این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
د. محمد بن عبد الله العزام
عن القعقاع وسيف بن عمر (١ / ٣)
صحيفة الرياض ـ ١ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
مدخل :
(١) لا يزال الأخ الأستاذ حسن بن فرحان المالكي يواصل مفاجآته ، وآخرها سلسلة مقالات ( القعقاع بن عمرو التميمي حقيقة أم أسطورة ). وقد نشر أولها في جريدة الرياض يوم الاثنين ٢٧ / ١ / ١٤١٨ ه. وهي أهم المقالات أنه لخص فيها جملة أفكاره ، أما البقية فمدارها على نقد أبحاث الآخرين ولا سيما الرسائل الجامعية ، والرد على الردود ومجادلة الخصوم وما إلى
ذلك.
ولقد رد كثير من الإخوان المتخصصين في الحديث والتاريخ على بعض ما ورد في مقالاته من الأمور التفصيلية. ولكني أعتقد أن بيان ما يتصل بالأمور الكلية والمنهجية أكثر فائدة للقرّاء من مناقشة التفاصيل ، لأن الخلاف معه اقرب إلى أن يكون في الأصول. فلذلك سوف أقتصر على ايضاح هذه الجوانب ، وهي مهمة جداً فيما أرى ، في موضوعية وانصاف من واقع كلامه ان شاء الله. وأود الإيضاح بانني لا أعرف الأخ المالكي ولم نلتق قط ، ولست متضرراً بشيء من كلامه عن القعقاع أو سيف أو المؤرخين أو أساتذة الجامعات. ولقد كان بودي ـ يعلم الله تعالى ـ أن أثني عليه واشد على يديه ، ولكني نظرت في مقالاته مع قلة علمي فرأيت ما يدعوا إلى التعقيب.
وآثرت الانتظار إلى انتهاء هذه المقالات ، وقد انتهت الآن فيما يظهر ، لأن المقالة المنشورة في ١٧ / ٣ / ١٤١٨ ه جاءت بعنوان ( دروس من معركة القعقاع ) ، وفيها تلخيصه ـ من وجهة نظره ـ للدروس المستفادة من الردود عليه.
ملاحظات على الأسلوب :
(٢) وأول ما يلاحظ على مقالاته هذه ـ وسائر كتاباته إجمالاً ـ كثرة إشارات التعجب إلى حد الافراط ، وقد أحصيتها في المقالة الأولى وحدها فبلغت سبعين علامة ، وقلما يكتفي بالعلامة الواحدة وانما يأتي بها مثنى وثلاث. ولعلها تصل إلى ألف أو ألفين في كتاب الرياض. وهذا الإكثار غير مستحسن في الكتابة العلمية ، وهو من سمات الكتابات الصحيفة الرديئة. ومن الأفضل أن
يتقدم الباحث ببراهينه وأدلته ويجتهد غابة الاجتهاد في تحريرها ، ويكتبها بالاسلوب العلمي الصحيح ثم يتركها تتحدث عن نفسها وتسعى لتحقيق الأثر المطلوب في عقول الناس.
وهذا الغرض واضح جداً في مضمون المقالات أيضاً ، فما أكثر الغمز للجامعات والأقسام والباحثين والمشرفين والمناقشين ، والإتهام بالجهل والتدليس والتقليد والضحك على الناس ، والتقليل من قدر الرسائل الجامعية والشهادات العليا والتقديرات والمقررات المدرسية والتخطيط التربوي وأساليب التفكير السائدة. بل يساوي الأستاذ بين التصديق بالقعقاع والتصديق بوجود الحشرة والدعافيص والمعثرة ولبط بين كبار المدن السعودية ، كأنّ سائر الناس لا عقول لهم ( وهذا ينبطق على الطبري وابن عبد البر وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير وابن حجر وغيرهم من القدماء فضلاً عن المعاصرين ). وربما ذكر أن العلم ليس بالألقاب والشهادات الأكاديمية وأشياء من هذا القبيل ، وكان الأليق به لو ترك هذا الباب كله لأنه يعوق الحوار العلمي المطلوب.
(٣) وهذا الأسلوب في الكتابة لا بد أن يخون صاحبه بين الحين والحين. وإليك مثالاً على ذلك ، وهو قوله في المقالة الأولى بحروفه وأقواسه ورموزه ( بل ربما لو كان الحافظ ابن حجر في عصرنا لا تهمناه بانه يريد الطعن في السابقين وأنه مع المستشرقين والمبتدعة لأنه نفى صحبة أكثر من ألف صحابي من ( الصحابة الكرام !! ) ويريد هدم السنة التي وصلتنا عن طريقهم ، إلى اخر هذه النغمة المعروفة !! ).
