بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 248

واللهجة الانشائية الخطابية في الثناء على بحوث المستشرقين والمبتدعة التي هي في غاية الدقة والموضوعة مما لا يتوفر مثله عندنا ، وخجل البعض من الإعلان عن الاستفادة من هذه الأبحاث الجيدة لئلا يتهم ، إلى آخر ما قال. ولم يخرج في ذلك من دائرة العموميات ، ولم يعترف بان الأفكار لغيره. ومن يقرأ كلامه كله يجد أنه ينسب الآراء إلى نفسه ويتحدى عليها ، فيقول مثلاً في أول المقالة ( وكنت قد قلت في حواري مع فلان ان سيف بن عمر التميمي هو الذي اختلق شخصية القعقاع ) ، وهكذا في سائر كلامه ، ولا أثر لهؤلاء المستشرقين والمبتدعة. ما هكذا تورد الإبل أيها الأستاذ الفاضل ، وما هكذا يساء الظن باطلاع القرّاء.

الكشف عن مصدر المالكي :

(٧) ولقد قرأت هذه الأفكار قبل ـ بضع عشرة سنة ، واضحة صريحة في كتابين لرجل اسمه السيد مرتضى العسكري ، الأستاذ في أحدى الجامعات المذهبية في العراق. واسم الكتاب الأول ( عبدالله بن سبأ. المدخل ) ، الصادر في العراق سنه ١٣٧٥ ه‌ ، ثم صدرت طبعته الثانية في مطبعة النجاح بالقاهرة سنة ١٣١٨ ه‌ ، واسم الكتاب الثاني ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) ، وقد صدرت الطبعة الثانية منه في بغداد سنة ١٣٨٩ ه‌ ، فهذه ـ مع الأسف ـ البحوث التي يصفها بانها ( في غاية الدقة ، والموضوعية مما لا يتوفر مثله عندنا ) ـ ولكنه لم يمكن القارئ من الحكم على صحة هذه الدعوى.

وما شككت لحظة منذ قرأت أولى المقالات ، أن هذه أفكار العسكري ، لأن الدعوى هي نفس الدعوى ، وهي أن سيفاً كان يختلق أسماء الصحابة


صفحه 249

والبلدان والحوادث. فالتطابق في الأفكار الأساسية ، وادارة الكلام على لفظ الاختلاق ، والعدد الكبير من الشخصيات والأشياء المختلقة ، والابتداء بالقعقاع ، وهذا الكلام الغامض في الثناء على بحوث القوم ، لا يترك مجالاً لغير هذه النتيجة.

فمن هو الذي يجد ( بعض الأبحاث الجيدة عند بعض الكفار والمبتدعة ثم يستحي أن يعلنها حتى لا يتهم ) ألا ينطبق كلامه على نفسه قبل غيره ، وقلما انتقد الأستاذ شيئا على غيره إلا ووجدت عليه مثله ، وستأتي أمثلة أخرى على ذلك.

(٨) ثم نشر المقالة السادسة في ١٠ / ٣ / ١٤١٨ ه‌ وهي مخصصة للإجابة على الاعتراضات بعد الانتهاء من أصل الموضوع. فمما لفت النظر قوله ( ما زعمه الفريح بانني اعتمدت على كتب مطبوعة وأنني لم آت بجديد : ( زعم باطل عريض ! ) صحيح أن الباحث يطلع على ما كتب في الموضوع ، ولا أنكر انني قبل الكتابة عن سيف أو القعقاع قد اطلعت على ما كتبه الهلابي والعودة والمعلمي والتباني والعسكري وطه حسين وغيرهم من العلماء والباحثين ، لكنني لم أقلد أحداً منهم واستخرجت روايات سيف بنفسي وبحثتها رواية رواية سنداً ومتناً ، واستدركت عليهم اشياء كثيرة فاتتهم ، مع تقديري لمن سبق وعدم هضم حقه ، إلى آخر ما قال. فمن الواضح أن الأستاذ اضطر تحت الضغوط إلى ذكر هذه الأسماء ( وعدم إنكار ) معرفة ما كتبوه.

