عمر ـ كما سلف ـ والمتأمل في مروياته ودفاعه عن الصحابة يدرك قيمة هذه المدافعة ـ فقد دافع المعاصرون عن تهمة ( التعصب ) القبلي من ( سيف ) لقبيلته بني تميم أمثال جواد علي ـ وهو يرد على ( بروكلمان ) هذه التهمة وقال د. آل محزون : والواقع ان تعصب ( سيف ) المزعوم لقبيلته ترده أحوال بني تميم وموافقتهم من الفتنة ، فمن معروف انهم ممن اعتزل الفتنة مع سيدهم الأحنف بن قيس يوم الجمل .. ( انظر : جواد علي موارد تاريخ الطبري ، مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد الثالث ١٣٧٤ ه / ١٩٤٥ م ص ٤٩ ، وانظر د. آل محزون تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ١ / ٢٣٦ ).
ثقات يحدثون عن سيف قبل الطبري :
وقبل ( الطبري ) روى عن سيف وحدث : عنه ( المحاربي ) ، كما نقل ذلك يحيى بن معين في التاريخ ٣ / ٤٦٠ حين قال : سيف بن عمر يحدث عنه المحاربي ، وهو ضعيف ونقل ذلك العقيلي في الضعفاء الكبير ٢ / ١٧٥ ويبدو ان ( المحاربي ) تصحفت إلى ( البخاري ).
فمن يكون المحاربي هذا الذي حدث عن سيف.
هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي أبو محمد الكوفي ( ت ١٩٥ ه ) روى عنه الامام احمد بن حنبل وغيره وأخرج له الستة في كتبهم ( تهذيب التهذيب ٦ / ٢٦٥ ) ووثقه يحيى بن معين كما في التاريخ ٢ / ٣٥٧ ) كما وثقه النسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن حجر : كان ثقة كثير الغلط ( تهذيب التهذيب ٦ / ٢٦٥ ، ٢٦٦ ).
وقال عنه الذهبي : ثقة صاحب حديث ( الميزان ٢ / ٥٨٥ ).
وإذا ثبت حديث هذا الثقة ( المحاربي ) والمتقدم على ( الطبري ) بما يزيد على ( قرن ) من الزمن ، فهل تصبح ( دعوى ) المالكي حين يقول :
إنّ الطبري أول من أشهر روايات سيف بن عمر وكانت روايات سيف قبل ذلك خاملة جداً فاحتاجها الناس بعد الطبري للرد على الشيعة ( ص ٧٧ نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ). أو ليست تلك ( مجازفة يا أخ حسن ، وأثبت الواقع لك خلافها ولو رجعت إلى كتب الطبقات والتراجم لوجدت غيرها ، أفتراك تعدل عن رأيك ذلك الظن بك ، أم تراك ( تترفق ) في احكامك ذلك ما نرغبه لك.
رابعاً : رواة آخرون في الميزان
وهنا يرد سؤال مهم : هل الذين حاولوا اسقاط سيف واتهموه اعتمدوا من هو أصح منه سنداً وأسلم معتقداً ؟ أم ان الميزان النقدي عندهم يختل إذا تجاوزوا حدود ( سيف بن عمر ) ؟
سنرى ذلك في راو فضله ( المالكي ) على ( سيف ) وأوهم بمسير مروياته مع الروايات الصحيحة !.
٢ ـ أبو مخنف ( لوط بن يحيى ) ت ١٥٧ ه
لقد أجمع نقاد الحديث على تضعيف ( أبي مخنف ) وتركه ، ليس في الحديث فقط بل وفي التاريخ وأخبار السلف.
قال أبو حاتم : أبو مخنف متروك الحديث ( الجرح والتعديل ٧ / ١٨٢ ) وقال أبو عبد الله الأجري : سألت أبا حاتم عنه فنفض يده وقال : أحد يسأل عن هذا ( لسان الميزان ٤ / ٤٩٢ ) وقال ابن معين : ليس بشيء ( تاريخ يحيى بن
معين ٢ / ٥٠٠ ) وعلق ابن عدي على عبارة يحيى هذه بقوله : وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه الأئمة .. ( الكامل في ضعفاء الرجال ٦ / ٢١١٠ ).
بل وزاد ابن عدي حين قال عن أبي مخنف : ( حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ولا يبعد منه أن يتناولهم ، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم ، وإنما وصفته للاستغناء عن ذكر حديثه إلى أن قال : وله من الأخبار المكررة الذي لا استحب ذكره ( الكامل ٦ / ٢١١٠ ) وقال عنه الذهبي : « اخباري تالف لا يوثق به » ( ميزان الاعتدال ، ٣ / ٢٩٩٢ ) والمظنون بالذهبي انه يفرق بين كلمة ( اخباري عارف ) لسيف بن عمر ، و « اخباري تالف » لأبي مخنف ، بل يفرق بينهما كل من أنصف من نفسه وأنصف الآخرين ! وبمثل قول الذهبي قال ابن حجر عن أبي مخنف : « اخباري تالف لا يوثق به .. » ( لسان الميزان ٤ / ٢٩٢ ).
