الملاحظة الخامسة عشرة :
ما زعمه الفريح بانني اعتمدت على كتب مطبوعة وانني لم آت بجديد زعم باطل عريض !!
صحيح أن الباحث يطلع على ما كتب في الموضوع ولا أنكر أنني قبل الكتابة عن سيف أو القعقاع قد اطلعت على ما كتبه الهلابي والعودة والمعلمي والتباني والعسكري وطه حسين وغيرهم من العلماء والباحثين لكنني لم أقلد أحداً منهم واستخرجت روايات سيف بنفسي وبحثتها رواية رواية سنداً ومتناً واستدركت عليهم أشياء كثيرة فاتتهم مع تقديري لمن سبق وعدم هضم حقه لكن أول من دفعني للجراة في هذا الموضوع هو المعلمي وليس الهلابي كما ظن الهويمل !! مع امتناني الكبير للدكتور الهلابي ثم ان كل ما كتبته عن سيف أو القعقاع كان بحمدالله نتيجة بحث ذاتي ولا يعني هذا عدم الالتفات إلى الدراسات السابقة كما لا يعني أن أوجب على نفسي أن أخالفهم في كل النتائج فالبحث العلمي لا يعادي أحداً والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها.
الملاحظة السادسة عشرة :
ما ذكره الفريح بتزوير في توثيق سيف بن عمر واعتماده على نقل الطبري وابن الأثير وغيرهم عنه اضافة إلى تفسيره لبعض الأقوال ـ كأقوال ابن حجر والذهبي ثم اعتماده على توثيق صاحب دار النفائس لسيف بن عمر !! هذه لن أرد عليها ويستطيع القارئ مراجعة كتاب الرياض ( ص ٤٥ فما بعدها ).
الملاحظة السابعة عشرة :
ذكر أنني رميت أصحاب المصادر التاريخية الأصلية بالغباء والغفلة !!
أقول : أي مصادر يقصد هل يقصد مصادر المتقدمين كأصحاب الكتب الستة ومن في طبقتهم ومن قبلهم أم يقصد الذين نقلوا عن سيف بن عمر !! ثم إذا كان عدم الأخذ بأقوال المتأخرين يعد اتهاما بالغباء فالآخذ بأقوال المتاخرين أولى أن يتهم باستخفافه بالمتقدمين الذين لم يهملوا تراجم أقل شانا مما يقوله سيف عن القعقاع !!
ثم أنا ليس لي أية مصلحة في نفي وجود القعقاع إلاّ محبة معرفة الحقائق بعينها بعيداً عن الاختلافات والتهويلات.
رد الدكتور الهويمل :
أسعدني رد الدكتور حسن الهويمل الذي حث فيه المتخصصين على المشاركة في ( تقليم أظافر هذا الشاب !! ) فقد حدد لهم الهدف من المشاركة أيضاً ولو تلميحاً !! وأنا أطلب منهم المشاركة بالحق لمعرفة الحق ، لكن المشكلة الكبرى في مقالة الدكتور الهويمل ـ وأخشى ألا تكون كل مقالاته هكذا ـ انه مقال بلا موقف ، قرأته ثلاث مرات ولم أخرج بنتيجة وتذكرت المثل الكردي القائل : ( الفاسقون الخمسة أربعة الفار والثعبان والوزغ ) !! فهو يجعل الخمسة أربعة ثم ثلاثة في سطر واحد !! ولا تعرف هل الدكتور معك أو ضدك ! هل يتكلم بقصد العلم أو بقصد العلم أو بقصد فض الاشتباك !!
لذا أرجو أن تكون كتاباته المستقبلية أكثر وضوحاً ، وأسمى هدفاً وأبعد عن الضبابية ..
د. حسن بن فرحان المالكي
دروس من معركة القعقاع
صحيفة الرياض ـ ١٧ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
كل الحياة مليئة بالدروس والعبر ، ومن محاسن هذه العبر وخصائصها الحسنة انها لا تقتصر على الخير أو الشر ، بل لا يكاد العاقل يرى حدثاً أو يسمع خبراً أو يقرأ فكرة إلاّ وجد في ذلك من الدروس ما يضيفه إلى ما يماثله مما سجله خاطر أو سطره قلم أو سنح به فكر.
وعلى هذا يجب أن نعلم أن الشر لا يخلو من فائدة ولو للعبرة. كما لا يجوز أن نظن أن الخير لن يصاحبه شر ولا أن الحق لن ينازعه باطل ، فهذه من سنن
الله في الحياة مزجها لتتكامل منظومة الحياة ( وبضدها تتميز الأشياء ).
لهذا كله فأنا أرغب ألا تنجلي ( معركة الحوار حول القعقاع بن عمرو ) التي دارت عبر الأسابيع الماضية إلاّ ونسجل منها بعض الفوائد والدروس والعبر ، هذه العبر التي نريد من القارئ ان يتذكرها عندما تتشابه ( المعارك ) !! التي تثير بعض الراكد ، وتيقظ فينا بعض ( الغفوات العلمية ) الطويلة !!
