه ، مثلما يفعل ابن حجر ، ومن قبله البخاري في التاريخ الكبير ، وهي أيضاً مستفيضة لدى كافة العلماء ، ثم تعمد نسفها من اساسها ،


صفحه 113

لمجرد أن في سندها مجروحين ، فذلك أمر لا يمكن القبول به ، ولا سيما إذا كان الحدث ، او الظاهرة ، مستفيضة ، ولم يكن لاحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين من امثال ابن حجر والذهبي وغيرهما ، ومن جاء بعدهم ممن عرفوا ان ابن سبأ ، ـ مثلاً ـ لم يأت إلاّ من طريق سيف بن عمر ، ومن الذين درسوا الملل والنحل ، وعرضوا للسبئية ولم ينكروا وجود ابن سبأ واشكالية ابن سبأ انه لم يعد شخصية تاريخية وحسب كالقعقاع مثلا ، فكل متحدث عن الفتنة وعن العقائد وعن التاريخ عرض لهذه الشخصية.

لقد مرت بهؤلاء على مختلف تخصصاتهم ، في الحديث ، والتاريخ والملل ، والنحل ، وعلى مختلف العصور ، شخصيات كابن سبأ والقعقاع ، وقضايا ، وأحداث ، وما أحد منهم نظر في حقيقة وجودها ، لمجرد انه لا يوجد طريق إلاّ طريق سيف بن عمر المجروح عند المحدثين. وما أحد من علماء السلف المعتبرين من شكك بوجود هذه الشخصيات ، هذا فيما اعلم وفوق كل ذي علم عليم وكما أشرت فان ضعف الراوي في مجال التاريخ يحملنا على استخدام العقل ورد المبالغات التي لا تعقل إذا لم يترتب على ردها تعطيل لسلطة النص القطعي الدلالة والثبوت ، ورد الاحداث التي لا يتوقع صدورها من شخص ، أو جيل توفرت لدينا المعلومات الكافية لتزكية ، لا رد الحدث أو الظاهرة المعقولة والمبررة والمستفيضة ، فالرواية الضعيفة في بعض احاديث الصلاة لا تنفي الصلاة نفسها ، وثبوت شخصية ابن سبأ والقعقاع لا يلزم منه ثبوت كل ما نسب اليهما. ثم ان ثبوت شخصيتيهما مستفيضة ، ومعروفة ، ولم يشك احد من المعتبرين بوجودهما. وما أثار مثل ذلك إلاّ المستفيدون من انكار مثل هذه الشخصيات. والسلفيون ليس لهم فائدة من انكار شخصية كابن سبأ فلماذا


صفحه 114

نتواصل مع غيرنا لصالح الغير. وأي اجحاف بحق المصداقية التاريخية يحصل لو صرفنا النظر عن مثل هذه الأمور.

وظاهر الانتحال في الشعر العربي التي التقطها مرجليوث حين حقق كتاب الحموي ، تعيد نفسها بشكل آخر مع حسن المالكي ، ومع سلفه الذين أمدوه بالمادة وبالمنهج ، فهو حين نظر إلى شخصيات مثيرة كابن سبأ ، والقعقاع ، وليس لها طريق غير طريق سيف بن عمر المجروح راح يتقصى الروايات المنسوفة من قبل ليعيد نسفها من جديد رواية رواية من خلال آليات المحدثين ، متناسياً تباين القيمة الروائية بين المؤرخين والمحدثين ، وفاته ، أو ربما فوت على نفسه ما تعارف عليه العلماء ، والمؤرخون من التفريق بين شروط الرواية في الحديث تثبت حكماً شرعياً أو تعبدياً ، او عقدياً يمس أحوال الناس ، وقد يقدح في معقولية الحكم أما الرواية في التاريخ فأمر مختلف جداً ما لم يترتب على ذلك ضرر من أي وجه. كما انه لم يفرق بين الاستفاضة في الظاهرة ، وارتباطها بالرواية دون استفاضة ، وفاته أو فوت على نفسه ـ ما توصل اليه العلماء من تقرير قواعد ، وأصول ، لكل علم. وما اتخذه الفقهاء دليل على تغير الحكم بتغير سياقاته ، ولهذا قال الفقهاء تقبل شهادة الصبيان فيما بينهم والرجوع إلى أهل الخبرة ومراعاة الاحوال في بعض الاحكام رؤية اصولية فالقاضي محتاج إلى الصانع والمزارع والطبيب في القضايا المتعلقة بمهنهم. ومن ثم يرتكب بعض الباحثين أخطاء فاحشة عندما يعزلون القضية ـ أي قضية ـ من سياقها الزمني ، أو من سياقها المعرفي ، متجاهلين ـ لحاجة في النفس ـ الضوابط والسياقات المعرفية. واذكر انني وأنا اتقصى مذهب عبد الله القصيمي الالحادي الهالك تبين


