این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
د. محمد بن عبد الله العزام
عن القعقاع وسيف بن عمر (٢ / ٣)
صحيفة الرياض ـ ٢ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
بين العسكري والمالكي :
(١٣) لا يخفى على القارئ الكريم أن المسألة عند مرتضى العسكري لا تقف عند القعقاع ولا حتى عند سيف ، وانما هو فتق واسع أو ثقب أسود نعرف أوله ولا نعرف آخره ، لأن هذه الدعوى تقوم على نظرة مبدئية خاصة إلى التاريخ والمؤرخين ، واتهام واحد منهم بالتزوير الشامل للتاريخ الاسلامي ، واتهام سائر علماء الأمة إلى يومنا هذا بالجهل أو الغفلة أو التستر واشاعة
الأباطيل والانتصار لها أو ما وراء ذلك من اتهامهم بضعف وسائل التمحيص والنقد ، حتى انهم لم يفطنوا طيلة ثلاثة عشر قرناً إلى اختراع أسماء الصحابه بالجملة.
والأخ المالكي من جهته يتحدث عن انقاذ التاريخ الإسلامي لا عن تصحيح غلطة معينة ، ويضرب المثل بأربع مدن اسطورية لا بمدينة واحدة ، ويقول : ( هذه باختصار قصة سيف بن عمر مع عدد كبير من الشخصيات الذي اختلقها ) ، ويقول : ( عشرات المدن التي لم يسمع بها أحد ولم ينطق بها لسان ولا سمعت بها أذن ولا خطرت على قلب بشر ) وهكذا في سائر مقالاته ، وهو كلام يشبه كلام العسكري من جهات كثيرة ، ولا سيما عدد الاشخاص والأشياء التي يقولان إنها مخترعات سيفية.
ولقد كان العسكري صريحاً بعض الشيء ، فلم يحذف شيئا من المسائل التاريخية التي يرى ان سيف بن عمر قد أفسدها ، ومنها حديث السقيفة وما وقع لفاطمة رضي الله عنها وحروب الردة والشورى. ومعلوم أن هذه المسائل من ضروريات مذهبه ، فلا يستغرب منه بحثها أما الأستاذ المالكي فأخذ من هذه المسائل وترك ، ومن الممكن أن ياخذ غدا ما تركه اليوم فليس في ابحاثه ما يسوغ الجزم بانه يختلف عن العسكري ، ولم يخالفه في شيء ، واضح.
نظرتهم إلى التاريخ
(١٤) وأنا أتحف القارئ الكريم ببحث آخر من هذا النوع ، فقد زعم أحد الكتاب ـ من جماعة العسكري ، وبحثه منشور في مجلة المورد العراقية سنة ١٩٧٧ ـ أن أبا الفتح عثمان بن جني قد كذب على أبي الطيب المتنبي حين زعم
للناس انه لازمه وقرأ عليه ديوانه واستفسر عن معاني شعره ، فقال أن ذلك نوع من أحلام اليقظة ، وملأ المقالة بتحقير الرواية والطعن في الرواة وهذا الكلام أيضاً فحواه ودوافعه مذهبية واضحة مع الأسف ، ولا يتسع المقام للخوض فيها ولا للإتحاف بأمثلة أخرى.
فإذا كان ابن جني شيخ العربية يكذب على المستوى ، ثم يروي الجم الغفير من العلماء والأدباء ديوان المتنبي متنا وشرحا عنه ولا يفطنون إلى هذه الأكذوبة الهائلة ، بل يساعدونه على تحقيقها وتخليدها ، ويقع مثل ذلك ، مع اكاذيب سيف كما زعم العسكري والمالكي. ومع الشعر الجاهلي كما زعم الدكتور طه حسين ، وأحاديث أبي هريرة رضي الله عنه كما زعم أبو رية ، وغيرها وغيرها وغيرها ـ فكل شيء يجوز أن يكون مختلقاً ، وقل على العلم السلام. وما الذي يمنع أن يأتي الدور على كبار المفسرين والمحدثين والفقهاء ، فيقال ـ وقد قيل فعلا ـ أنهم كانوا يخترعون المتون والأسانيد فيصححها اللاحقون غفلة وبلاهة ويضعونها في كتب التفسير والقراءات والعقيدة والحديث والفقه والسيرة النبوية وغيرها.
والحق من أطلع على كتابات العسكري وجماعته لن تفاجئه طريقتهم في تكذيب الرواة والعلماء واتهامهم بشتى التهم لأغراض يعرفها الجميع ، وإنما المفاجأة أن يتبنى الأخ الاستاذ حسن المالكي هذه الأفكار وينشرها علينا بهذه الطريقة الملتوية.