فلماذا يقول هذا الكلام الروتيني بعد الفراغ من الموضوع لماذا لم يذكر هذه الأسماء في المقالة الأولى مع الإشارة الموجزة إلى أسماء الكتب والطبعات وخلاصة الآراء والفروق بينها ولماذا يكتفي بعبارة ( لا أنكر ) المتوسطة بين


صفحه 250

الاقرار والإنكار كانه مجبر عليها وكانه خشي من تهمة السطو على الأفكار فسارع إلى طرد هذا الحاضر بقوله ( زعم باطل عريض !! ) ، والتاكيد على نفي التقليد وأنه بحث واستخرج واستدرك وفعل كذا وكذا. هذا مع أن الدكتور عبد الرحمن الفريح لم يتهمه بالسطو وانما فقط بانه ( اعتمد على كتاب مطبوع يعرفه أهل الاختصاص وربما غيرهم ).

والحقيقة أن هذه الأفكار منشورة منذ سنة ١٣٧٥ ه‌ ، وكان ينبغي أن تنسب إلى صاحبها بالعبارة الصريحة والتوثيق اللازم. هذا مع أن كلامه في الثناء على أبحاث المستشرقين والمبتدعة يدل على أنه وجد الأفكار لديهم ناضجة متكاملة. وهذا هو الواقع ، فكثير مما لديه يوجد في كتب مرتضى العسكري الذي قتل هذه القضايا بحثا وأفرد لها عدة كتب ، ولم أجده يخالفه في شيء أو يرد عليه ! فهذا تناقض واضح بين الثناء على البحوث وانكار الاعتماد عليها.

ولقد بذل الأستاذ غاية جهده في هذا الكلام للتعمية على العسكري مرة أخرى ، فأنكر الاعتماد على الكتب المطبوعة ، وأدرج اسمه بين باحثين أكثرهم من هذه البلاد ، ولم يذكر اسمه كاملاً ولا أسماء كتبه التي اطلع عليها ، وجعل الأمر من باب الاطلاع المعتاد. وهو لا يخفى عليه بالطبع تواريخ صدور الكتب ولا المقارنة بين الأفكار ومعرفة صاحب النظرية من بينهم ، فاذا كان مرتضى العسكري هو السابق إلى اتهام سيف بن عمر باختلاق عشرات الصحابة والبلدان ـ وعلى رأس الجميع القعقاع الذي قتله بحثا فلماذا إخفاء الأسماء والمصادر ثم يقول العبارة الروتينية المملولة ( مع تقديري لمن سبق وعدم هضم حقه ) ، فكيف يكون هضم الحقوق إذن.


صفحه 251

وكان الأستاذ قد قال في العام الماضي : « وقد يأخذ عليّ الدكتور أنني نقلت بعض النتائج التي توصل إليها بعض الباحثين كالهلابي والعسكري. وهذا غير صحيح ، لأنني رجعت للمصادر نفسها وتأكدت من تلك النتائج بنفسي » ( كتاب الرياض ، ص ٨١ ). فهذا خلط في مناهج البحث العلمي لا يوافقه عليه أحد ، فأما النصوص الموجودة في كتاب العسكري فلا باس بالاحالة على المصادر رأسا بعد التاكد ، وأما رأي العسكري في ان سيف بن عمر يخترع أسماء عشرات الصحابة وعلى رأسهم القعقاع فهذا لا وجود له في المصادر القديمة وانما هو رأي جديد سبق إليه ، فيجب على من يعيد بحث هذه المسألة ـ سواء بالموافقة أو المخالفة ـ أن يعزو الرأي إلى صاحبه ولو اطلع على الدليل بنفسه. وهذه التفرقة من أوضح الأمور لمن مارس البحث العلمي ، ولا أظنها تخفى على الأخ المالكي ، ومن المعلوم انه لا يجد محذورا في الإحالة على كتاب الدكتور الهلابي لأنه تلميذه وقد اهدى كتابه إليه ، ولكنه يتهرب من الإحالة على العسكري.

وقد وجدت في كتابات الأستاذ كثيرا من أساليب التعميم على العسكري فتراه يذكر اسمه دون كتابه ، أو كتابه دون اسمه ، ويقول « توصل إلى النتائج نفسها التي توصل إليها الدكتور الهلابي » كأن الأبحاث متزامنة ، مع أنه قد توصل إليها منذ خمسين عاماً ونشرها منذ ثلاثة وأربعين عاماً ( كتاب الرياض ، ص ٥٨ ). وكان الأستاذ عبد الحميد فقيهي قد أوضح ان مسألة القعقاع ووجوده في كتاب العسكري ، فرد المالكي قائلا ( أما ربط الفقيهي بين أنكار شخصية القعقاع وبين كتاب مرتضى العسكري فإن هذا الربط لو صح لما ضر البحث شيئا فالحكمة ضالة المؤمن ) ، إلخ ( كتاب الرياض ، ٢٧٠ ). فقوله « لو


صفحه 252

صح » فيه تهرب واضح لأنه لا يدل على إقرار ولا إنكار.