صفحه 115

لي انه يهدم قضية بحجة عقلية ، ثم يهدم تلك الحجة باخرى ، فحاجته هي التي تمنح الاشياء مشروعية الوجود ، او المعقولية ثم تنزعها ، ولهذا عد من الهدامين ولم يصنف من المذهبين.

وما يجب في هذا السياق أن يعرفه مرجليوث ومن بعده طه حسين والمالكي ان هناك اصولاً لصناعة الأدب وأخرى لصناعة التاريخ وثالثة لصناعة الفقه ولا يجوز تجاهل شيء من ذلك اثناء محاكمة الظواهر ولو اننا طبقنا أصول علم على آخر لالحقنا الضرر بأنفسنا ، وبالفن الذي نعمل به. وقدوتنا في ذلك الامام البخاري رحمه الله ، لقد كان لصحيحه شرطه المعروف ولتاريخه الكبير « والادب المفرد » منهجهما وشرطهما ومن ثم روى في التاريخ الكبير لسيف بن عمر ، وهو يعرف انه ضعيف لا يحتج به في الحديث ، وأعود لأقول ما الذي يترتب على الاعتراف بوجود ابن سبأ ، أو القعقاع أمن الخلل المعرفي أو النقص في الدين أو القدح في الفكر أو في العقل العربي إذ ليس أحد منهم اسطورة لا يقبلها العقل ، وليس أحد منهم ينطوي على فعل يعارض الثبوت والدلالة القطعيين وليس أحد منهم ينطوي على مغمز حضاري لا يتسع له الفعل الإسلامي المعتبر ، وليس ثبوت احدهم قادحاً في المقتضى الشرعي أو التعبدي او العقدي ، فما المحذور إذاً عند السلفي ، وما النتائج التي يسعى باحث كالدكتور الهلابي ومن بعده المالكي حين أنفقوا مزيداً من الجهد والوقت لمصادمة السائد والمتعارف عليه والمتلقى بالقبول لدى عامة علماء المسلمين الثقات من مؤرخين ومحدثين وأصوليين ومتكلمين. ثم لماذا يعيدان ما قاله غيرهما من انكار لهذه الشخصيات ، اما كان يكفيهما الإشارة إلى هذه النتائج والإشتغال بما هو أهدى وأجدى.


صفحه 116

أقول هذا وأنا على رصيف الانتظار والترقب لاجابات كافية شافية ، من الهلابي ، أو من المالكي ، أو منهما معاً او من غيرهما فأنا طالب علم ، ولا أريد لاحد أن يخلط أوراقي ، وإذا كان المستشرقون وأصحاب الملل المنحرفة يرمون إلى اهداف وغايات بعيدة ويحاولون بطرق ماكرة أن يخلطوا الأمور ويحوسوا الفكر ويغرسوا الشك والإرتياب ، فان باحثا ليست له الغايات نفسها ، ولا الأهداف عينها يوظف نفسه من حيث يدري ، أو لا يدري لمؤازرة اولئك وخدمتهم ، لقد بشمنا من تقليب الحطب على نار الفتنة الكبرى وما احد منا شفى نفسه وأبرأ سقمها ، ومَن مِنَ السلفيين من يجرؤ على وضع نفسه بين « على وعائشة » رضى الله عنهما.

