بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 115

لي انه يهدم قضية بحجة عقلية ، ثم يهدم تلك الحجة باخرى ، فحاجته هي التي تمنح الاشياء مشروعية الوجود ، او المعقولية ثم تنزعها ، ولهذا عد من الهدامين ولم يصنف من المذهبين.

وما يجب في هذا السياق أن يعرفه مرجليوث ومن بعده طه حسين والمالكي ان هناك اصولاً لصناعة الأدب وأخرى لصناعة التاريخ وثالثة لصناعة الفقه ولا يجوز تجاهل شيء من ذلك اثناء محاكمة الظواهر ولو اننا طبقنا أصول علم على آخر لالحقنا الضرر بأنفسنا ، وبالفن الذي نعمل به. وقدوتنا في ذلك الامام البخاري رحمه الله ، لقد كان لصحيحه شرطه المعروف ولتاريخه الكبير « والادب المفرد » منهجهما وشرطهما ومن ثم روى في التاريخ الكبير لسيف بن عمر ، وهو يعرف انه ضعيف لا يحتج به في الحديث ، وأعود لأقول ما الذي يترتب على الاعتراف بوجود ابن سبأ ، أو القعقاع أمن الخلل المعرفي أو النقص في الدين أو القدح في الفكر أو في العقل العربي إذ ليس أحد منهم اسطورة لا يقبلها العقل ، وليس أحد منهم ينطوي على فعل يعارض الثبوت والدلالة القطعيين وليس أحد منهم ينطوي على مغمز حضاري لا يتسع له الفعل الإسلامي المعتبر ، وليس ثبوت احدهم قادحاً في المقتضى الشرعي أو التعبدي او العقدي ، فما المحذور إذاً عند السلفي ، وما النتائج التي يسعى باحث كالدكتور الهلابي ومن بعده المالكي حين أنفقوا مزيداً من الجهد والوقت لمصادمة السائد والمتعارف عليه والمتلقى بالقبول لدى عامة علماء المسلمين الثقات من مؤرخين ومحدثين وأصوليين ومتكلمين. ثم لماذا يعيدان ما قاله غيرهما من انكار لهذه الشخصيات ، اما كان يكفيهما الإشارة إلى هذه النتائج والإشتغال بما هو أهدى وأجدى.


صفحه 116

أقول هذا وأنا على رصيف الانتظار والترقب لاجابات كافية شافية ، من الهلابي ، أو من المالكي ، أو منهما معاً او من غيرهما فأنا طالب علم ، ولا أريد لاحد أن يخلط أوراقي ، وإذا كان المستشرقون وأصحاب الملل المنحرفة يرمون إلى اهداف وغايات بعيدة ويحاولون بطرق ماكرة أن يخلطوا الأمور ويحوسوا الفكر ويغرسوا الشك والإرتياب ، فان باحثا ليست له الغايات نفسها ، ولا الأهداف عينها يوظف نفسه من حيث يدري ، أو لا يدري لمؤازرة اولئك وخدمتهم ، لقد بشمنا من تقليب الحطب على نار الفتنة الكبرى وما احد منا شفى نفسه وأبرأ سقمها ، ومَن مِنَ السلفيين من يجرؤ على وضع نفسه بين « على وعائشة » رضى الله عنهما.

والتاريخ الاسلامي الذي انطوى على فتن بدرت بين الصحابة رضوان الله عليهم أوجب السلف الكف عنها ، ولغ في معينة الصافي علماء متضلعون وفلاسفة عميقون ومفكرون جهابذة ، من اصحاب ملل ، ونحل واهواء ، وديانات مختلفة ، وما زالت فيه بقايا لمن أراد الولوغ وكان يجب على كل من يجد في نفسه سدة التاريخ للافساد والتشكيك فأين المتخصصون والمثقفون والمؤرخون من « فيليب حتى » أو « بروكلمان » و « جرجي زيدان » وعشرات بل مئات المستشرقين الذين كتبوا عن القرآن والرسول والحديث والفقه والتاريخ الاسلامي وأوغلوا في الهدم والذم والتشكيك والاتهام.

