نظرة على مراجعات السلف
وقد كان علماء السف الصالح رحمهم الله يرجعون إلى الحق وقد يتعصب بعضهم أيضاً ، لكن يهمنا رؤوس السلف أمثال الشافعي والإمام أحمد ، فالامام أحمد مثلا تجد له في المسألة الواحدة ثلاثة أقوال أو أربعة أو نحو ذلك فما سبب تعدد أقواله أظن القارئ يعرف أن الامام رحمه الله يقول في المسألة بقول بناءً على دليل وصله أو فهم لدليل ثم تبين له دليل أقوى أو عرف أن فهمه السابق غير صحيح أو علم ناسخاً لدليله الصحيح أو مخصصاً لدليله العام أو نحوه هذا ، فلذلك يرجع بسهولة إلى الحق ولا يبالي بكثرة الأتباع الذين قد يوجد فيهم من يمتعض ويستنكر هذا الفعل !! لخوفه على الامام احمد انما يتهمه خصومه بالتناقض أو الجهل !! كما ان الامام احمد رحمه الله لم يكن يبالي بخصومه الذين يتخذون تعدد الاقوال دليلا على تناقض الرجل !! ثم يشككون في علميته !! بينما تعدد الاقوال كان نتيجة لتبين الأدلة القوية وإتباعها وهذا ليس دليلا على العلم فقط بل هو العلم نفسه !! ، وكذلك الشافعي أنتم تعرفون ان له مذهبا قديما ومذهبا جديدا ، ولابد ان يؤثر هذا التحول في بعض أتباعه ويمتعضوا من ذلك ويفرح به بعض خصومه ليس فرحا بالحق !! ولكن نكاية بالشافعي وأصحابة !! ولكن الشافعي كان أعقل وأعلم من أن يجعل دينه عرضة للتعصب على رأي سبق او رفض دليل ظهر.
نظرة إلى الواقع اليوم !!
وكنت أتأمل هذين المثالين وأشباههما واقارن هذا مع أحوال طلبة العلم اليوم فرأيت عجبا !! الإمام احمد لا تكاد تجد له مسألة ليس له فيها أكثر من قول
نتيجة لما ذكرناه سابقا لكن أصغر طالب علم في يومنا هذا لا يمكن أن يرجع إلى الحق ولو وجد الأدلة القوية على بطلان ما ذهب اليه أولا !! وكأنّ العودة إلى الحق عار وجريمة تستحق الهجران والاطراح !!.
فتشوا بانفسكم وحاولوا ان تعدوا طلبة العلم الذين رجعوا إلى الحق في مسالة او أكثر ! كم بلغوا على كثرتهم عشرة !! عشرين !!
خذوا على سبيل المثال : ( أصحاب الرسائل الجامعية ) !! أكثر من ثمانية آلاف رسالة لم نعلم طالبا أعلن رجوعه عن خطا وقع فيه !! ولم نعلم طالبا يتبرأ من تصحيح ادلة ضعفا أو تضعيف أدلة صححها أو قبول آراء مرجوحة ... الخ.
كما أرجو ألا يفهم القارئ من كلامي هذا أن جميع الرسائل الجامعية ضعيفة فهذا لم اقله ولن أستطيع أن أقوله لكن لو أخذنا نموذجاً على تلك الرسائل ولتكن ( الرسائل الجامعية ) المتخصصة في ( التاريخ الإسلامي ) نجد انها على أقسام أيضاً منها القوي والضعيف فهذا الضعيف من الرسائل لن تستطيع إقناع أصحابها بالتخلي عن اخطائها خفية فكيف تقنعهم بنشر هذه الاخطاء والرجوع إلى ضدها عبر وسائل الإعلام ! هذا أصبح يشبه المستحيل.
من المسؤول !