والتاريخ الاسلامي الذي انطوى على فتن بدرت بين الصحابة رضوان الله عليهم أوجب السلف الكف عنها ، ولغ في معينة الصافي علماء متضلعون وفلاسفة عميقون ومفكرون جهابذة ، من اصحاب ملل ، ونحل واهواء ، وديانات مختلفة ، وما زالت فيه بقايا لمن أراد الولوغ وكان يجب على كل من يجد في نفسه سدة التاريخ للافساد والتشكيك فأين المتخصصون والمثقفون والمؤرخون من « فيليب حتى » أو « بروكلمان » و « جرجي زيدان » وعشرات بل مئات المستشرقين الذين كتبوا عن القرآن والرسول والحديث والفقه والتاريخ الاسلامي وأوغلوا في الهدم والذم والتشكيك والاتهام.

لقد كانت زيارة حسن المالكي لنادي القصيم الادبي وحديثي معه الذي حملني على قراءة ما كتبه عن القعقاع بتمعن وكان لكتابه الذي اصدرته مؤسسة اليمامة وقام باهدائي نسخة منه حافز لقراءة مقالاته مجموعة في كتاب بعد


صفحه 117

قراءتها مفرقة في جريدة ، وحين فرغت من قراءة ما كتب عن الاطروحات وعن البيعة في كتابين على الرغم من المشاغل التي تنتابني من كل جانب ، عدت إلى نفسي أتساءل عما تحققه هذه المبادرات وبخاصة ما يوافق فيها هوى الآخرين وتصورت المالكي بعد هذا الجهد الجهيد يلتقط انفاسه ويمسح جبينه وينتبذ من أهله مكانا قصيا ، ينظر إلى هذه الهدميات في التاريخ الاسلامي ويحصي ما ظفر به من الغنائم على المستوى العام ، او على المستوى الشخصي ومن حقنا أن نتساءل ما الذي كسبه لنفسه وما الذي كسبه لأمته وما الذي حققه لتراثه وما الشوكة التي غرسها في حلق أعداء الأمة ، حين فرغ من هذا العمل الشاق المضني ومحى من الوجود شخصية ابن سبأ ، وشخصية القعقاع لقد وضع نفسه من حيث لا يعلم في خندق المشبوهين وما كان جهده المبذول ازاء قضايا ابتدرها ولا قضايا قلقة وملحة انفرد بها ، والأمر لا يعدو تحصيل حاصل وتذكيرا بمعلوم ، وفي هذا السياق اذكر ان عالما من علماء الشيعة تناول في كتاب متداول مئة وخمسين شخصية في التاريخ الإسلامي حيث اعتبرها وهمية وليس لها وجود حقيقي واذكر انني قرأت عن هذا العمل المشبوه ما لا أذكره ، ومازلت أتمنى الحصول عليه فأنا كحذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي يحرص على معرفة الشر لإتقائه ، ولان ظروفي لا تسمح بالمنازلة المكافئة ، فإنني أرجو أن ينهض المالكي أو الهلابي لقراءة هذا الكتاب وما شاكله من عشرات بل مئات الكتب المغروسة كالخناجر المسمومة في خاصرة التاريخ الاسلامي ونقدها واقرار ما يمكن إقراره ، ونفي ما يمكن نفيه فذلك هو العمل المفيد والجاد والمأجور ، وعليهما أن يقرءا ما يكتبه الماديون ، والعلمانيون والماسونيون ومعتزلة العصر والتنويريون والحداثيون والسذج من مغفلي المثقفين والتبعيين