ولا أشك ولا أخال منصفا لابن حجر يشك انه يفرق بين هذه العبارات لأبي مخنف وقوله في سيف ( عمدة في التاريخ ) وان العبارتين كلتيهما صريحتان في الرجلين كل بحسبه ، « وإذا قلتم فاعدلوا » ( الأنعام / ١٥٢ ).
أما رواية أبي مخنف عن المجهولين فقد ذكر ذلك الذهبي ( سير أعلام النبلاء ٧ / ٣٠١ ) والكتبي ( فوات الوفيات ٣ / ٢٢٥ ) ونسبه « ابن تيمة » للكذب ( منهاج السنة ١ / ١٦ ) ، وعلى الرغم من الضعف المنسوب للواقدي فقد قال ابن تيمية وهو يتحدث عن الرواة أمثال أبي مخنف وهشام الكلبي ، واسحق بن بشر وأمثالهم من الكذابين. « بل الواقدي ، خير من ملء الأرض مثل هؤلاء. وقد علم ما قيل فيه ... » ( الرد على البكري من ١٧ ـ ١٨).
أما الطامة الكبرى فوق ما تقدم ، فهو سب ( أبي مخنف ) للصحابة رضوان
الله عليهم ، وروايته الموضوعات عن الثقات ، وفي هذا يقول ابن حبان : « رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات » وقال السليماني : « كان يضع للروافض » ( لسان الميزان ٤ / ٣٦٦ ).
تُرى هل فاتت هذه المعلومات على المالكي وهو يفضله على سيف ، فتلك مصيبة أن يذهب من عمره ( أربع سنوات ) في دراسة هذه الموضوعات ثم تند عنه هذه المعلومات أم أن لديه علما بها واطلاعاً عليها ، ولكنه ـ لحاجة في نفسه ـ أخفاها فالمصيبة أعظم وهل هذا ( منهج يعلمنا كيف نصل الى الحقيقة ) كما ينشده المالكي ( ص ١١ ).
لا أظن قارئاً يوافق على أن هذا ( النهج ) هو ذلك ( المنهج ) المنشود !!.
وبكل حال فارجو أن يملك ( المالكي ) من الشجاعة ما يعلن به ( قبوله ) للحق ويعيد نظرته إلى ( سيف ) و ( ابي مخنف ) وفق هذه النصوص الصريحة ، والآراء الواضحة التي لا تحتمل التأويل ، وليس فيها ( إيهام ) ولا غموض !.
وللمزيد أقول ان المؤرخين المعتبرين أمثال ( ابن كثير ) يرحمه الله ، لم يفت عليه ما في مرويات ( أبي مخنف ) من تزيد ، وسب للصحابة حين قال وهو يعلق على رواية فيها ( أبو مخنف ) والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ، ومستقيمها وسقيمها ، وميادها وقويمها ، والله الموفق للصواب.
( البداية والنهاية ٧ / ١٦١ )
الهوامش
(*) قال السخاوي معناه أن حديثه وسط لا ينتهي إلى درجة السقوط ولا الجلالة وهو نوع مدح ، وقال ابن رشيد : أي ليس حديثه بشاذ ولا منكر (انظر شرح الألفية ص ١٥٨ ، ١٦٣).
(١) سير أعلام النبلاء ١٩ / ٢٤١.
(٢) الأنساب للسمعاني ٣ / ٣١٨. سير اعلام النبلاء ٢٠ / ٢٤٨.
(٣) تاريخ بغداد ٧ / ٢٧٩ ، سير اعلام النبلاء ١٧ / ٤١٥ ، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٧٥.
(٤) تاريخ بغداد ٢ / ١٤٧ ، الانساب للسمعاني ١ / ١٠١.
(٥) الجرح والتعديل ٢ / ٧٥ ، تاريخ بغداد ٥ / ١٤١.
(٦) التهذيب ١ / ٥٠ ، التقريب ١ / ١٩.
(٧) التقريب ١ / ٣٤٢.
(٨) التقريب ٢ / ٢٧٠.
(٩) تهذيب التهذيب ٤ / ٢٣٢ ، ٢٣٣ ، تقريب التهذيب ١ / ٣٣٢.
(١٠) سير أعلام النبلاء ١٩ / ٤٢٣ ، الوافي بالوفيات ٣ / ١٦٩.
(١١) تاريخ بغداد ١٠ / ٣٨٧ ، ٣٨٨ ، الانساب للسمعاني ٣ / ٨٤ ، ٨٥.
(١٢) تاريخ بغداد ١٠ / ٣٨٠ ، شذرات الذهب ٣ / ١٨١.