خلاصة أفكار العسكري :

(٩) أما كتاب العسكري الأول ( عبدالله بن سبأ : المدخل ) فلم أجد أيما إشارة اليه ، لا في مقالات الأستاذ ولا في الاعتراضات عليها. وقد رجعت اليه وأنا أكتب هذا الكلام ، فوجدت أن العسكري لم يتطرق فيه إلى عبدالله بن سبأ كما يوهم العنوان ، بل يبحث في سيف بن عمر فقط ، لأن الغرض منه اثبات وقوع التزوير الشامل للتاريخ على يدي سيف ، تمهيدا للجزء الثاني المخصص لعبد الله بن سبأ وهو بعنوان ( عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ). وإليك بعض كلامه في مقدمة الكتاب لأهميته :

قال العسكري ( في سنة ١٣٦٩ ه‌ ـ وبينما كنت أراجع قسما من المصادر الإسلامية ـ رابني ما وجدت في بعض الروايات في أشهر الكتب التاريخية من ظواهر تدل على أنها مدسوسة وموضوعه ، فاخذت أجمع تلك الروايات المريبة وأقارن بينها وبين غيرها ، وإذا بي أهتدي إلى حقيقه كان التاريخ قد نسيها فانطوت في أثناء وضاعت في تياراته .. ورأيت من الواجب الأدبي أن أشهر تلك الحقيقة المجهولة ، فبوبت مذكراتي إلى فصول ، وسميتها : أحاديث سيف ) ، إلى آخر ما قال ثم ذكر ان احد علماء المذاهب اشار عليه بتغيير العنوان إلى عبدالله بن سبأ فاستجاب له. وذكر أنه أحجم عن نشره سبع سنين خشية إثارة العواطف في الشرق المسلم المؤمن كإيمان العجائز !.

وهذا الكتاب ملىء بالطعن في عقيدة جمهور المسلمين والدخول إلى ذلك من باب الطعن في التاريخ والرواة ، وهو أقرب إلى التهريج منه إلى البحث العلمي


صفحه 253

الصحيح. والصبغة المذهبية واضحة عليه ، مع أنه يتستر ويحاول إظهار التجرد لأن الغرض اقناع جمهور المسلمين بفساد تاريخهم ومصادرهم وعقيدتهم ، ولم ينتقد شيئا من مصادر مذهبه ولا رجاله ولا رواية التاريخ لديهم ، وتجاهل أن علماء مذهبه عبر العصور لم يتهموا سيفا باختلاق الأشخاص والحوادث والبلدان ، وهذه إنما هي تهمة عصرية لم يكن لها وجود قبل دعوى تزوير الشعر الجاهلي.

وكثير من الأفكار التاريخية التي ينشرها الأخ المالكي موجود في هذا الكتاب المذهبي ، مع الإقرار باختلاف طريقة العرض والاستدلال وبعض الإضافات التفصيلية التي لا أناقشه فيها ، واختلاف الغرض أيضاً إن شاء الله. وأجد من المفيد سرد موضوعات الكتاب لأنه ليس من الكتب المشهورة. فقال في الصفحة ٢٦ ( استخرج مترجمو الصحابة أسماء كثيرة من أساطير سيف وترجموا لهم ضمن تراجم الصحابة ، واستخرج ( ياقوت ) الحموي أيضاً من أساطيره أسماء أماكن ترجمها في معجمه ) ، فهذه الجملة هي خلاصة مقالات الأستاذ المالكي ! ثم نقل آراء العلماء في تضعيفه ، وهي نفس الآراء التي تتردد في كتابات المالكي تقريبا ومن الغريب أنه ليس فيها اتهامه باختراع الأسماء ! ثم بحث مرويات سيف عن الموضوعات التالية :

قصة بعث جيش أسامة ( الصفحة ٢٩ ).

حديث السقيفة ( الصفحة ٣٢ ).

قصة الردة ( الصفحة ٩٦ ).

قصة خالد بن الوليد ومالك بن نويرة ( الصفحة ١١٤ ).

