للسان العرب وصدقه وعلو اسناده ، مات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة (١٣).
والغطافي لم أعثر له على ترجمة ، ولعل الاسم تصحف في الأصول المخطوطة فحال دون ضبطه ومعرفته بدقة.
ثالثاً ـ سيف بن عمر مشجب !!
لقد كان سيف بن عمر التميمي ـ يرحمه الله ـ مشجباً ، علق عليه السابقون واللاحقون مسألة انكار ابن سبأ ، بل زاد بعضهم ، وحمله اختلاق عدد من الصحابة ، ليس ( القعقاع بن عمرو رضي الله عنه ) إلاّ واحداً من هؤلاء ، فقد ألف ( السيد مرتضى العسكري ) ـ وهو رافضي المذهب والهوى ـ كتابا بعنوان ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) والكتاب مؤلف قبل ما يزيد على ( عقدين ) من الزمن ! ويعتمد مؤلفه اتهام ( سيف ) باختلاق هذه الشخصيات احداثها ، ليس في هذا الكتاب فحسب ، بل وفي كتابين قبله احدهما بعنوان ( عبدالله بن سبأ بحث حول ما كتبه المؤرخون والمستشرقون ابتداء من القرن الثاني الهجري ، ط النجف ١٣٧٥ ه / ١٩٦٥ م ).
والآخر بعنوان : ( عبدالله بن سبأ واساطير اخرى ، ط دار الغدير ، بيروت ، طهران ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م ) ثم جاء الأخ ( حسن المالكي ) يجدد ما اندثر من هذه الافكار ، ولا يخرج عن اطارها ويحمل حملة شعواء ظالمة على سيف بن عمر ، وهذه شواهدها وما يناقضها.
أ ـ يقول المالكي : « ورغم أن الطبري لم يورد في تاريخه أقوالاً في الجرح والتعديل ( إلاّ في النار ، ولم يجرح الضعفاء الذين يروي عنهم إلاّ أنه صرح بضعف سيف بن عمر ، فذكر مخالفة سيف للاجماع في أكثر من موضع ، مع أن
الطبري لم يذكر هذا عن رواة اخر من ضعفاء كأبي مخنف ، والواقدي ، فيعد الطبري من مضعفي سيف بن عمر » ( ص ٥٣ نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ).
فهل يصح هذا القول ؟
أولاً : لم يبين لنا ( المالكي ) مواطن تضعيف الطبري سيف حتى نشاركه الحكم أو عدمه.
ثانياً : ليس صحيحاً أن الطبري لم يصرح بضعف ( أبي مخنف ) بل تجاوز بعض مروياته ولم يستسغها وقال « فذكر ـ أبو مخنف ـ مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعة العامة » ( تاريخ الطبري ٤ / ٥٥٧ ).
ثالثاً : وليس صحيحاً كذلك أن الطبري لم يصرح بضعف ( الواقدي ) بل قال عنه ما نصه : « وأما الواقدي فانه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خشب امورا كثيرة ، منها ما تقدم ذكره ، ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته » ( تاريخ الطبري ٤ / ٣٥٦ ).
فهل فاتت هذه النصوص على ( المالكي ) وهو الذي ذكر أنه قرأ المجلدين الثالث والرابع لتاريخ الطبري ( ص ٤٥ ) أم تناساها ، أم يفهمها بغير فهمنا إياها ؟
ب ـ وحين يقرن ( المالكي ) بين ( سيف ) و ( أبي مخنف ) يقول عن الأول الوضاع المتهم بالزندقة ! ويكتفي بالقول عن ( أبي مخنف ) الشيعي ( ص ٣٣ ).
ج ـ يطلق ( المالكي ) عبارات مرجفة يستبعد فيها توثيق ( سيف ) ولو بحث الباحثون عشرات السنين ، فإذا أحس أن عبارة ، ( ابن حجر ) رحمه الله في سيف ( عمدة في التاريخ ) ستحرجه خرجها تخريجاً يتفق وهواه وفهمه ( وسيأتي البيان ).
