د. حسن بن فرحان المالكي
دروس من معركة القعقاع
صحيفة الرياض ـ ١٧ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
كل الحياة مليئة بالدروس والعبر ، ومن محاسن هذه العبر وخصائصها الحسنة انها لا تقتصر على الخير أو الشر ، بل لا يكاد العاقل يرى حدثاً أو يسمع خبراً أو يقرأ فكرة إلاّ وجد في ذلك من الدروس ما يضيفه إلى ما يماثله مما سجله خاطر أو سطره قلم أو سنح به فكر.
وعلى هذا يجب أن نعلم أن الشر لا يخلو من فائدة ولو للعبرة. كما لا يجوز أن نظن أن الخير لن يصاحبه شر ولا أن الحق لن ينازعه باطل ، فهذه من سنن
الله في الحياة مزجها لتتكامل منظومة الحياة ( وبضدها تتميز الأشياء ).
لهذا كله فأنا أرغب ألا تنجلي ( معركة الحوار حول القعقاع بن عمرو ) التي دارت عبر الأسابيع الماضية إلاّ ونسجل منها بعض الفوائد والدروس والعبر ، هذه العبر التي نريد من القارئ ان يتذكرها عندما تتشابه ( المعارك ) !! التي تثير بعض الراكد ، وتيقظ فينا بعض ( الغفوات العلمية ) الطويلة !!
وأنا لا أزعم انني سآتي على جل الفوائد فضلاً عن كلها اضافة إلى ان غيري قد يدرك أشياء اعمق وفوائد أقوى مما أذكره هنا ، لكن هذا تذكير مني لنفسي ولأخواني القرّاء بأن نستفيد من هذه ( المعارك !! ) واعذروني في هذه التسمية فالأفكار تتعارك ، والأدلة تتعارك ، ـ لنعرف منها أصناف الناس من الناحية العلمية ونعرف طريقتهم في عرض الأفكار ، وطريقتهم في اخفاء الحقائق ، ومحاربتها أيضاً !! فالأحداث تتكرر ، والعبر تترى ، والانسان عامد إلى النسيان ، ولم نؤت إلاّ من نسياننا لهذه الدروس والعبر التي تساعدنا في تفسير بعض الماضي وفهم أكثر المستقبل !!
أما الآن فسأحاول أن أسجل ما أراه من أبرز الفوائد والوقفات والنصائح أيضاً !! وهذه موجهة لمن يعشق الحقيقة فقط !! أما الآخرون فلن يستفيدوا مما أقوله في هذا المقال.
ولعل من أبرز الوقفات التي يجب أن يعلمها محبو الحقيقة ما يلي :
أولاً : الحقيقة والوضع السائد
يجب أن نعلم أن هناك فرقا كبيراً بين من يكتب للحقيقة وحدها ومن يكتب لارضاء الناس من الزملاء والأصدقاء والأساتذه والتلاميذ ! أو من
يكتب مراعياً الزمن ، بما فيه من تقليد وتلقين وتعطيل للنصوص والعقول في كثير من الأمور العلمية !! الذي يكتب للحقيقة لا ينظر للزمن أو الوضع السائد وانما يراعي البراهين والأدلة العلمية. أو التي يراها علمية وقد يخطئ أيضاً لكنه واضح الموقف لا يغش ولا يدلس ولا يتلون ، ولا يستغفل القارئ ، ولا يطلي الباطل بطلاء الحق ، ولا ينتظر الثناء من أحد أو عتابه ، كما لا ينتظر موافقة أحد أو معارضته !! لأن همه الحقيقة فقط فهي ضالته يبحث عنها وينشرها بين الناس ويتعب في محاولة ايصالها مفهومة واضحة إلى أكبر عدد ممكن من المتهمين.