(١٥) قد يقول المالكي ولكني لم أتحدث إلا عن سيف بن عمر ! فأقول : ما الذي يمنع أن تتحدث أو غيرك في المستقبل ـ وقد تمدد الطريق واستقرت القاعدة ـ عن غيره ، وهل تستطيع ان تمنع الناس من التصرف في الفكرة أو
تطبيق نفس القاعدة على مئات المسائل الأخرى ؟ ولا يخفى ان الصعوبة تكمن في تأسيس القاعدة ، ثم ينفخ الباب على مصراعيه ، ويصبح من أيسر الأمور ادعاء أن العلماء انخدعوا بعشرات الأساطير الأخرى أو مئاتها أو آلافها ، وبخاصة الإمام الطبري كما سيأتي فمن حقنا اذن أن نلفت الانظار إلى حقيقة الموضوع من جميع أبعاده. والمالكي قد كفانا المشقة لأنه يتحدث عن أمور لها أول وليس لها آخر مثل انقاذ التاريخ الإسلامي والمناهج والجامعات ، الخ.
إن النتيجة الخطيرة المترتبة على هذه الآراء ما يلي : ان الأمة تعيش منذ أربعة عشر قرنا في عالم الأوهام والأكاذيب ، وليس لديها حصانة مناعية ضد الأساطير الكبرى ، فكان من الممكن أن يأتي قصاص متعصب لا قيمة له في نفسه ، فيختلق من نسج الخيال اسماء عشرات الأسماء والمدن والمعارك والأحداث الخاصة بعصر الصحابة وغيره. مما لم يسمع به إنسان ولم يخطر على قلب بشر قبله ، والبلاد من حوله تمور بالعلماء الغافلين ، ثم تقع هذه الأساطير موقع القبول بعد جيل أو جيلين وتصبح حقائق مقررة يتناقلها كبار العلماء والحفاظ ، ولا تدرك الأمة أنها أكاذيب مختلقة إلا بعد بضعة عشر قرناً ، ربما على أيد المستشرقين والمبتدعة.
وإذا تحقق أن الخط الدفاعي لم يكن موجوداً في تلك القرون الأولى فما أيسر توجيه المطاعن إلى كل شيء حتى إلى القرآن الكريم والسنة النبوية إذا كان العلماء يسكتون على اختراع أسماء الصحابة فلماذا لا يسكتون أيضاً على اختراع أحاديث الصحابة ، ونحن نعلم مثلا أن الدكتور طه حسين ادعى في نفس الكتاب أن ذكر اسماء الأنبياء في القرآن الكريم لا يكفي للجزم بوجودهم التاريخي ، فالفاصل رقيق جداً بين الطعن في الشعر الجاهلي وبين الطعن في
أركان العقيدة. وما لنا نذهب بعيداً ، فالعسكري طبق نظريته أولاً على قضايا خلافية ذات صبغة عقائدية أخطر بكثير من مسألة القعقاع ، و أهمها بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة.
ولا أدري ماذا يبقى من تاريخ الطبري ـ والتاريخ الإسلامي كله ـ إذا ألقينا سبعمائة وثلاثين خبراً من أخباره في مهملات التاريخ ومنكراته كما طلب الأستاذ ( كتاب الرياض ، ٦٢ ) من غير حاجة للنظر في متونها ومن غير اشتراط وجود روايات أحسن منها ولا أعني النسبة العددية لأنها قليلة بالقياس إلى حجم الكتاب ، بل منزلة الكتاب والثقة به وبصاحبه ، فسيكون كالرجل الشريف ، الذي لحقه العار أو الصدوق الذي جرب عليه الكذب.
ولا يلزم من قولي هذا أن المالكي يرى ذلك كله ، ولا ندري ماذا سيكون موضوع الكتابات القادمة ، ولكنه نتيجة حتمية لكلامه. إنه كما قلت فتق واسع نعرف أوله ونجهل آخره.
بين الحديث والتاريخ
لقد لاحظ العلماء الفوارق بين الحديث والتاريخ منذ العصور الأولى ، فتشددوا في رواية الحديث وتساهلوا بعض الشيء في رواية الأخبار والوقائع ، فقبلوا روايات أمثال سيف بن عمر في التاريخ ، وهشام بن محمد الكلبي في الأنساب ، وأبي عبيدة في أيام العرب ، وكثير من الأدباء واللغويين في مجال اختصاصهم ولا يعقل أن يشترط في رواية فتح الأندلس مثلا ما يشترط في رواية غزوة بدر وليس من الصعب التفريق بين سيف المحدث وبين سيف المؤرخ أو بين هشام المحدث وبين هشام الإخباري النسابة ، فإذا رووا الحوادث
والأخبار والأنساب واللغة والشعر فلا بأس ، وإذا رووا شيئا من الحديث والأحكام الشرعية فلا.