أما عبارة ( الذهبي ) في سيف ( كان اخبارياً عارفاً ) فهي تزيد من حمالته ،
ولذا تراه احياناً يتغافلها ، واحياناً أخرى يفسرها كما فسر عبارة ابن حجر ، وبكل حال فهو يعتبر هاتين التزكيتين من هذين العلمين في الجرح والتعديل ( متوهمة وليست صريحة ) ( انظر ص ٥٥ ، ٦٠ ، ٨٤ ).
د ـ يجزم ( المالكي ) بالقول : ويعد الحافظ ( ابن حجر ) المتساهل الوحيد في الإكثار من روايات سيف مع حكمه عليه بالضعف ( ص ٥٥ ) ( وسأُبين ما يناقض ).
ه ـ ويتهم ( المالكي ) ( سيفاً باختلاق الرواة ، بل واختلاق الشخصيات الكبيرة المشهورة ، على الرغم من اعترافه بصحة سند بعض المرويات التي رواها سيف ( ص ٦٢ ، ٦٣ ).
و ـ وتضل تهم ( المالكي ) تلاحق ( سيفاً ) دون أن يجد له فيها عذراً ، أما الرواة الآخرون فإن وجد رواياتهم ( مجهولون ) فهي قلة نادرة بينما الجهالة في أسانيد سيف سمة ظاهرة ( ص ٦٨ ) وسيتضح لك بعد الفرق بين ( سيف ) و ( أبي مخنف ) على سبيل المثال في الرواية عن المجهولين.
ز ـ وأعظم من ذلك أن يوهم ( المالكي ) قارىء كتابه أن مرويات ( أبي مخنف ) تسير في اطار الروايات ـ الصحيحة التي تخالفها روايات سيف ( ص ٦٩ ).
ح ـ ويتناقض ( المالكي ) حين يعقد ل ( سيف ) عنواناً : ( طعنة في كبار الصحابة والتابعين ) ( ص ٧٠ ) ثم تراه يعترف بدفاعه عن الصحابة ، وان كان يسوقها مساقاً خاصاً ، فأهل الحديث لم يغتروا به ، لعلمهم انها كذب ( ص ٧٣ ) أهكذا تكون المنهجية أم بهذا التلاعب ينقذ التاريخ الاسلامي !
ط ـ وأخيراً ف ( المالكي ) في حلقته الثالثة عن ( القعقاع بن عمرو حقيقة
أم اسطورة ) المنشورة في جريدة الرياض ، يفصح عما في نفسه صراحه حين يفضل ( أبا مخنف ) على ( سيف ) ويقول صراحة وهو يتحدث عن ( أبي مخنف والمسعودي ) : « لكن هؤلاء كلهم فوق سيف بن عمر ! ».
فهل الأمر كما صوره المالكي.
تعالوا بنا لنوازن بين الرجلين ( سيف ) و ( أبي مخنف ) ونقرأ بتمعن كلام علماء الجرح والتعديل ، وننظر ما قاله المؤرخون المعتمدون في ( الأخباريين ) وبين هذا وذاك نقف على تعليلات ( المالكي ) وتوهيمه ( للعلماء ) حين يخالفون مساره في ( سيف ).
١ ـ سيف بن عمر
لا يستطيع منصف أن ينكر المنسوب إلى سيف عند علماء الجرح والتعديل ، ولكن من الانصاف لسيف ـ كرواية في التاريخ ـ أن يقال :
أ ـ تهمة الزندقة التي اتهم بها دافع عنه « ابن حجر » حين قال : « أفحش ابن حبان القول فيه » ( تقريب التهذيب ١ / ٣٤٤ ) ومن الأمانة العلمية أن تذكر هذه المدافهة بازاء التهمة !! ولم أر ( المالكي ) توقف عندها !
ب ـ فرق العلماء قديماً وحديثاً بين الشروط المطلوبة لراو يروي في الحلال والحرام ، وآخر يروي في الأخبار والسير وفضائل الأعمال ، وقال الخطيب البغدادي « باب التشدد في أحاديث الأحكام والتجوز في فضائل الأعمال » ثم روى بسنده إلى الإمام احمد بن حنبل ـ يرحمه الله ـ ان قال : إذا روينا عن رسول الله! في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد ، وإذا روينا عن النبي (ص) في فضال الاعمال وما لا يضع حكماً
ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد ( الكفاية في علم الرواية ص ٢١٢ ـ ٢٢٣ ).