لقد كانت زيارة حسن المالكي لنادي القصيم الادبي وحديثي معه الذي حملني على قراءة ما كتبه عن القعقاع بتمعن وكان لكتابه الذي اصدرته مؤسسة اليمامة وقام باهدائي نسخة منه حافز لقراءة مقالاته مجموعة في كتاب بعد


صفحه 117

قراءتها مفرقة في جريدة ، وحين فرغت من قراءة ما كتب عن الاطروحات وعن البيعة في كتابين على الرغم من المشاغل التي تنتابني من كل جانب ، عدت إلى نفسي أتساءل عما تحققه هذه المبادرات وبخاصة ما يوافق فيها هوى الآخرين وتصورت المالكي بعد هذا الجهد الجهيد يلتقط انفاسه ويمسح جبينه وينتبذ من أهله مكانا قصيا ، ينظر إلى هذه الهدميات في التاريخ الاسلامي ويحصي ما ظفر به من الغنائم على المستوى العام ، او على المستوى الشخصي ومن حقنا أن نتساءل ما الذي كسبه لنفسه وما الذي كسبه لأمته وما الذي حققه لتراثه وما الشوكة التي غرسها في حلق أعداء الأمة ، حين فرغ من هذا العمل الشاق المضني ومحى من الوجود شخصية ابن سبأ ، وشخصية القعقاع لقد وضع نفسه من حيث لا يعلم في خندق المشبوهين وما كان جهده المبذول ازاء قضايا ابتدرها ولا قضايا قلقة وملحة انفرد بها ، والأمر لا يعدو تحصيل حاصل وتذكيرا بمعلوم ، وفي هذا السياق اذكر ان عالما من علماء الشيعة تناول في كتاب متداول مئة وخمسين شخصية في التاريخ الإسلامي حيث اعتبرها وهمية وليس لها وجود حقيقي واذكر انني قرأت عن هذا العمل المشبوه ما لا أذكره ، ومازلت أتمنى الحصول عليه فأنا كحذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي يحرص على معرفة الشر لإتقائه ، ولان ظروفي لا تسمح بالمنازلة المكافئة ، فإنني أرجو أن ينهض المالكي أو الهلابي لقراءة هذا الكتاب وما شاكله من عشرات بل مئات الكتب المغروسة كالخناجر المسمومة في خاصرة التاريخ الاسلامي ونقدها واقرار ما يمكن إقراره ، ونفي ما يمكن نفيه فذلك هو العمل المفيد والجاد والمأجور ، وعليهما أن يقرءا ما يكتبه الماديون ، والعلمانيون والماسونيون ومعتزلة العصر والتنويريون والحداثيون والسذج من مغفلي المثقفين والتبعيين


صفحه 118

والادعياء والمأجورين النفعيين الذين يؤجرون قدراتهم لخدمة الايديولوجيات من أمثال جارودي الذي أعلن للملأ توظيف امكانياته لخدمة المذاهب التي تدفع أكثر ، والتطوع للتصدي ، لكل هذه الطوائف ، وانقاذ ما يمكن انقاذه من تحت حوافرها فاذا فرغوا من كل ذلك ، ولا أحسبهم فارغين ، أمكن الدخول على التاريخ بآليات الناقد الممحص المصفي النافي لما لا يليق عقلاً ، أو علماً ، أو اخلاقا ، وهو كثير. والقعقاع وابن سبأ لا يندرجان تحت أي محذور من تلك المحاذير ، وإذا كان لأحدهما رغبة في نفي المبالغات ، والتهويلات ، فما في ذلك من بأس ، ولكن يجب أن يكون وفق الأصول المعتبرة ومحاولات المالكي لقراءة التاريخ وفق آليات مغايرة لم تكن جديدة ، ولكنها كانت مبكرة على شاب بسنه ، وتجربته ، وخبرته.

لقد تبدى لي وأنا استعرض كتابات المالكي في قراءته الجريئة للتاريخ ، انه لا يملك براعة العالم المتخصص ، ولا دقة ملاحظته. فنحن ذلك الرجل ، فيما لا تخصص لنا به. والمثقف في العرف المعاصر ( من يعرف كل شيء عن شيء وشيئاً عن كل شيء ). ولكي أضرب مثلاً حياً على الفرق بين المتخصص والمثقف أضع ثقافة المالكي في مجال الفقه ، إلى جانب فقه الشيخ بكر عبدالله أبوزيد ـ مثلاً ـ نجد ان بينهما فرقاً حتى في لغة الفن فضلاً عن دقائقه. وأضرب له مثلاً آخر بنفسي ، لقد كان لي ولع في علم الحديث ، وكتابات صحفية في الضعيف والصحيح ، حتى لقد تواصل معي بعض المتخصصين لمراجعة بعض مخطوطاتهم في الحديث ظناً منه أنني متخصص ، وما انا بمتخصص ، ضع هذه الامكانيات الضئيلة إلى جانب امكانيات ( الالباني ) يتضح لك الفرق بين المثقف والمتخصص ، وبحوث المالكي المثيرة لم تكن في مجال تخصصه ، وإنما هي في مجال


صفحه 119

اهتماماته.