وأنا لا أزعم انني سآتي على جل الفوائد فضلاً عن كلها اضافة إلى ان غيري قد يدرك أشياء اعمق وفوائد أقوى مما أذكره هنا ، لكن هذا تذكير مني لنفسي ولأخواني القرّاء بأن نستفيد من هذه ( المعارك !! ) واعذروني في هذه التسمية فالأفكار تتعارك ، والأدلة تتعارك ، ـ لنعرف منها أصناف الناس من الناحية العلمية ونعرف طريقتهم في عرض الأفكار ، وطريقتهم في اخفاء الحقائق ، ومحاربتها أيضاً !! فالأحداث تتكرر ، والعبر تترى ، والانسان عامد إلى النسيان ، ولم نؤت إلاّ من نسياننا لهذه الدروس والعبر التي تساعدنا في تفسير بعض الماضي وفهم أكثر المستقبل !!
أما الآن فسأحاول أن أسجل ما أراه من أبرز الفوائد والوقفات والنصائح أيضاً !! وهذه موجهة لمن يعشق الحقيقة فقط !! أما الآخرون فلن يستفيدوا مما أقوله في هذا المقال.
ولعل من أبرز الوقفات التي يجب أن يعلمها محبو الحقيقة ما يلي :
أولاً : الحقيقة والوضع السائد
يجب أن نعلم أن هناك فرقا كبيراً بين من يكتب للحقيقة وحدها ومن يكتب لارضاء الناس من الزملاء والأصدقاء والأساتذه والتلاميذ ! أو من
يكتب مراعياً الزمن ، بما فيه من تقليد وتلقين وتعطيل للنصوص والعقول في كثير من الأمور العلمية !! الذي يكتب للحقيقة لا ينظر للزمن أو الوضع السائد وانما يراعي البراهين والأدلة العلمية. أو التي يراها علمية وقد يخطئ أيضاً لكنه واضح الموقف لا يغش ولا يدلس ولا يتلون ، ولا يستغفل القارئ ، ولا يطلي الباطل بطلاء الحق ، ولا ينتظر الثناء من أحد أو عتابه ، كما لا ينتظر موافقة أحد أو معارضته !! لأن همه الحقيقة فقط فهي ضالته يبحث عنها وينشرها بين الناس ويتعب في محاولة ايصالها مفهومة واضحة إلى أكبر عدد ممكن من المتهمين.
هذا الناشد للحقيقة كان بإمكانه أن يكتب ما لا يثير راكداً ، ولا يخالف سائداً ، ولا يجلب ضرراً ، لكنه يرى ان نشر الحقيقة مع ما يصاحبها من أذى ، خير من كتمان العلم ذلك الكتمان الذي يساهم في ( تشكيل ) عقل القارئ ليكون ( إمعة ) إن أحسن الناس القول أحسنه ، وأن ساؤوا القول أساءه. وبالتالي يساهم أيضاً في ( تأسيس الجلهل العلمي !! ) الذي ابتلي به كثير من الناس !! لذلك تجد اللغة لغة أهل العلم والتحقيق !! بينما المضمون كلام أهل الجهل والتلفيق !! فهذه اللغة ( العلمية ) لهذا ( الجهل ) تجعل القارئ يظن أن الجهل علم عظيم !! وبهذه اللغة تسير دفة الجهل فوق اقتاب الحق !! كالجنازة التي تمشي على أربع فتسبق الحي الذي يمشي على رجلين !!
ثانياً : الأكثرية ليست مقياساً !!
يردد بعض الناس ( أكثر الناس على هذا ... ) أو ( أكثر الناس يعارضون هذا الأمر ... ) ومع أن هذا الحكم يحتاج لدراسة إلا انه ليس من معايير الحق ان
تتبناه الأكثرية !! فالكثرة ليست دليلاً على الصحة ، وليس هناك دليل شرعي ولا عقلي على هذا.
بل ان الله عزوجل أخبرنا في كتابه بأن(أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)و(أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)و(أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)و(أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)!! و(مَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا..)!!. ومصادر هذه الآيات على التوالي كالتالي الروم (٣٠) ، المائدة (٥) ، الانعام (٦) ، المؤمنون (٢٣) ، يونس (١٠).
إذن فالأكثرية ليست مقياساً صحيحاً للحق ، ولذلك نجد اكثر الناس كفاراً ، وأكثر المسلمين مقلدين أو جهلة ، وأكثر المقلدين متعصبين ، وهكذا تنتقل الأكثرية المخطئة بارتياح ـ من وسط إلى وسط !! ومن زمن إلى زمن !! وان كانت الأكثرية على حق في أشياء فلابد أن يكون معها باطل في أشياء أخرى ، فلا تخلوا الأكثرية من رفض لحق ، ولا تمسك بباطل ، وواجبنا ان نقلص هذا الباطل ، ونوسع هذا الحق. أما الذي لا يعترف إلاّ بشرعية آراء الأكثرية فهو مخالف لنصوص القرآن الكريم كما ان الذي لا يشعر بتعصب الأكثرية أو ظلمها فقد يكون من الأكثرية نفسها !! فهو كالمسحور الذي لا يشعر بالسحر فلذلك لن يشعر الفرد من الأكثرية باخطائها ولا أمراضها العلمية !!.