وهذا الإصرار على التشبث بالأخطاء له أسبأب عديدة ومتنوعة ومتداخلة وعميقة ، تتعلق بطريقة تكويننا الثقافي ، والنمط الفكري المتبع ، وفي ظني أن هؤلاء الاخوة الذين لا يرجعون عن أخطائهم ليسوا وحدهم المذنبين ، بل لعل الذنب الأكبر يقع على طريقة التعليم التي اتبعناها !! تلك الطريقة التي لم تعلمنا ولم تحبب إلينا الرجوع عن الباطل !! بل زرعت في أنفسنا ـ بطريقة غير
مباشرة ـ التعصب للأقوال والمواقف ، ولا يجد الطالب خلال دراسته الطويلة درساً يحبب إليه الرجوع إلى الحق ، ولعل الطالب لم يجد كذلك أستاذا يزرع فيه هذه الفضيلة ولن يستطيع الاستاذ أن يزرع الفضيلة إلا إذا طبقها على نفسه !! بمعنى أن الأستاذ إن لم يطبق هذا المبدأ خلال تدريسه للطالب فلن تجد الطالب مقتنعا بالنظرية !!.
اذن فالاخوة الذين لم يؤثر عنهم رجوع عن باطل ، ليسوا وحدهم المسؤلين عن هذا المرض العلمي ، كما أنهم أيضاً محاسبون على تقليدهم الأعمى للنمط الفكري المتبع مع ترك الادلة والبراهين مع علمهم على أن الصواب هو في اتباع الدليل.
ثم إن الواحد منهم لو أراد الرجوع إلى الحق فسيجد صعوبة كبيرة إذا اكتشف خطأه في مسألة أو عرف أنه قد بالغ في أخرى أو وجد زيادة علم وتأتي هذه الصعوبة من جهتين :
أسباب التعصب للأخطاء !!
الجهة الأولى : النفس
فالنفس صعبة الانقياد للحق وتتبع الهوى ، والباحث سيجد نفسه تحبب له المسير في هذا الخطأ وتحذره من عواقب الرجوع إلى الحق وتزين له قبح الباطل بثياب حق زاهية الألوان !! فإن لم يجبر نفسه على اتباع الدليل فلن يجد عندها سيرا نحوه.
الجهة الثانية : الناس
الناس لا يرحمون الراجع إلى الحق سواء كان هؤلاء الناس من
المؤيدين أو المعارضين !! فإذا أعلن عن خطا وقع فيه ثم بين رجوعه إلى الحق تجد ( المؤيدين ) و ( المعارضين ) على حد سواء يعتبرون هذا التراجع بمثابة ( احتراق ) لهذا الرجل وبعضهم يعده ( انتحارا ) لا حياة بعده !!
وكأن الله عزوجل قد خلقنا معصومين لا نخطىء !! نعم الباحث يجد صعوبة في إقناع ( المؤيدين ) برجوعه إلى الحق لأن هؤلاء ( المؤيدين ) من جنس المجتمع الذي لا يشجع الراجع إلى الحق ولا يشكره بل يعتبر رجوعه إلى الحق منقصة وعيبا وجهلا ذريعا !! لأن المجتمع أيضاً لم يتعلم أفراده فضيلة العودة إلى الحق وانما تعلموا الإصرار على الباطل ومواصلة المسير في أودية الجهالة !!
كما ان ( المعارضين ) يفرحون باعتراف خصمهم وفرحهم هذا ليس فرحا بالحق نفسه !! وانما فرح بما يظنونه من سقوط للخصم !! لأنهم مثل ( المؤيدين ) يعتبرون الاعتراف بالخطأ سقوطاً واحتراقاً وانتحاراً و ... الخ !!
لكن الباحث الذي نذر نفسه لهذه الحقيقة لا يهمه امتعاض المؤيدين ولا تشفي المعارضين !! وانما يهمه الحقيقة فقط ولابد ان يجد في سبيلها الفتك والاذى سواء عند اكتشاف الجديد أو الرجوع عن قديم !!
هذه أخطائي !
قد يقول لي بعذ القرّاء أنت تضرب أمثله نظرية جميلة من الرجوع إلى الحق بينما لم نرك يوما ترجع إلى حق ولا تتبرأ من باطل فهل أنت استثناء من هذه القواعد والنظريات التي توصي بها !
أقول : إذا كانت هذه هي وجهة نظر بعض القرّاء فانني أريد تصحيحها أولاً ثم الاعتراف ، ببعض الأخطاء التي وقعت فيها.