واليك مثالاً على هذه التفرقة ، فقد ترجم الحافظ ابن عبد البر للقعقاع بن عمرو في الاستيعاب فقال ( القعقاع بن عمرو التميمي قال شهدت وفاة النبي (ص) ، فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تميم عن أبيه عنه قال ابن أبي حاتم : سيف متروك الحديث ، فبطل ما جاء من ذلك. قال أبو عمر هو أخو عاصم بن عمرو التميمي ، وكان لهما البلاء الجميل والمقامات المحمودة في القادسية ، لهما ولهاشم بن عتبة وعمرو بن معديكرب ). فمن الواضح أن كلمة « ذلك » في قول ابن أبي حاتم تعني ما مر في أول الكلام من قول القعقاع إنه شهد الوفاة ، واذن فقوله ( سيف متروك الحديث ، فبطل ما جاء في ذلك ) معناه أنه لا يؤخذ بقوله في مسألة الصحبة لأن هذا الأمر يتعلق بالدين والسيرة النبوية. ولم يتعرض ابن أبي حاتم لمسألة وجود القعقاع ولا حضوره لمشاهد الفتوح ، ولا رأى ضعف سيف سببا للتشكيك في هذه الأمور. وقد أوضح ابن عبدالبر هذا غاية الوضوح في تعقيبه على كلام ابن أبي حاتم ، وهو لم يخالفه في شيء ، ولكنه حاصل كلامه أن الشك في الصحبة لا علاقة له باخباره الأخرى. ولو كان يريد التسوية بين التاريخ والحديث ، أو أن يرد رواية سيف ردا شاملا ، أو ان يشكك في وجود القعقاع وأخيه من الأساس ، أو ان سيفا يخترع الأسانيد ، أو ما إلى ذلك من الدعاوى ، فهذا هو المقام المناسب لذلك.
ولقد استغربت قول المالكي « لم يتعقبه بشيء » ، فالتعقيب واضح ( كتاب الرياض. ص ٥٤ ). نعم ، إنه لم يخالفه في نفي الصحبة بناء على ضعف سيف في الحديث ، ولكنه عقب بما يفيد جزمه بوجود القعقاع وأخيه. وهذا التعقيب
واضح الفائدة في توثيق سيف فيما يتعلق بوجود القعقاع ورواية التاريخ اجمالاً ، وهو موطن النزاع بين القصيد في مقالات الاستاذ.
وأغرب من ذلك قوله عن شهود القعقاع وفاة الرسول (ص) مسألة تاريخية بحتة ( كتاب الرياض ، ص ٩٥ ). والغرض منه التسوية بين التاريخ والحديث ، وادعاء أن قول ابن أبي حاتم رحمه الله « سيف متروك الحديث » معناه « سيف متروك الحديث والتاريخ ». فمن الواضح أن الأستاذ لم يتدبر الفرق بين الحديث والتاريخ. ومن التحامل والاندفاع وضعف الموضوعية ونقص المنهجية أن يأخذ جزءا من قول ابن أبي حاتم لأنه يصلح للغرض المطلوب ، ولا يشير إلى اقراره الضمني بأنه شخص حقيقي ، ولا إلى سكوته عن اتهام سيف بتزييف التاريخ بالجملة !.
وما لنا نذهب بعيداً في الاستدلال ، فمن أوضح الأدلة على تفريق علمائنا بين الأمرين كثرة روايات سيف وأبي مخنف والهيثم وابن الكلبي في كتبهم التاريخية ، وانعدامها في الصحاح والسنن وقد أوضح الأخ المالكي إكثار ابن حجر من الرواية عن سيف في الاصابة ولكنه لم ينقل عنه شيئا في فتح الباري ( كتاب الرياض ، ١٠٥ ـ ١٠٦ ) فالتفسير الواضح لذلك أن الأول كتاب تاريخ والثاني كتاب حديث.
ولا يخفى أن هذا المسلك في التفريق غير ممكن إذا كان الذي بين أيدينا إنما هو رواية هؤلاء الضعفاء في الحديث ، وهذا هو الواقع ههنا لأننا لا نجد في الصحيحين مثلاً شيئاً عن القعقاع أما إذا وجدنا في الصحيحين أو غيرهما رواية أقوى من مثيلاتها عند سيف أو غيره فلا شك أنه يجب تقديمها عليها ، ولا أعرف من يخالف في ذلك أو يجادل في اعتبار الروايات الصحيحة في كتب الحديث