وتحدث المعاصرون عن ضرورة المرونة في تطبيق قواعد المحدثين في نطاق التاريخ الإسلامي ( د. أكرم العمري السيرة النبوية الصحيحة ١ / ٤٥ ).
ومعرفة شروط المؤرخ المقبول ( د. محمد بن صامل السلمي : منهج كتابة التاريخ الاسلامي ص ٢٤٥ ـ ٢٤٧ ).
ج ـ ومع الاجماع على ضعف ( سيف ) في ( الحديث ) ، فهو محل تزكية في ( التاريخ ) فالذهبي رحمه الله قال عنه : « كان اخباريا عارفا » ( ميزان الاعتدال ٢ / ٢٥٥ ).
وقال فيه ابن حجر رحمه الله « عمدة في التاريخ » ( تقريب التهذيب ١ / ٣٤٤ ).
وهذه الفاظ صريحة ، وان ظن المالكي انها موهمة ، كما صنع في محاولته المستميتة دفع هذه العبارات المهمة من هذين العلمين العالمين ، كما استمات في تفسير كثرة الرواية عنه عند ابن حجر خاصة ، وجازت بالقول : ويعد الحافظ ( ابن حجر ) المتساهل الوحيد في الاكثار من روايات سيف مع حكمه عليه بالضعف ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ص ٥٥ ، ٦٠ ).
وفات على الاخ « حسن المالكي » ان الامام الذهبي اعتمده أحد المصادر المهمة في كتابة « تاريخ الإسلام » حين قال « وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنفاتي كثيرة ، ومادته من دلائل النبوة للبيهقي ، وسيرة النبي لابن اسحق ، والفتوح لسيف بن عمر » ( تاريخ الاسلام ١ / ١٤ ، ١٥ ).
وعني بكتابه ( الفتوح ) واعتمد عليه ، غيره في مادة الفتوح كما ذكر ذلك الدكتور بشار عواد ( الذهبي ومنهجه في كتابة تاريخ الاسلام ص ٤١٨ ).
كما فات على « المالكي » ان ابن كثير يرحمه الله أكثر من الرواية عنه ، واعتمد عليه وزكاه في مرويات الفتنة بالذات ، ووصفه بأنه من « أئمة هذا الشأن » ودونكم هذه الكلمات المنصفة ل « سيف » وأمثاله ، والكاشفة لرواة آخرين ، أنقلها بحروفها كما سطرها ابن كثير بقوله :
« هذا مخلص ما ذكره أبو جعفر بن جرير رحمه الله عن أئمة هذا الشأن ، وليس فيما ذكره أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم من الأحاديث المختلفة على الصحابة ، والأخبار الموضوعة التي ينقلونها بما فيها ، وإذا دعوا إلى الحق الواضح أعرضوا عنه وقالوا : لنا أخبارنا ولكم أخباركم ، فنحن حينئذ نقول لهم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين » ( البداية والنهاية ٧ / ٢٦٩ ).
ولئن كان « ابن كثير » لم ينص على « سيف » أو غيره ، فظاهر لمن تأمل كثرة نقله عنه وعن شيوخه أنه يقصدهم ، فإن قيل انه أكثر النقل عن « أبي مخنف » فقد أخرجه من الدائرة حين قال عن أهل الاهواء من الشيعة ما قال وعلى كل حال فقد جزم الدكتور آمحزون في كتابه القيم : ( تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ) بسيف وشيوخه تفسيراً لنص ابن كثير الآنف ( د. محمد آل محزون تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ١ / ١٣٢ ).
وباختصار ، فالامام الطبري ، والحافظ ابن كثير ، والحافظ الذهبي ، والحافظ ابن حجر ـ رحمهم الله وغيرهم كثير ، أكثروا الرواية عن سيف بن عمر التميمي يرحمه الله ، وهم ، وكتبهم من أعدل ، وأهم مدوناتنا التاريخية ، ومن رام التشكيك فيها بعبارة ( صريحة ) أو ( ملفوفة ) فلا بد أن يتبين أمره ، وسيتحمل وزره ، وفرق كبير بين ( تحقيق ) المرويات ، و ( نسف ) المسلمات !