هذا الناشد للحقيقة كان بإمكانه أن يكتب ما لا يثير راكداً ، ولا يخالف سائداً ، ولا يجلب ضرراً ، لكنه يرى ان نشر الحقيقة مع ما يصاحبها من أذى ، خير من كتمان العلم ذلك الكتمان الذي يساهم في ( تشكيل ) عقل القارئ ليكون ( إمعة ) إن أحسن الناس القول أحسنه ، وأن ساؤوا القول أساءه. وبالتالي يساهم أيضاً في ( تأسيس الجلهل العلمي !! ) الذي ابتلي به كثير من الناس !! لذلك تجد اللغة لغة أهل العلم والتحقيق !! بينما المضمون كلام أهل الجهل والتلفيق !! فهذه اللغة ( العلمية ) لهذا ( الجهل ) تجعل القارئ يظن أن الجهل علم عظيم !! وبهذه اللغة تسير دفة الجهل فوق اقتاب الحق !! كالجنازة التي تمشي على أربع فتسبق الحي الذي يمشي على رجلين !!
ثانياً : الأكثرية ليست مقياساً !!
يردد بعض الناس ( أكثر الناس على هذا ... ) أو ( أكثر الناس يعارضون هذا الأمر ... ) ومع أن هذا الحكم يحتاج لدراسة إلا انه ليس من معايير الحق ان
تتبناه الأكثرية !! فالكثرة ليست دليلاً على الصحة ، وليس هناك دليل شرعي ولا عقلي على هذا.
بل ان الله عزوجل أخبرنا في كتابه بأن(أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)و(أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)و(أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)و(أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)!! و(مَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا..)!!. ومصادر هذه الآيات على التوالي كالتالي الروم (٣٠) ، المائدة (٥) ، الانعام (٦) ، المؤمنون (٢٣) ، يونس (١٠).
إذن فالأكثرية ليست مقياساً صحيحاً للحق ، ولذلك نجد اكثر الناس كفاراً ، وأكثر المسلمين مقلدين أو جهلة ، وأكثر المقلدين متعصبين ، وهكذا تنتقل الأكثرية المخطئة بارتياح ـ من وسط إلى وسط !! ومن زمن إلى زمن !! وان كانت الأكثرية على حق في أشياء فلابد أن يكون معها باطل في أشياء أخرى ، فلا تخلوا الأكثرية من رفض لحق ، ولا تمسك بباطل ، وواجبنا ان نقلص هذا الباطل ، ونوسع هذا الحق. أما الذي لا يعترف إلاّ بشرعية آراء الأكثرية فهو مخالف لنصوص القرآن الكريم كما ان الذي لا يشعر بتعصب الأكثرية أو ظلمها فقد يكون من الأكثرية نفسها !! فهو كالمسحور الذي لا يشعر بالسحر فلذلك لن يشعر الفرد من الأكثرية باخطائها ولا أمراضها العلمية !!.
ولو نظرتم للتاريخ لوجدتم ان ( الأكثرية ) هي التي حاربت الرسل والمصلحين.
والخلاصة هنا : ان العبرة في النواحي العلمية ليست بالأغلبية ولا بالاقلية ، وانما بالدليل والبرهان. وإذا نظرنا لموضوع القعقاع مثلاً فلا يجوز لمن يحتج بالأكثرية على ( وجود القعقاع ) ويزعم أن ( أكثر ) أصحاب التراجم ذكروه في كتبهم !! ولو شئنا أن نحتج عليهم ب ( الأكثرية ) لقلنا متى تكونت
عندكم هذه الأكثرية ! هل كانت موجودة في القرون الثلاثة الأولى أم تكونت بعد موت سيف بن عمر بقرون !
إذا كان ولا بد من الاحتجاج بالأكثرية ، فهل الأفضل ان نحتج باكثرية ( القرون الفاضلة ) ، أم نحتج باكثرية ( القرون المتاخرة والمعاصرة ) !! هذا على افتراض أن بعض المتقدمين قد ذكر القعقاع ، مع أنه لم يذكره احد منهم بحرف ، سوى سيف بن عمر ! فهذا المثال جاء نموذجا فقط ، وليس مقصودا بذاته لأنه سبق البحث فيه.