قصة العلاء بن الحضرمي ( الصفحة ١٢٢ ).


صفحه 254

قصة نباح كلاب الحوأب ( الصفحة ١٢٧ ).

قصة الفاحشة المنسوبة للمغيرة بن شعبة ( الصفحة ١٣٤ ).

قصة حبس أبي محجن الثقفي ( الصفحة ١٣٩ ).

قصة استلحاق زياد ( الصفحة ١٤٢ ).

قصة الشورى وبيعة عثمان ( الصفحة ١٥٢ ).

تحريفات سيف بن عمر في سني الحوادث التاريخية ( الصفحة ١٥٨ ).

ثم عقد ابتداء من الصفحة ١٦١ فصلا بعنوان ( مختلقات سيف من الصحابة ) ، وذكر اثنين منهم بالتفصيل : القعقاع بن عمرو التميمي وأخاه عاصم بن عمرو التميمي. أربع وعشرون صفحة لإثبات أن القعقاع وأخاه من مخترعات سيف.

ثم ذكر في الصفحة ١٨٥ وما بعدها أنه جمع أسماء أكثر من مائة من الصحابة الأسطوريين المترجم لهم في كتب تراجم الصحابة ، وسرد أربعين اسماً من غير تفاصيل.

ثم عقد في الصفحة ١٩٠ فصلاً بعنوان ( الحموي وأحاديث سيف ) ، ذكر فيه الأماكن الأسطورية الموجودة في معجم البلدان لياقوت بناء على روايات سيف ، ومنها : جبار ، الجعرانة ، شرجة صيهد ، دلوث ، طاووس ، نعمان ، القردودة ، ثنية الركاب ، القديس ، المقر ، الولجة ، وغيرها. وقد أشار المالكي إلى اختراع أسماء البلدان ، واتهم سيفا بهذه التهمة الغريبة ، وضرب مثلا ببعض هذه الأسماء وغيرها. ولكنه رأى فيما يظهر أن يؤجل الكلام فيها للتركيز على موضوع القعقاع وهذا دليل قوي على التناقل ، وإلا كيف عرف أن هذه الأماكن العراقية المجهولة لا وجود لها هذا مع العلم بان العسكري لم يتحقق من أنها أسماء


صفحه 255

وهمية ولا يظهر عليه أنه من علماء الجغرافيا.

أما الكتاب الثاني ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) فقد قرأته منذ بضع عشرة سنة ولم يتيسر الرجوع إليه الآن. وفحوى الكتابين واحدة ، وهو امتداد للكتاب السابق ، وقد أعاد فيه ذكر القعقاع ، وأظنه الأول في التسلسل. ومن الواضح أن عدد المائة تضخم إلى مائة وخمسين مع مواصلة البحث.

ومن الجائز أن يكون العسكري أو تلاميذه قد أصدروا كتباً أخرى أو مقالات ، فاطلع عليها المالكي بمقتضى اهتمامه وحرصه على هذه الأمور. وليس من المهم استقصاء الأمر إلى غايته ، لأن الكتاب الأول كاف جدا لإثبات المطلوب وهو أنها أفكار العسكري ، وبخاصة دعوى ان القعقاع من مخترعات سيف. فلو رآها لقال : أهلاً وسهلاً ، بضاعتنا ردت إلينا ! وقد صرح بانه توصل إليها ابتداء من سنة ١٣٦٩ ه‌ ، ونشرها قبل أن يولد المالكي بكثير ومفهوم كلامه أنه لم يسبق إليها لأنه يقول ( وإذا بي أهتدى إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها ) ، مع أن هذه المسالة بحاجة إلى تحقيق ، ولعله التقط الخيط من كتابات الدكتور طه حسين أو غيره.

وأقول للقارئ الكريم : لقد نظرت في كلام العسكري قبل بضع عشرة سنة ، ونظرت فيه الآن ، لأني لا أرضى لنفسي أن أعيش في عالم الأوهام والأساطير ، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا. فوجدت ثرثرة كثيرة وطبلاً أجوف ، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه لا احتقاراً له ولا انتقاصاً من علمه ، ولكن لأنه راغ عن الطريق فلم يتناول دعوى الاختلاق ولم يبحثها أصلاً ، وانما قال ( واذ أبي اهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها ) لا غير ، كانه إلهام نزل عليه ! ولم يظهر لي من كلامه أنه يرى الحاجة إلى اثبات هذا الوسواس ،