د ـ وإذا دافع العلماء المتقدمون عن تهمة ( الزندقة ) الموجهة لسيف بن
عمر ـ كما سلف ـ والمتأمل في مروياته ودفاعه عن الصحابة يدرك قيمة هذه المدافعة ـ فقد دافع المعاصرون عن تهمة ( التعصب ) القبلي من ( سيف ) لقبيلته بني تميم أمثال جواد علي ـ وهو يرد على ( بروكلمان ) هذه التهمة وقال د. آل محزون : والواقع ان تعصب ( سيف ) المزعوم لقبيلته ترده أحوال بني تميم وموافقتهم من الفتنة ، فمن معروف انهم ممن اعتزل الفتنة مع سيدهم الأحنف بن قيس يوم الجمل .. ( انظر : جواد علي موارد تاريخ الطبري ، مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد الثالث ١٣٧٤ ه / ١٩٤٥ م ص ٤٩ ، وانظر د. آل محزون تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ١ / ٢٣٦ ).
ثقات يحدثون عن سيف قبل الطبري :
وقبل ( الطبري ) روى عن سيف وحدث : عنه ( المحاربي ) ، كما نقل ذلك يحيى بن معين في التاريخ ٣ / ٤٦٠ حين قال : سيف بن عمر يحدث عنه المحاربي ، وهو ضعيف ونقل ذلك العقيلي في الضعفاء الكبير ٢ / ١٧٥ ويبدو ان ( المحاربي ) تصحفت إلى ( البخاري ).
فمن يكون المحاربي هذا الذي حدث عن سيف.
هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي أبو محمد الكوفي ( ت ١٩٥ ه ) روى عنه الامام احمد بن حنبل وغيره وأخرج له الستة في كتبهم ( تهذيب التهذيب ٦ / ٢٦٥ ) ووثقه يحيى بن معين كما في التاريخ ٢ / ٣٥٧ ) كما وثقه النسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن حجر : كان ثقة كثير الغلط ( تهذيب التهذيب ٦ / ٢٦٥ ، ٢٦٦ ).
وقال عنه الذهبي : ثقة صاحب حديث ( الميزان ٢ / ٥٨٥ ).
وإذا ثبت حديث هذا الثقة ( المحاربي ) والمتقدم على ( الطبري ) بما يزيد على ( قرن ) من الزمن ، فهل تصبح ( دعوى ) المالكي حين يقول :
إنّ الطبري أول من أشهر روايات سيف بن عمر وكانت روايات سيف قبل ذلك خاملة جداً فاحتاجها الناس بعد الطبري للرد على الشيعة ( ص ٧٧ نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ). أو ليست تلك ( مجازفة يا أخ حسن ، وأثبت الواقع لك خلافها ولو رجعت إلى كتب الطبقات والتراجم لوجدت غيرها ، أفتراك تعدل عن رأيك ذلك الظن بك ، أم تراك ( تترفق ) في احكامك ذلك ما نرغبه لك.
رابعاً : رواة آخرون في الميزان
وهنا يرد سؤال مهم : هل الذين حاولوا اسقاط سيف واتهموه اعتمدوا من هو أصح منه سنداً وأسلم معتقداً ؟ أم ان الميزان النقدي عندهم يختل إذا تجاوزوا حدود ( سيف بن عمر ) ؟
سنرى ذلك في راو فضله ( المالكي ) على ( سيف ) وأوهم بمسير مروياته مع الروايات الصحيحة !.
٢ ـ أبو مخنف ( لوط بن يحيى ) ت ١٥٧ ه
لقد أجمع نقاد الحديث على تضعيف ( أبي مخنف ) وتركه ، ليس في الحديث فقط بل وفي التاريخ وأخبار السلف.
قال أبو حاتم : أبو مخنف متروك الحديث ( الجرح والتعديل ٧ / ١٨٢ ) وقال أبو عبد الله الأجري : سألت أبا حاتم عنه فنفض يده وقال : أحد يسأل عن هذا ( لسان الميزان ٤ / ٤٩٢ ) وقال ابن معين : ليس بشيء ( تاريخ يحيى بن