ثالثاً ـ الدليل وحده لا يكفي !!
من الخطأ ما كنا نظنه أيام الدراسة !! بان الدليل هو السلاح الأمضى !! وان النصوص ستشفع له في قبول الناس للحق !! كنا نظنه صحيحا في الزمن الماضي !! كنا نظن ان الدليل سيشق طريقه بلا معونة أحد !! لكن ثبت ـ من خلال التجربة ـ أن الادلة والبراهين سواء كانت شرعية أو عقلية لا يتقبلها أكثر الناس إذا تصادمت مع ظنونهم وأحكامهم المسبقة !! مهما كانت وعودهم ( النظرية !! ) بالانصياع والخضوع للأدلة !! فما أن يأتيهم الدليل المخالف لما اعتادوه حتى يتناولوه بالتضعيف أو التأويل أو دعوى المعارضة لادلة أخرى !! وان لم تفلح هذه المعاول ( الهدمية ) ، فيستطيع صاحبها الهجوم على صاحب الدليل ، والطعن في علمه أو تخصصه أو عقيدته أو نيته ... إلخ !!
وهذه ( المعاول ) في هدم الآراء الصحيحة ليست حديثة العهد بل هي أساليب متبعة في محاربة الحق على مر التاريخ !! لذلك فأنا أنصح اخواني الباحثين ـ الشباب منهم خاصة ـ ألاّ يظنوا أن طريق الحقيقة مفروش بالورود مادام أنه
يمتلك الدليل فهذا كلام نظري يحسن بنا أن نحفظه كثقافة فقط !!
لكن عند التطبيق انت بحاجة إلى أشياء كثيرة غير الأدلة والبراهين ولعل من ذلك حاجتك لمعرفة الناس بك !! فإن عرفك أحدهم فقل ما شئت ولو كان باطلاً !! فان لم يعرفك ذلك الشخص فابشر بسيل من الاتهامات والطعون لسبب واحد فقط وهو أنه ( لا يعرفك !! ) ولا تنتظر منه أن يقرأ كلامك أو ينظر في الادلة أو يحاول فهمك !! فهذا شيء ليس من العادة أن يطرق !!
إذن على الباحث عن الحقيقة أن يعلم أن التعصب بامكانه أن يقود العلم للخضوع أمام الجهل !! ، وأنّ اليقين سيخضع للظن أيضاً ، إلاّ إذا وفق الله وفتح من عنده. لكن مع هذا كله يجب ألا نيأس فكم من مستقبل وجد في بعض الماضي ضالته ، وكم من لاحق استفاد من سابق !! وقد يأتي من يبحث عن الحقيقة ويجدها عندك أو عند غيرك.
الخلاصة هنا : أنه يجب ألاّ يظن صاحب الحق أو الباحث عنه أن الطريق ميسر لأدلته ، كلا فهذا كان حلماً جميلاً شوهته حقائق اليقظة وأوجعته دروس التاريخ !!
رابعاً : اصلاح الجليس !!
من واجب المسلم أن يصلح جليسه ، وأن يرد عليه الباطل برفق ويأخذ منه الحق متى وجده. ولو أصلحنا جلساءنا وأصلحونا لحصلنا على الأجر والعلم ، مع ما في هذا ( الاصلاح ) من بحث عن المعرفة ، وتطبيق للحوار ، وتلمس للضوابط والمعايير الصحيحة في اصدار الأحكام على أفكار الآخرين.
فإذا سمعت أحد جلسائك يزعم أن فلاناً من الناس ( سيىء النية ،
جاهل .. الخ ) فالواجب عليك من باب العلم بالشيء ومن باب التحري والتثبت أن تسأله عن أدلته على ما ذكر !
فان قال لك : دليلي الكتاب الفلاني أو المقالات التي ينشرها فلا تستعجل واسأله : هل قرأ تلك الكتب أو تلك المقالات !
