المنسوب اليه لوصوله عن طريق مجهول الحال أو الذات ، أو يكون مجروحاً ، وهذا يمتد بنا إلى انكار الشخصيات ، كما أنكرها الهلابي ، والمالكي ، ومن قبلهم المستشرقون والمذهبيون.
واحتياجنا إلى منهج المحدثين في الجرح والتعديل قائم ، ولكنه ليس على اطلاقه ، وانما يقوم متى قامت الحاجة ، وذلك إذا تعارضت الروايات بين المؤرخين ، بحيث جاءت الواقعة عند مؤرخ مناقضة لواقعة اخرى عند مؤرخ آخر ، ولزم التوفيق بينهما ، أو عندما يأتي مقتضى الرواية التاريخية حكم شرعي ، او عقدي ، أو تعبدي ، أو عقلي ، ففي اختلاف المؤرخين نحاول الجمع ، فان أمكن صرنا اليه ، وان لم يمكن الجمع نظرنا إلى رجال السند ، فاثبتنا ما كان رجاله ثقات ، اسقطنا ما كان في رجاله قول. ومعارضة الرواية التاريخية للنص الثابت ، أو القطعي تسقط الرواية ولا كرامة ، وخروج الرواية على المعقول يسقطها عقلاً والذين درسوا مناهج التاريخ وضعوا ضوابط للنقد وحصروا مآخذ كل ضابط وفرقوا بين النقد السلبي والايجابي ، ونقد النص ، والاشخاص والوثائق ، وما يعرف بالنقد الظاهري ، والباطني ، ومع ذلك فما أحد منهم أفاض في منهج النقد على طريقة المحدثين ، وبخاصة عندما لا تقوم الحاجة لهذا المنهج كما أشرت.
وإذا جاء الناقد التاريخي إلى واقعة متعارف عليها ، متداولة بين المورخين ، مقبولة عند علماء الجرح والتعديل ، ممن ضعفوا راوي الواقعة التاريخية وقبلوها منه ، مثلما يفعل ابن حجر ، ومن قبله البخاري في التاريخ الكبير ، وهي أيضاً مستفيضة لدى كافة العلماء ، ثم تعمد نسفها من اساسها ،
لمجرد أن في سندها مجروحين ، فذلك أمر لا يمكن القبول به ، ولا سيما إذا كان الحدث ، او الظاهرة ، مستفيضة ، ولم يكن لاحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين من امثال ابن حجر والذهبي وغيرهما ، ومن جاء بعدهم ممن عرفوا ان ابن سبأ ، ـ مثلاً ـ لم يأت إلاّ من طريق سيف بن عمر ، ومن الذين درسوا الملل والنحل ، وعرضوا للسبئية ولم ينكروا وجود ابن سبأ واشكالية ابن سبأ انه لم يعد شخصية تاريخية وحسب كالقعقاع مثلا ، فكل متحدث عن الفتنة وعن العقائد وعن التاريخ عرض لهذه الشخصية.
لقد مرت بهؤلاء على مختلف تخصصاتهم ، في الحديث ، والتاريخ والملل ، والنحل ، وعلى مختلف العصور ، شخصيات كابن سبأ والقعقاع ، وقضايا ، وأحداث ، وما أحد منهم نظر في حقيقة وجودها ، لمجرد انه لا يوجد طريق إلاّ طريق سيف بن عمر المجروح عند المحدثين. وما أحد من علماء السلف المعتبرين من شكك بوجود هذه الشخصيات ، هذا فيما اعلم وفوق كل ذي علم عليم وكما أشرت فان ضعف الراوي في مجال التاريخ يحملنا على استخدام العقل ورد المبالغات التي لا تعقل إذا لم يترتب على ردها تعطيل لسلطة النص القطعي الدلالة والثبوت ، ورد الاحداث التي لا يتوقع صدورها من شخص ، أو جيل توفرت لدينا المعلومات الكافية لتزكية ، لا رد الحدث أو الظاهرة المعقولة والمبررة والمستفيضة ، فالرواية الضعيفة في بعض احاديث الصلاة لا تنفي الصلاة نفسها ، وثبوت شخصية ابن سبأ والقعقاع لا يلزم منه ثبوت كل ما نسب اليهما. ثم ان ثبوت شخصيتيهما مستفيضة ، ومعروفة ، ولم يشك احد من المعتبرين بوجودهما. وما أثار مثل ذلك إلاّ المستفيدون من انكار مثل هذه الشخصيات. والسلفيون ليس لهم فائدة من انكار شخصية كابن سبأ فلماذا
نتواصل مع غيرنا لصالح الغير. وأي اجحاف بحق المصداقية التاريخية يحصل لو صرفنا النظر عن مثل هذه الأمور.