ولو نظرتم للتاريخ لوجدتم ان ( الأكثرية ) هي التي حاربت الرسل والمصلحين.
والخلاصة هنا : ان العبرة في النواحي العلمية ليست بالأغلبية ولا بالاقلية ، وانما بالدليل والبرهان. وإذا نظرنا لموضوع القعقاع مثلاً فلا يجوز لمن يحتج بالأكثرية على ( وجود القعقاع ) ويزعم أن ( أكثر ) أصحاب التراجم ذكروه في كتبهم !! ولو شئنا أن نحتج عليهم ب ( الأكثرية ) لقلنا متى تكونت
عندكم هذه الأكثرية ! هل كانت موجودة في القرون الثلاثة الأولى أم تكونت بعد موت سيف بن عمر بقرون !
إذا كان ولا بد من الاحتجاج بالأكثرية ، فهل الأفضل ان نحتج باكثرية ( القرون الفاضلة ) ، أم نحتج باكثرية ( القرون المتاخرة والمعاصرة ) !! هذا على افتراض أن بعض المتقدمين قد ذكر القعقاع ، مع أنه لم يذكره احد منهم بحرف ، سوى سيف بن عمر ! فهذا المثال جاء نموذجا فقط ، وليس مقصودا بذاته لأنه سبق البحث فيه.
ثالثاً ـ الدليل وحده لا يكفي !!
من الخطأ ما كنا نظنه أيام الدراسة !! بان الدليل هو السلاح الأمضى !! وان النصوص ستشفع له في قبول الناس للحق !! كنا نظنه صحيحا في الزمن الماضي !! كنا نظن ان الدليل سيشق طريقه بلا معونة أحد !! لكن ثبت ـ من خلال التجربة ـ أن الادلة والبراهين سواء كانت شرعية أو عقلية لا يتقبلها أكثر الناس إذا تصادمت مع ظنونهم وأحكامهم المسبقة !! مهما كانت وعودهم ( النظرية !! ) بالانصياع والخضوع للأدلة !! فما أن يأتيهم الدليل المخالف لما اعتادوه حتى يتناولوه بالتضعيف أو التأويل أو دعوى المعارضة لادلة أخرى !! وان لم تفلح هذه المعاول ( الهدمية ) ، فيستطيع صاحبها الهجوم على صاحب الدليل ، والطعن في علمه أو تخصصه أو عقيدته أو نيته ... إلخ !!
وهذه ( المعاول ) في هدم الآراء الصحيحة ليست حديثة العهد بل هي أساليب متبعة في محاربة الحق على مر التاريخ !! لذلك فأنا أنصح اخواني الباحثين ـ الشباب منهم خاصة ـ ألاّ يظنوا أن طريق الحقيقة مفروش بالورود مادام أنه
يمتلك الدليل فهذا كلام نظري يحسن بنا أن نحفظه كثقافة فقط !!
لكن عند التطبيق انت بحاجة إلى أشياء كثيرة غير الأدلة والبراهين ولعل من ذلك حاجتك لمعرفة الناس بك !! فإن عرفك أحدهم فقل ما شئت ولو كان باطلاً !! فان لم يعرفك ذلك الشخص فابشر بسيل من الاتهامات والطعون لسبب واحد فقط وهو أنه ( لا يعرفك !! ) ولا تنتظر منه أن يقرأ كلامك أو ينظر في الادلة أو يحاول فهمك !! فهذا شيء ليس من العادة أن يطرق !!
إذن على الباحث عن الحقيقة أن يعلم أن التعصب بامكانه أن يقود العلم للخضوع أمام الجهل !! ، وأنّ اليقين سيخضع للظن أيضاً ، إلاّ إذا وفق الله وفتح من عنده. لكن مع هذا كله يجب ألا نيأس فكم من مستقبل وجد في بعض الماضي ضالته ، وكم من لاحق استفاد من سابق !! وقد يأتي من يبحث عن الحقيقة ويجدها عندك أو عند غيرك.
الخلاصة هنا : أنه يجب ألاّ يظن صاحب الحق أو الباحث عنه أن الطريق ميسر لأدلته ، كلا فهذا كان حلماً جميلاً شوهته حقائق اليقظة وأوجعته دروس التاريخ !!
رابعاً : اصلاح الجليس !!
من واجب المسلم أن يصلح جليسه ، وأن يرد عليه الباطل برفق ويأخذ منه الحق متى وجده. ولو أصلحنا جلساءنا وأصلحونا لحصلنا على الأجر والعلم ، مع ما في هذا ( الاصلاح ) من بحث عن المعرفة ، وتطبيق للحوار ، وتلمس للضوابط والمعايير الصحيحة في اصدار الأحكام على أفكار الآخرين.
فإذا سمعت أحد جلسائك يزعم أن فلاناً من الناس ( سيىء النية ،