فلا أعتقد أنه من اللائق ـ ولا سيما من طالب العلم الغيور على التاريخ
والعلوم الشرعية ـ أن يقول ( الصحابة الكرام !! ) عن هذا العدد الكبير من الكرام الأماجد رحمهم الله ورضي عنهم ، وهم إن لم يكونوا من الصحابة فمن التابعين ، وكون العلماء يختلفون في صحبة بعضهم لا يسوغ الاستهزاء بهم. ثم يسمي الغيرة على السنة ( هذه النغمة المعروفة !! ). وبودي أن أقول زلة قلم غير مقصودة ، ولكنها تعبر مع الأسف عن طريقته في التفكير والكتابة كما سيتضح ان شاء الله.
وهذا مثال آخر فقد ضرب ـ من أجل تبسيط الموضوع ـ مثلاً بالمدن الوهمية المشار إليها ، ثم قال بالحرف الواحد ( فالقعقاع مثل مدينة الحشرة تماما ) ، ومن المفهوم أن بقية الصحابة الأسطوريين ـ في نظره ـ يشبهون أسماء المدن الأخرى. فليس هذا من كمال الأدب وحسن اختيار الألفاظ واللائق به غير هذا الأسلوب.
(٤) ولقد شحن المقالة الأخيرة ( دروس من معركة القعقاع ! ) ـ كما هي الحال في غيرها بعبارات يفهم منها الثناء على النفس ، واتهام الآخرين بكل النقائص التي يسمح بها المقام. ولا يخفى أنه يرد ويرد عليه ، فليس من المستحسن أن يبدأ الإنسان أحداً بالشتم ، وإذا رأى في كلامهم شيئا من ذلك فإما أن ينتصر لنفسه وأما أن يعفو والعفو خير. ولكن هذه العبارات جاءت عامة لجميع المخالفين له في الرأي ، غير موجهة إلى خصم بعينه.
وهذه نماذة حرفية منها : الغفوات العلمية الطويلة ـ إخفاء الحقائق ومحاربتها أيضاً !! ـ نسيان الدروس والعبر !! ـ الكتابة لإرضاء الزملاء والأصدقاء والأساتذة والتلاميذ !! ـ التقليد والتلقين وتعطيل النصوص والعقول !! ـ مراعاة الوضع السائد ـ الغش والتدليس والتلون واستغفال
القارئ وطلاء الباطل بطلاء الحق ـ تأسيس الجهل العلمي !! ( أي إقامة المؤسسات لإشاعة الجهل ) ـ اللغة لغة أهل العلم والتحقيق !! والمضمون كلام أهل الجهل والتلفيق ـ تسيير دفة الجهل فوق اقتاب الحق !! كالجنازة التي تمشي على أربع فتسبق الحي الذي يمشي على رجلين !! ـ الأكثرية المخطئة المتعصبة المريضة علميا التي طالما حاربت الرسل والمصلحين ـ ترك أكثرية القرون الفاضلة والاحتجاج باكثرية القرون المتاخرة والمعاصرة !! الهجوم على صاحب الدليل والطعن في علمه أو تحصصه أو عقيدته أو نيته ـ المعاول التي طالما حاربت الحق مر التاريخ ـ عدم القراءة والحكم على البحوث بناء على المعرفة الشخصية ـ مجالسة قرناء السوء الذين يزعمون أن فلانا سيىء النية ، جاهل ، .. الخ ـ الاستعجال وعدم التثبت واتباع الهوى ـ تجار الغيبة والنميمة ـ تأخذهم العزة بالإثم ـ نقص الأدوات المعينة على إصدار الحكم الصحيح ـ تحريف الحقائق !! ونشر الأباطيل !!.
هذا غيض من فيض ، فما حاجة الأستاذ إلى هذه الشتائم والاستفزازات التي يسميها دروس تربوبه وطالما قرأنا الأبحاث الجادة العميقة في التاريخ وغيره من العلوم ، فلم نجد هذا الارتباط النفسي بين الباجث والبحث ، وإنما يكتب الإنسان رأيه ويضعه أمام الناس لينظروا فيه في هدوء. وهي بعد تتعارض مع الرغبة في إصلاح الأحوال ، ومن السهل على أي قارىء أن يتصور مخطئاً أو مصيبا أن وراءها دوافع شخصية. وليس من الإنصاف أن يعطي لنفسه الحق بالدخول إلى قلوب الناس ومعرفة الأهواء وخطرات النفوس ـ كما ترى في هذه العبارات ـ ويجردهم من الدوافع العلمية والأغراض الشريفة ، ثم يستنكر عليهم إذا فعلوا مثل ذلك.