وظاهر الانتحال في الشعر العربي التي التقطها مرجليوث حين حقق كتاب الحموي ، تعيد نفسها بشكل آخر مع حسن المالكي ، ومع سلفه الذين أمدوه بالمادة وبالمنهج ، فهو حين نظر إلى شخصيات مثيرة كابن سبأ ، والقعقاع ، وليس لها طريق غير طريق سيف بن عمر المجروح راح يتقصى الروايات المنسوفة من قبل ليعيد نسفها من جديد رواية رواية من خلال آليات المحدثين ، متناسياً تباين القيمة الروائية بين المؤرخين والمحدثين ، وفاته ، أو ربما فوت على نفسه ما تعارف عليه العلماء ، والمؤرخون من التفريق بين شروط الرواية في الحديث تثبت حكماً شرعياً أو تعبدياً ، او عقدياً يمس أحوال الناس ، وقد يقدح في معقولية الحكم أما الرواية في التاريخ فأمر مختلف جداً ما لم يترتب على ذلك ضرر من أي وجه. كما انه لم يفرق بين الاستفاضة في الظاهرة ، وارتباطها بالرواية دون استفاضة ، وفاته أو فوت على نفسه ـ ما توصل اليه العلماء من تقرير قواعد ، وأصول ، لكل علم. وما اتخذه الفقهاء دليل على تغير الحكم بتغير سياقاته ، ولهذا قال الفقهاء تقبل شهادة الصبيان فيما بينهم والرجوع إلى أهل الخبرة ومراعاة الاحوال في بعض الاحكام رؤية اصولية فالقاضي محتاج إلى الصانع والمزارع والطبيب في القضايا المتعلقة بمهنهم. ومن ثم يرتكب بعض الباحثين أخطاء فاحشة عندما يعزلون القضية ـ أي قضية ـ من سياقها الزمني ، أو من سياقها المعرفي ، متجاهلين ـ لحاجة في النفس ـ الضوابط والسياقات المعرفية. واذكر انني وأنا اتقصى مذهب عبد الله القصيمي الالحادي الهالك تبين
لي انه يهدم قضية بحجة عقلية ، ثم يهدم تلك الحجة باخرى ، فحاجته هي التي تمنح الاشياء مشروعية الوجود ، او المعقولية ثم تنزعها ، ولهذا عد من الهدامين ولم يصنف من المذهبين.
وما يجب في هذا السياق أن يعرفه مرجليوث ومن بعده طه حسين والمالكي ان هناك اصولاً لصناعة الأدب وأخرى لصناعة التاريخ وثالثة لصناعة الفقه ولا يجوز تجاهل شيء من ذلك اثناء محاكمة الظواهر ولو اننا طبقنا أصول علم على آخر لالحقنا الضرر بأنفسنا ، وبالفن الذي نعمل به. وقدوتنا في ذلك الامام البخاري رحمه الله ، لقد كان لصحيحه شرطه المعروف ولتاريخه الكبير « والادب المفرد » منهجهما وشرطهما ومن ثم روى في التاريخ الكبير لسيف بن عمر ، وهو يعرف انه ضعيف لا يحتج به في الحديث ، وأعود لأقول ما الذي يترتب على الاعتراف بوجود ابن سبأ ، أو القعقاع أمن الخلل المعرفي أو النقص في الدين أو القدح في الفكر أو في العقل العربي إذ ليس أحد منهم اسطورة لا يقبلها العقل ، وليس أحد منهم ينطوي على فعل يعارض الثبوت والدلالة القطعيين وليس أحد منهم ينطوي على مغمز حضاري لا يتسع له الفعل الإسلامي المعتبر ، وليس ثبوت احدهم قادحاً في المقتضى الشرعي أو التعبدي او العقدي ، فما المحذور إذاً عند السلفي ، وما النتائج التي يسعى باحث كالدكتور الهلابي ومن بعده المالكي حين أنفقوا مزيداً من الجهد والوقت لمصادمة السائد والمتعارف عليه والمتلقى بالقبول لدى عامة علماء المسلمين الثقات من مؤرخين ومحدثين وأصوليين ومتكلمين. ثم لماذا يعيدان ما قاله غيرهما من انكار لهذه الشخصيات ، اما كان يكفيهما الإشارة إلى هذه النتائج والإشتغال بما هو أهدى وأجدى.