(١٣) تاريخ بغداد ٢ / ٣٥٦ ، سير أعلام النبلاء ١٥ / ٥٠٨.
د. سليمان بن حمد العودة
الانقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي (٤ / ٤)
صحيفة الرياض ـ ٣٠ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
خامساً ـ ملحوظات أخرى في الكتاب
وفوق ما سبق عرضه من آراء وملحوظات ، وتحقيق ، فثمة ملحوظات أخرى أسجل ما ( تيسر ) منها ، وفي جزء يسير من الكتاب :
أ ـ يحذر المالكي من كتابات من يحملون هم ( التاريخ الإسلامي ) ويعتبرها أخطر من كتابات ( المستغربين ) و ( أهل الاهواء ) لان هذه الأخيرة ـ كما يقول لا تخفى على القارئ اللبيب! ثم يضيف المالكي ( في الهامش ) قوله :
الغريب انني وجدت في كتب ( طه حسين ) من ( الانصاف ) أكثر مما وجدته في كتب بعض من يدعون انهم يحملون هم ( التاريخ الاسلامي ). ( ص ٣٦ من الانفاذ ).
وأنا هنا أتساءل لماذا طه حسين بالذات ! ألأنه ( شكك ) في التاريخ الاسلامي و ( أنكر ) ما لم ينكره غيره ، وكتاباته في ( السيرة ) و ( تاريخ الخلفاء ) وغيرها لا تخفى وهل يعلم ( المالكي ) تشكيك طه حسين ( المنصف في نظره ) في تاريخ الشيخين ( أبي بكر وعمر ) رضي الله عنهما حين يقول :
« وأنا بعد ذلك أشك أعظم الشك فيما روي عن هذه الأحداث ، وأكاد اقطع بان ما كتب القدماء من تاريخ هذين الامامين العظيمين ، ومن تاريخ العصر القصير الذي وليا فيه أمور المسلمين أشبه ب ( القصص ) منه بتسجيل ( حقائق ) الأحداث التي كانت في ايامها .. » !
هذا ما سطره ( طه حسين ) في مقدمة كتاب ( الشيخان ) فهل يروق ذلك للمالكي ؟
أم تراه يروق له قوله عن معاوية رضي الله عنه :
« وقد ضاق معاوية برجل عظيم الخطر من أصحاب النبي (ص) هو أبوذر ولم يستطع أن ( يبطش به لمكانه من رضى رسول الله (ص) ، وإيثاره إيّاه لسابقته في الاسلام ، ولم يستطع أن يفتنه عن دينه بالمال » ( الفتنه الكبرى ٢ / ٥٧ ).
وأين الأنصاف عند ( طه حسين ) وهو يقول عن ( عمرو بن العاص ) رضي الله عنه :
« كان يكره بيعة علي لأنه لا ينتظر من هذه البيعة منفعة أو ولاية أو
مشاركة في الحكم ، ولهذا انضم إلى معاوية ، وكان ابنه عبدالله يرى أن أباه قد باع دينه بثمن قليل .. » !!
أم يرى المالكي ( انصاف ) طه حسين في شدته على بني امية سواء من الصحابة أو من التابعين وماذا هو قائل عن منهجه في أحداث الفتنة حين يقول :
« وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خاصة مجردة ، لا تصدر عن عاطفة ولا هوى ، ولا تتأثر الايمان ولا بالدين ، وإنما هي نظرة المؤرخ الذي يجرد نفسه تجريداً كاملاً من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها » ( الفتنة الكبرى ١ / ٥ ).
أم يراه منصفاً حين يقول عن عبدالله بن سبأ :
« إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء .. إنما كان متكلفاً منحولاً ، قد اخترع بآخرة .. أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم .. » ( الفتنة الكبرى ٢ / ٩٠ ـ ٩١ ).
اللهم إنّا نبرأ اليك من هذا الهراء ، وإن اعتبر المالكي ( صاحبه ) منصفاً ! ولا يتسع المقام لأكثر من هذا وإذا تسللت مثل هذه الأفكار ( لطه حسين ) واعتبر بها أو بمثلها ( أكثر انصافا ) من المؤرخين الاسلاميين عند طبقة ( المنقذين !!) بطلت الدعوى بعدم تاثيرها في ( المنقذين ) ولله في خلقه شؤون !!
٢ ـ يقلل ( المالكي ) من كتاب ( العواصم من القواصم ) لابن العربي من وراء وراء ، فهو يبدأ بالتشهير بتعليقات ( محب الدين الخطيب ) على الكتاب ، وبقول : إن الجهلة من المؤرخين قلدوها وأصبحوا بها يعارضون الأحاديث الصحيحة والروايات الثابتة ! ( ص ٣٥ ).
ثم لا يتمالك نفسه حتى يصل إلى ( ابن العربي ) نفسه ، وكتابه ، الذي يعده