والخطورة تكمن في مثل هذا العمل ، فهو ـ وكثير من المشتغلين ـ لم يكن متخصصاً في التاريخ ، ولم يكن متخصصاً في الحديث ، وعلم الجرح والتعديل ومن ثم فإن ثغرات كثيرة ستبين لو أحداً من المتخصصين المتعمقين في علمي الحديث ، والتاريخ تعقب أطروحاته.

والشيء الذي أود تحاميه من كل المتداخلين معه ، وكل المفكرين في الدخول معه أو مع غيره القول في السرائر ، والنوايا ، أو الشك في المعتقد ، أو التجهيل المطلق إن في مثل ذلك قمعا وتسلطا لا يليقيان ، والناس لا يملكون شق الصدور.

وحين أشير إلى أهمية التخصص ، فليس معنى هذا أن الثقافة غير مؤهلة للدخول في بعض القضايا ، وليست مانعة من الدخول فهذا العقاد ـ رحمه الله ـ لم يكن متخصصاً في شيء من المعارف التي طرقها ، ومع ذلك كان مجليا في كل تناولاته ، كتب في التاريخ ، وفي الأدب ، وفي الفلسفة ، وفي سائر المعارف ، وهو حجة فيما كتب ، ومع كل هذا الاقتدار يؤخذ من قوله ويترك. وتبدو له هفوات لا تحتمل ، وتجاوزات لا تليق ، ومن تجاوزاته التي لا تليق بحق معاوية في كتابه ( معاوية في الميزان ) ويقال مثل ذلك عن كثير من العلماء. من أمثال أحمد أمين في مشروعه عن حضارة الاسلام.

ومن أقرب الشواهد أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري لقد خاض في قضايا كثيرة ، أخطأ وأصاب ، وأبدع وأخفق ، وهو لم يكن متخصصاً في كثير من المعارف التي تطرق لها.

ولكن يجب على الدراس الذي يبحث في غير تخصصه ، ويحس في نفسه


صفحه 120

القدرة ، أن يتجنب القطع في الأمور ، وسد طرق المعالجة والاستبعاد أو الاضافة من الآخرين. والمالكي تبلغ به الثقة ، والزهو حداً لا يطاق من القطع في الأمور ، والتحدي وتلك سمة لا تليق.

ولي أن أضرب مثلاً بالمحدث محمد بن ناصر الدين الالباني. لقد رجع عن كثير من أحكامه بمحض ارادته وأخذ عليه من هو دونه ، وما زال فيما قال ، وقرر مجالاً للأخذ والرد وهو من هو في مجال الحديث ومعرفة الرجال والدقة والعمق والشمولية ، ثم إنه حين يدخل في غير مجال تخصصه يقع في المحذور ، وقد بدر منه شيء من ذلك ، وكل إنسان يؤخذ من رأيه ويترك إلاّ الرسل المعصومون الذين لا ينطقون عن الهوى ، وانما يتلقون ما يقولون عن طريق الوحي ، ولعل أقرب مثل على تفاوت العلم وتفاضله ما اجراه الله بين موسى عليه السلام ، والخضر الذي مكنه الله من بعض العلم اللدني ، وهو من أولي العزم من الرسل. والمالكي لا تلين عريكته ، ولا يذعن للمساءلة.

لقد أدت كتابات المالكي إلى اشكاليات مثيرة ، لما فيها من حدة اسلوبية وتناوله للرسائل العلمية كشفت عن هشاشة بعضها ، وظهورها بمظهر لا يليق بانتمائها الاكاديمي ، وكم قلت ، وأوصيت بوضع مُشرفَين لكل رسالة علمية : أحدهما للمنهج ، والآخر للمادة العلمية ومتى تداخل العمل مع معارف أخرى ، كان يجب استشارة متخصص في مجال التداخل ، واشراكه في المنافسة. ومما يحمد لكلية أصول الدين بجامعة الامام أخذها بهذا المبدأ الأخير بحيث لا تجد غضاضة من الاستعانة بمتخصص في مجال التناول وقد شرفت بتكليف من هذا النوع. وما ساءني اطلاعي على بعض مخطوطات رسائل جامعين لطباعتها ضمن اصدارات النادي أو لغرض التحكيم ، وتبين لي ضعف لا يطاق وأخطاء


صفحه 121

ولا تحتمل ، ونتائج لا تقبل ، ولا أحسب كلياتنا يشرفها نسبة هذه الاعمال اليها ، لما فيها من تسطح ، وخلل.