أقول هذا وأنا على رصيف الانتظار والترقب لاجابات كافية شافية ، من الهلابي ، أو من المالكي ، أو منهما معاً او من غيرهما فأنا طالب علم ، ولا أريد لاحد أن يخلط أوراقي ، وإذا كان المستشرقون وأصحاب الملل المنحرفة يرمون إلى اهداف وغايات بعيدة ويحاولون بطرق ماكرة أن يخلطوا الأمور ويحوسوا الفكر ويغرسوا الشك والإرتياب ، فان باحثا ليست له الغايات نفسها ، ولا الأهداف عينها يوظف نفسه من حيث يدري ، أو لا يدري لمؤازرة اولئك وخدمتهم ، لقد بشمنا من تقليب الحطب على نار الفتنة الكبرى وما احد منا شفى نفسه وأبرأ سقمها ، ومَن مِنَ السلفيين من يجرؤ على وضع نفسه بين « على وعائشة » رضى الله عنهما.
والتاريخ الاسلامي الذي انطوى على فتن بدرت بين الصحابة رضوان الله عليهم أوجب السلف الكف عنها ، ولغ في معينة الصافي علماء متضلعون وفلاسفة عميقون ومفكرون جهابذة ، من اصحاب ملل ، ونحل واهواء ، وديانات مختلفة ، وما زالت فيه بقايا لمن أراد الولوغ وكان يجب على كل من يجد في نفسه سدة التاريخ للافساد والتشكيك فأين المتخصصون والمثقفون والمؤرخون من « فيليب حتى » أو « بروكلمان » و « جرجي زيدان » وعشرات بل مئات المستشرقين الذين كتبوا عن القرآن والرسول والحديث والفقه والتاريخ الاسلامي وأوغلوا في الهدم والذم والتشكيك والاتهام.
لقد كانت زيارة حسن المالكي لنادي القصيم الادبي وحديثي معه الذي حملني على قراءة ما كتبه عن القعقاع بتمعن وكان لكتابه الذي اصدرته مؤسسة اليمامة وقام باهدائي نسخة منه حافز لقراءة مقالاته مجموعة في كتاب بعد
قراءتها مفرقة في جريدة ، وحين فرغت من قراءة ما كتب عن الاطروحات وعن البيعة في كتابين على الرغم من المشاغل التي تنتابني من كل جانب ، عدت إلى نفسي أتساءل عما تحققه هذه المبادرات وبخاصة ما يوافق فيها هوى الآخرين وتصورت المالكي بعد هذا الجهد الجهيد يلتقط انفاسه ويمسح جبينه وينتبذ من أهله مكانا قصيا ، ينظر إلى هذه الهدميات في التاريخ الاسلامي ويحصي ما ظفر به من الغنائم على المستوى العام ، او على المستوى الشخصي ومن حقنا أن نتساءل ما الذي كسبه لنفسه وما الذي كسبه لأمته وما الذي حققه لتراثه وما الشوكة التي غرسها في حلق أعداء الأمة ، حين فرغ من هذا العمل الشاق المضني ومحى من الوجود شخصية ابن سبأ ، وشخصية القعقاع لقد وضع نفسه من حيث لا يعلم في خندق المشبوهين وما كان جهده المبذول ازاء قضايا ابتدرها ولا قضايا قلقة وملحة انفرد بها ، والأمر لا يعدو تحصيل حاصل وتذكيرا بمعلوم ، وفي هذا السياق اذكر ان عالما من علماء الشيعة تناول في كتاب متداول مئة وخمسين شخصية في التاريخ الإسلامي حيث اعتبرها وهمية وليس لها وجود حقيقي واذكر انني قرأت عن هذا العمل المشبوه ما لا أذكره ، ومازلت أتمنى الحصول عليه فأنا كحذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي يحرص على معرفة الشر لإتقائه ، ولان ظروفي لا تسمح بالمنازلة المكافئة ، فإنني أرجو أن ينهض المالكي أو الهلابي لقراءة هذا الكتاب وما شاكله من عشرات بل مئات الكتب المغروسة كالخناجر المسمومة في خاصرة التاريخ الاسلامي ونقدها واقرار ما يمكن إقراره ، ونفي ما يمكن نفيه فذلك هو العمل المفيد والجاد والمأجور ، وعليهما أن يقرءا ما يكتبه الماديون ، والعلمانيون والماسونيون ومعتزلة العصر والتنويريون والحداثيون والسذج من مغفلي المثقفين والتبعيين
والادعياء والمأجورين النفعيين الذين يؤجرون قدراتهم لخدمة الايديولوجيات من أمثال جارودي الذي أعلن للملأ توظيف امكانياته لخدمة المذاهب التي تدفع أكثر ، والتطوع للتصدي ، لكل هذه الطوائف ، وانقاذ ما يمكن انقاذه من تحت حوافرها فاذا فرغوا من كل ذلك ، ولا أحسبهم فارغين ، أمكن الدخول على التاريخ بآليات الناقد الممحص المصفي النافي لما لا يليق عقلاً ، أو علماً ، أو اخلاقا ، وهو كثير. والقعقاع وابن سبأ لا يندرجان تحت أي محذور من تلك المحاذير ، وإذا كان لأحدهما رغبة في نفي المبالغات ، والتهويلات ، فما في ذلك من بأس ، ولكن يجب أن يكون وفق الأصول المعتبرة ومحاولات المالكي لقراءة التاريخ وفق آليات مغايرة لم تكن جديدة ، ولكنها كانت مبكرة على شاب بسنه ، وتجربته ، وخبرته.