التعميم على المصادر :
(٥) ثم انتقل إلى مسألة جوهرية كنت أود أنه أوضحها بنفسه وكفانا أمرها ، وهو التصريح باسماء الذين سبقوه إلى آرائه ، وهو شيء يعرف وجوبه وأهميته وفوائده حتى المبتدئون من الطلاب. ولكنه ـ مع الأسف ـ آثر عدم التصريح بذلك ، وعدم التصريح بالسبب المانع من التصريح.
ولم يكن ذلك بسبب الغفلة أو السهو بالتاكيد ، لأنه قال في ختام المقالة الأولى ( قد يقول قائل : لكن قولك هذا قد قال به بعض المستشرقين وهم كفار أو قال به بعض المبتدعة ولعلك توافقهم من حيث لا تدري ). وهذا أسلوب غير مقبول في الكتابة العلمية ، فالمفروض عليه ذكر المصادر بصريح العبارة. وقد فعل ذلك مع خصومه ، فذكر أسماءهم وكتبهم ورسائلهم وجامعاتهم ، فلماذا يلجأ إلى هذا الأسلوب الغامض ، ولماذا يسلك هذا الكلام مع « الشبهات » في آخر المقالة على لسان شخص خيالي يريد الاعتراض وانظر إلى هشاشة الاعتراض في كلمة « أو » وفي كلمة « لعلك توافقهم » وفي كلمة « من حيث لا تدري ».
وطالما انتقد أصحاب الرسائل العلمية والمشرفين والمناقشين ، فهلا أبصر الأستاذ هذا القصور المنهجي الخطير في كلامه.
(٦) وكان المنتظر منه أن يعقب على عبارة « من حيث لا تدري » فيصرح بأنه يدري ، وأنه اطلع فعلاً على أقوالهم ، يذكر أسماءهم وفحوى كلامهم مع التوثيق اللازم ، ويقبل منه ويترك ، ليكون القارئ على بينة من هذا الأمر المهم ، ويأخذ كل ذي حق حقه.
ولكنه عقب على هذه الشبهة الافتراضية بكلام طويل يقوم على التعميم
واللهجة الانشائية الخطابية في الثناء على بحوث المستشرقين والمبتدعة التي هي في غاية الدقة والموضوعة مما لا يتوفر مثله عندنا ، وخجل البعض من الإعلان عن الاستفادة من هذه الأبحاث الجيدة لئلا يتهم ، إلى آخر ما قال. ولم يخرج في ذلك من دائرة العموميات ، ولم يعترف بان الأفكار لغيره. ومن يقرأ كلامه كله يجد أنه ينسب الآراء إلى نفسه ويتحدى عليها ، فيقول مثلاً في أول المقالة ( وكنت قد قلت في حواري مع فلان ان سيف بن عمر التميمي هو الذي اختلق شخصية القعقاع ) ، وهكذا في سائر كلامه ، ولا أثر لهؤلاء المستشرقين والمبتدعة. ما هكذا تورد الإبل أيها الأستاذ الفاضل ، وما هكذا يساء الظن باطلاع القرّاء.
الكشف عن مصدر المالكي :
(٧) ولقد قرأت هذه الأفكار قبل ـ بضع عشرة سنة ، واضحة صريحة في كتابين لرجل اسمه السيد مرتضى العسكري ، الأستاذ في أحدى الجامعات المذهبية في العراق. واسم الكتاب الأول ( عبدالله بن سبأ. المدخل ) ، الصادر في العراق سنه ١٣٧٥ ه ، ثم صدرت طبعته الثانية في مطبعة النجاح بالقاهرة سنة ١٣١٨ ه ، واسم الكتاب الثاني ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) ، وقد صدرت الطبعة الثانية منه في بغداد سنة ١٣٨٩ ه ، فهذه ـ مع الأسف ـ البحوث التي يصفها بانها ( في غاية الدقة ، والموضوعية مما لا يتوفر مثله عندنا ) ـ ولكنه لم يمكن القارئ من الحكم على صحة هذه الدعوى.
وما شككت لحظة منذ قرأت أولى المقالات ، أن هذه أفكار العسكري ، لأن الدعوى هي نفس الدعوى ، وهي أن سيفاً كان يختلق أسماء الصحابة