وكلمة أخيرة للمالكي نقولها ناصحين : ( السكينة السكينة ) و ( التروي التروي ) و ( الأناة الأناة ) و ( التبصر التبصر ) فالأمر أخطر من أن تتلاحق فيه الأحكام ، وتستمر الهدميات ، والقفز من قضية إلى أخرى ، والتشايل مع الطرح المشبوه وأحسب أن استخدام منهج المحدثين في محاكمة الرواية التاريخية على الاطلاق ، ودون قيد معتبر ، فيه ما فيه من القسوة ، والظلم ، والنتائج السلبية. ولعلمائنا الاجلاء رأي صائب في الموقف من الروايات المتعلقة بالعقيدة ، والروايات المتعلقة بالعبادة ، والروايات المتعلقة بأحداث التاريخ وكل الذي أتمناه أن يستحضر المالكي هذه الوسطية الفذة ، وألا يخضع كل الاحداث لهذه المحاكمة الشديدة الجائرة وغير المنطقية.

ثم إن في التاريخ احداثاً مهمة ، تحتاج إلى تمحيص ومساءلة ، وبخاصة ما يتعلق منها بالنيل من خلفاء الدولة الأموية والعباسية ، مما لا يليق بهم ، ولا يتوقع من مثلهم بوصفهم قادة كبارا ، حققوا للأمة الاسلامية أمجاداً لا تنازع من فتوحات ، وأنظمة ، واشاعة علم ، وعدل ، وغير ذلك ولنضرب مثلا بهارون الرشيد وفي التاريخ قصص وحكايات تعقبها البعض لنكارتها ، لا لضعف سندها ولكن السند الضعيف آنس الناقد وعضده ولعلنا نذكر في هذا السبيل ما يشاع عن ظاهرة الغناء والترف في الحجاز ، في العهد الأموي ، عن طريق تآمر الأمويين ، وتعاقب العلماء على قبول ذلك ، والتاليف فيه من أمثال ، شوقي ضيف ، وشكري فيصل على ما أذكر وبعد تمحيص دقيق أكد الزميل الدكتور عبدالله الخلف برسالة علمية مخطوطة كذب هذا الادعاء ، ونفى عن


صفحه 122

مجتمع الحجاز هذه الفرية.

على أن مبدا الشك في الروايات ، والأخبار ، اتخذها كتاب مشهورون استخدموا في سبيل ذلك المنهج العقلي من أمثال الباحث العراقي عبدالعزيز الدوري ، يقول وليد نويهض عنه ( اعتمد منطق الشك في العديد من القصص والأخبار ) وأشار إلى أن الدوري لم يكن الوحيد في منهج التفسير المؤامراتي للحوادث فقد سبقه ( طه حسين ) و ( نبيل ياسين ) و ( نصر حامد أبو زيد ). ومنهج الشك الذي ألمحت اليه في صدر هذا الحديث ليس على اطلاقه ، فهو كمنهج المحدثين لا يستدعى حتى تقوم الحاجة اليه.

ان هناك مناهج عدة لتفسير التاريخ ، اورده ، وتكذيبه واللاحقون ركبوا متون تلك المناهج والكثير منهم لم يع المكائد التي ينطوي عليها سلفهم. على أن هناك قراءات نقدية فيها شيء من المعقولية ، وكثير من المبالغات ، والفرضيات ، كنقد الشيخ عبدالله العلايلي ، غير أنه مع هذا أوغل في الخطأ حين أرجع حروب الردة إلى قتال قبلي بين العدنانية والقحطانية.

وهناك قراءات تحت ظلال النص التاريخي ، ومن أخطرها القراءات الاستشراقية الني تستبعد الوحي ، والقراءات المارقة من مثل قراءة أدونيس في الثابت والمتحول ، ومن قبله قراءة جرجي زيدان الذي خادع بكتابه « تاريخ التمدن الاسلامي » حيث ركز على بؤر الترف ، والمجون ، والجواري ، والقيان ، ليجعل من هذه المخازي مؤشراً للتمدن الاسلامي ولدى نسخة مطبوعة عام ١٣٣٠ ه‌ في الرد عليه ، وهي مجموعة مقالات كتبها ( شبلي النعماني ) ونشرها في مجلة المنار ثم جمعها في كتاب ، ومن بعد زيدان ، جاء محمد الخضري في محاضراته المثيرة في قراءة التاريخ الاسلامي ، قراءة عقلية ، وقد تصدى له