لقد تبدى لي وأنا استعرض كتابات المالكي في قراءته الجريئة للتاريخ ، انه لا يملك براعة العالم المتخصص ، ولا دقة ملاحظته. فنحن ذلك الرجل ، فيما لا تخصص لنا به. والمثقف في العرف المعاصر ( من يعرف كل شيء عن شيء وشيئاً عن كل شيء ). ولكي أضرب مثلاً حياً على الفرق بين المتخصص والمثقف أضع ثقافة المالكي في مجال الفقه ، إلى جانب فقه الشيخ بكر عبدالله أبوزيد ـ مثلاً ـ نجد ان بينهما فرقاً حتى في لغة الفن فضلاً عن دقائقه. وأضرب له مثلاً آخر بنفسي ، لقد كان لي ولع في علم الحديث ، وكتابات صحفية في الضعيف والصحيح ، حتى لقد تواصل معي بعض المتخصصين لمراجعة بعض مخطوطاتهم في الحديث ظناً منه أنني متخصص ، وما انا بمتخصص ، ضع هذه الامكانيات الضئيلة إلى جانب امكانيات ( الالباني ) يتضح لك الفرق بين المثقف والمتخصص ، وبحوث المالكي المثيرة لم تكن في مجال تخصصه ، وإنما هي في مجال
اهتماماته.
والخطورة تكمن في مثل هذا العمل ، فهو ـ وكثير من المشتغلين ـ لم يكن متخصصاً في التاريخ ، ولم يكن متخصصاً في الحديث ، وعلم الجرح والتعديل ومن ثم فإن ثغرات كثيرة ستبين لو أحداً من المتخصصين المتعمقين في علمي الحديث ، والتاريخ تعقب أطروحاته.
والشيء الذي أود تحاميه من كل المتداخلين معه ، وكل المفكرين في الدخول معه أو مع غيره القول في السرائر ، والنوايا ، أو الشك في المعتقد ، أو التجهيل المطلق إن في مثل ذلك قمعا وتسلطا لا يليقيان ، والناس لا يملكون شق الصدور.
وحين أشير إلى أهمية التخصص ، فليس معنى هذا أن الثقافة غير مؤهلة للدخول في بعض القضايا ، وليست مانعة من الدخول فهذا العقاد ـ رحمه الله ـ لم يكن متخصصاً في شيء من المعارف التي طرقها ، ومع ذلك كان مجليا في كل تناولاته ، كتب في التاريخ ، وفي الأدب ، وفي الفلسفة ، وفي سائر المعارف ، وهو حجة فيما كتب ، ومع كل هذا الاقتدار يؤخذ من قوله ويترك. وتبدو له هفوات لا تحتمل ، وتجاوزات لا تليق ، ومن تجاوزاته التي لا تليق بحق معاوية في كتابه ( معاوية في الميزان ) ويقال مثل ذلك عن كثير من العلماء. من أمثال أحمد أمين في مشروعه عن حضارة الاسلام.
ومن أقرب الشواهد أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري لقد خاض في قضايا كثيرة ، أخطأ وأصاب ، وأبدع وأخفق ، وهو لم يكن متخصصاً في كثير من المعارف التي تطرق لها.
ولكن يجب على الدراس الذي يبحث في غير تخصصه ، ويحس في نفسه