أما تصحيحها : فإنني سبق وأن اعترفت ببعض الاخطاء ورجعت عنها وأعلنتها في المقالات نفسها ولو يرجع الأخ القارئ إلى المقالات لوجد بدايات بعضها اعترافات صريحة بالأخطاء التي وقعت فيها في مقالات سابقة بينما الاخوة الذين اختلفت معهم لم يعترف أحد منهم بخطأ إلى الآن !! وقد بلغ عدد الإخوة الذين تحاورت معهم ( منذ بداية كتاباتي قبل نحو سبع سنوات ) أكثر من خمسة وعشرين لم أجد أحداً منهم إلى الآن اعترف بخطأ واحد !! بينما أذكر انني اعترفت بجملة من الأخطاء مع ملاحظة القارئ بانني لا أبرىء نفسي من تاثير النمط الفكري السائد عليّ وعلى المواقف التي اتخذها ، فالنمط السائد قد يؤثر في الشخص من حيث لا يدري فيجد نفسه حاملا التعصب والتحامل وهو يظن انه قد نجا منها !! وهذا كما قلنا سابقا بان طريقة تعليمنا وطريقة تفكيرنا تكرس فينا هذه الأخطاء ولا تعلمنا كيف نتخلص منها !!
ثانيا : ساحاول في هذه الحلقة أن اطبق النظريات السابقة على نفسي فاعترف ببعض الاخطاء التي وقعت فيها ولم يعرفها الاخوة الذين ردوا علي !! بل ذهبوا إلى تخطئة الصواب وتركوا الخطأ ينتظر رداً فلم يجد !! وهذه من الغرائب.
من الأخطاء التي أحب الأعتراف بها هنا ما يلي :
١ ـ المقالات التي كان عنوانها ( كيف يضحك علينا هؤلاء !! ) كان هذا العنوان خاطئا من ثلاث جهات : الاولى : خطأ لغوي فلا تستخدم عبارة ( يضحك عليه .. ) بمعنى الخداع وصواب العبارة لغوياً هو ( كيف يخدعنا هؤلاء !! ).
الثانية : ان هذا العنوان فيه قسوة لا تليق ولو اكتفيت بقولي ( نقد
الدراسات التاريخية ) لكان أفضل.
الثالثة : ان بعض هذه الرسائل التي إنتقدتها في موضوع ( بيعة علي ) كانت جيدة من حيث الجملة حتى وان اصابها بعض القصور في موضوع ( البيعة ) ولعل من تلك الرسائل القوية رسالة الدكتور يحيى اليحيى عن ( ابي مخنف ) وكذلك رسالة الدميجي عن ( الإمامة العظمى ).
٢ ـ ومن الأخطاء أيضاً انني قلت بانني إن وجدت أحداً ترجم للقعقاع بن عمرو غير سيف بن عمر فانا راجع ليس إلى اثبات القعقاع فقط وانما إلى توثيق سيف بن عمر وجعله في مرتبة البخاري !!
أقول : وقولي السابق كان في استحثاث الهمم لكنه قول غير علمي البتة !! فليس من حقي ولا من حق غيري ـ أن أوثق سيف بن عمر على افتراض وجود ترجمة للقعقاع أو خبر من غير طريقه بل ليس من حقي إثبات القعقاع بن عمرو إن أخبر به كذاب غير سيف اللهم إلاّ إذا كان هذا الكذاب قبل سيف بن عمر فلهذا أنا راجع عن قولي السابق وسيف يبقى عندي كذاباً حتى لو وجدنا للقعقاع ترجمة مطولة عن غير طريق سيف !!
٣ ـ أيضاً كنت قد ذكرت ان شخصيات اخرى قد اختلقها سيف بن عمر وسميت منها بعض الأسماء لكن عن غير بحث موسع فهذه أرجىء الحكم عليها للبحث في المستقبل بعكس القعقاع بن عمرو فانا جازم بما قلت عنه خاصة بعد ورود الردود التي لم تزدني ، إلاّ يقيناً به. إذن فقولي إن زياد بن حنظلة التميمي وعاصم بن عمرو التميمي من مختلقات سيف أنا راجع عنه لأبحث الرجلين بحثاً موسعاً مثلما بحثت القعقاع ثم أعطيكم النتيجة فيما بعد ، وكذلك عبد الله بن سبأ هو تحت البحث والدراسة ولا أجزم بنفي وجوده وان كنت أجزم
ببطلان دوره في الفتنة لأنني وجدت الأدلة على الأمر الثاني بعكس الاول فانني لم أبحثه بحثاً موسعاً مقنعاً.