فسيجيبك بجواب من ثلاثة : إما ان يقول : لم أقرأها ولكن سمعت الناس !! أو يقول : نعم قرأتها !! أو يقول : قرئت علي نماذج منها !! فإذا قال : انه لم يقرأها فذكره بأن الله عز وجل أمر بالتبين والتثبت وإذا كان بعض الصحابة وهو الوليد بن عقبة قد نقل للرسول صلى الله عليه وسلم خبراً باطلاً مشوهاً حتى نزل في ذلك القرآن الكريم فمن باب أولى ان بعضنا ـ على ضعفنا وأهوائنا ـ قد ينقل أخباراً باطلة وتشويهات متعمدة او غير متعمدة.
فان اقتنع بهذه ( النظريات ) فيمكنك بعد هذا أن تطلب منه أن يطلب من أولئك الناقلين ـ ( تجار الغيبة والنميمة ) ـ أن يزودوه بالأصول التي زعموا ان فيها ( سوء نية وجهلاً وخبثا وابتداعا ..!! ) ثم اطلب منه أن يقرأها بتجرد ، ثم ليحكم بعد ذلك !! وان كانت هناك عبارات لم يفهمها فإنه يستطيع أن يسأل ويبحث عنها فإن استفرغ الجهد والعلم وتجردت نيته للحق فسيؤجر على حكمه ـ ان شاء الله ـ ولو كان مخطئاً.
أما إن أجابك بقوله : نعم أنا قرأت ذلك المقال وذلك الكتاب فوجدت ما يدل على اتهامي له !!
عندئذ اطلب منه وبكثير من الرجاء !! ان يطلعك على ( المواضع ) التي استدل بها على وجود الجهل والخبث و ... الخ ثم تناقش معه في شروط الفهم ومعايير العدل في الحكم إن كان يعرفها !! او اطلب منه أن يقرأ مرة اخرى وثالثة
ليتأكد من أدلته. ثم اسأله ( هل يدين الله بحكمه ذلك أم لا ! ) فإن قال : نعم ـ وقد يقولها عزة بالاثم !! ـ وقد يقولها اجتهاداً وجهلاً. فان كانت الأولى فهو مأزور لا ماجور !! وسيعرف باطله عاجلا أم آجلا ، دنيا أو آخرة. وان قالها اجتهادا وجهلا منه فقد يكون مغفورا له بسبب اجتهاده وقد يكون آثما لانه لم يستفرغ جهده في معرفة ( الأدوات ) المعينة على اصدار الحكم الصحيح المتطابق مع الواقع.
أما الحالة الثالثة ـ وهو أن يقول أن بعض الناس قرأ عليه ( نماذج !! ) فاطلب منه ان يقرأ الكلام كاملاً لأن الذي يختار له ( نماذج مفصولة ) عما قبلها وما بعدها !! قد يكون له خصومة مع الكاتب أو المؤلف !! وقد يكون على رأي مخالف لرأي الكاتب وقد يغش ويخون ويكذب !! فهذه الأمراض موجودة !! إذن اطلب منه القراءة للكلام كله ثم اتبع معه الطريقة التي اتبعها مع الحالة الثانية ، وبهذا تستطيع أن تصلح جليسك ولو كان أفضل منك وأعلم وبهذا تكسب الأجر وتتعلم كيف تصل إلى الحقيقة بعينها كما تستطيع أن تعلم جليسك الشيء نفسه.
خامساً : الناس والقعقاع !!
بعد المعركة ظهر لنا ان الناس في القعقاع على ثلاثة أصناف :
ـ منهم من ينفي وجود القعقاع مطلقاً !! لأن سيفاً معروف باختلاق الشخصيات والمعارك والأحداث !!
ـ ومنهم من يثبت وجوده ودوره كاملاً بكل التضخيمات والتهويلات !!
ـ ومنهم من يتوسط فيرى أن سيف بن عمر بالغ في دور القعقاع بن