٤ ـ كنت قد ذكرت في الحلقة الماضية أن الناس في القعقاع اليوم ثلاثة أصناف صنف ينفيه مطلقا وصنف يثبته مطلقا بما فيه من تضخيمات سيف وصنف ثالث يراه مضخماً فيه من قبل سيف وان لم ينكر وجوده وذكرت أن الصنف الثالث متقارب مع الأول والصواب ان هذا القسم ( الثالث ) وسط بين الحالتين يقترب ويبتعد حسب المساحة التي تكون لسيف بن عمر عنده. فهناك من ينكر ٩٠ % من التضخيمات وهناك من ينكر ١٠ % فقط فالاول قريب من الأول والثاني قريب من الثاني.
٥ ـ ذكر لي بعض الاخوة أن قولي بان القعقاع شخصية مختلقة ثم احتمالي الضعيف بانه ربما يكون رجلا عاديا ضخمه سيف ان هذا تناقض أو شبيه بالتناقض !! وطالبني بتبني الوجود أو النفي وبعد رجوعي إلى تراجمه وروايات سيف عنه رأيت ، نفي وجوده بالكلية دون أدنى احتمال.
لأن النسبة القليلة من الاحتمال لو ( حشرناها ) في مثل هذه المسائل العلمية لقيدت كثيرا من الأمور واكثر هذه الاحتمالات الضعيفة ( وساوس ) لا أساس لها ، وهذه الاحتمالات تدخل مع تصحيح الأحاديث وتضعيفها. فكل حديث صحيح قد تدخل في النفس احتمالات ضعفه وكل حديث موضوع قد يدخل في النفس احتمال صحته وبهذا لا نستطيع التمسك بالمنهج ويسبب لنا ( ازدواجية ) في التطبيق فلذلك أنا أجزم باختلاق سيف بن عمر للقعقاع دون النظر في ( وساس ) الاحتمالات واشكر الأخ الأستاذ عبدالله القفاري على هذه الملحوظة.
٦ ـ ذكر لي فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن عمر آل الشيخ انني اخطات في ( تحميل أصحاب الرسائل الجامعية ) تلك الاخطاء التي نشرتها وقال إن الخطأ الأكبر على المشرفين والمناقشين والأقسام التي أجازت هذه الرسالة وأعطت الامتيازات !!
مع أن تلك الرسائل فيها القوي كما أشرنا سابقا.
وأنا معترف للشيخ عبد اللطيف بان النقد كان أكثره منصبا على الطلاب مع أن المقالات التي نشرتها لم تسكت عن الأقسام والمشرفين والمناقشين لكن ـ كما ذكر الشيخ ـ بان الخطا الأكبر ليس على الطالب وانما على المشرف والمناقشين ولعل فضيلة الشيخ عبد اللطيف يشارك في نقد الطريقة أو ( الآلية ) التي تسير عليها الاقسام والجهات المتخصصة تلك الآلية التي تسبب في وجود مثل هذا الضعف في الرسائل الجامعية.
وقد ذكر لي الدكتور عدنان الشريف ـ استاذ تاريخ بجامعة أم القرى ـ قريبا من هذا فذكر أن الطالب يجبر ـ أحيانا ـ على موضوع معين لا يتفق مع اهتماماته العلمية !! فلذلك تجد الرسالة لا تعبر عن الطالب بقدر ما تعبر عن القسم الذي أجبره على اختيار موضوعها.
وكنت أرجو من الطلاب أن ينشروا تجاربهم مع الأقسام وينتقدوا هذه ( الآليات ) التي لا نعرف عنها الا القليل وكلامي هنا منصب على ( الرسائل التاريخية ) وقد تكون للرسائل الاخرى متاعب مشابهة.
وأخيراً : هذه أبرز الاخطاء التي وقعت فيها وقد اكتشف اخطاء أخرى بنفسي عن طريق بعض الاخوة بل انني أكتب المقال اليوم وأظنه خاليا من الاخطاء ثم اقرؤه غداً وأكتشف بعضها وهذه سمة غالبة على كل الأعمال العلمية