أركان العقيدة. وما لنا نذهب بعيداً ، فالعسكري طبق نظريته أولاً على قضايا خلافية ذات صبغة عقائدية أخطر بكثير من مسألة القعقاع ، و أهمها بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة.
ولا أدري ماذا يبقى من تاريخ الطبري ـ والتاريخ الإسلامي كله ـ إذا ألقينا سبعمائة وثلاثين خبراً من أخباره في مهملات التاريخ ومنكراته كما طلب الأستاذ ( كتاب الرياض ، ٦٢ ) من غير حاجة للنظر في متونها ومن غير اشتراط وجود روايات أحسن منها ولا أعني النسبة العددية لأنها قليلة بالقياس إلى حجم الكتاب ، بل منزلة الكتاب والثقة به وبصاحبه ، فسيكون كالرجل الشريف ، الذي لحقه العار أو الصدوق الذي جرب عليه الكذب.
ولا يلزم من قولي هذا أن المالكي يرى ذلك كله ، ولا ندري ماذا سيكون موضوع الكتابات القادمة ، ولكنه نتيجة حتمية لكلامه. إنه كما قلت فتق واسع نعرف أوله ونجهل آخره.
بين الحديث والتاريخ
لقد لاحظ العلماء الفوارق بين الحديث والتاريخ منذ العصور الأولى ، فتشددوا في رواية الحديث وتساهلوا بعض الشيء في رواية الأخبار والوقائع ، فقبلوا روايات أمثال سيف بن عمر في التاريخ ، وهشام بن محمد الكلبي في الأنساب ، وأبي عبيدة في أيام العرب ، وكثير من الأدباء واللغويين في مجال اختصاصهم ولا يعقل أن يشترط في رواية فتح الأندلس مثلا ما يشترط في رواية غزوة بدر وليس من الصعب التفريق بين سيف المحدث وبين سيف المؤرخ أو بين هشام المحدث وبين هشام الإخباري النسابة ، فإذا رووا الحوادث
والأخبار والأنساب واللغة والشعر فلا بأس ، وإذا رووا شيئا من الحديث والأحكام الشرعية فلا.
واليك مثالاً على هذه التفرقة ، فقد ترجم الحافظ ابن عبد البر للقعقاع بن عمرو في الاستيعاب فقال ( القعقاع بن عمرو التميمي قال شهدت وفاة النبي (ص) ، فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تميم عن أبيه عنه قال ابن أبي حاتم : سيف متروك الحديث ، فبطل ما جاء من ذلك. قال أبو عمر هو أخو عاصم بن عمرو التميمي ، وكان لهما البلاء الجميل والمقامات المحمودة في القادسية ، لهما ولهاشم بن عتبة وعمرو بن معديكرب ). فمن الواضح أن كلمة « ذلك » في قول ابن أبي حاتم تعني ما مر في أول الكلام من قول القعقاع إنه شهد الوفاة ، واذن فقوله ( سيف متروك الحديث ، فبطل ما جاء في ذلك ) معناه أنه لا يؤخذ بقوله في مسألة الصحبة لأن هذا الأمر يتعلق بالدين والسيرة النبوية. ولم يتعرض ابن أبي حاتم لمسألة وجود القعقاع ولا حضوره لمشاهد الفتوح ، ولا رأى ضعف سيف سببا للتشكيك في هذه الأمور. وقد أوضح ابن عبدالبر هذا غاية الوضوح في تعقيبه على كلام ابن أبي حاتم ، وهو لم يخالفه في شيء ، ولكنه حاصل كلامه أن الشك في الصحبة لا علاقة له باخباره الأخرى. ولو كان يريد التسوية بين التاريخ والحديث ، أو أن يرد رواية سيف ردا شاملا ، أو ان يشكك في وجود القعقاع وأخيه من الأساس ، أو ان سيفا يخترع الأسانيد ، أو ما إلى ذلك من الدعاوى ، فهذا هو المقام المناسب لذلك.
ولقد استغربت قول المالكي « لم يتعقبه بشيء » ، فالتعقيب واضح ( كتاب الرياض. ص ٥٤ ). نعم ، إنه لم يخالفه في نفي الصحبة بناء على ضعف سيف في الحديث ، ولكنه عقب بما يفيد جزمه بوجود القعقاع وأخيه. وهذا التعقيب
واضح الفائدة في توثيق سيف فيما يتعلق بوجود القعقاع ورواية التاريخ اجمالاً ، وهو موطن النزاع بين القصيد في مقالات الاستاذ.
وأغرب من ذلك قوله عن شهود القعقاع وفاة الرسول (ص) مسألة تاريخية بحتة ( كتاب الرياض ، ص ٩٥ ). والغرض منه التسوية بين التاريخ والحديث ، وادعاء أن قول ابن أبي حاتم رحمه الله « سيف متروك الحديث » معناه « سيف متروك الحديث والتاريخ ». فمن الواضح أن الأستاذ لم يتدبر الفرق بين الحديث والتاريخ. ومن التحامل والاندفاع وضعف الموضوعية ونقص المنهجية أن يأخذ جزءا من قول ابن أبي حاتم لأنه يصلح للغرض المطلوب ، ولا يشير إلى اقراره الضمني بأنه شخص حقيقي ، ولا إلى سكوته عن اتهام سيف بتزييف التاريخ بالجملة !.
وما لنا نذهب بعيداً في الاستدلال ، فمن أوضح الأدلة على تفريق علمائنا بين الأمرين كثرة روايات سيف وأبي مخنف والهيثم وابن الكلبي في كتبهم التاريخية ، وانعدامها في الصحاح والسنن وقد أوضح الأخ المالكي إكثار ابن حجر من الرواية عن سيف في الاصابة ولكنه لم ينقل عنه شيئا في فتح الباري ( كتاب الرياض ، ١٠٥ ـ ١٠٦ ) فالتفسير الواضح لذلك أن الأول كتاب تاريخ والثاني كتاب حديث.
ولا يخفى أن هذا المسلك في التفريق غير ممكن إذا كان الذي بين أيدينا إنما هو رواية هؤلاء الضعفاء في الحديث ، وهذا هو الواقع ههنا لأننا لا نجد في الصحيحين مثلاً شيئاً عن القعقاع أما إذا وجدنا في الصحيحين أو غيرهما رواية أقوى من مثيلاتها عند سيف أو غيره فلا شك أنه يجب تقديمها عليها ، ولا أعرف من يخالف في ذلك أو يجادل في اعتبار الروايات الصحيحة في كتب الحديث
أقوى من غيرها عند الاختلاف ، وان تخلف التطبيق في كثير من الأحيان. وهذه النقطة ـ أعني تخلف التطبيق فقط ـ مهمة جداً يشكر الأخ المالكي عليها ، لأنه قد أوضحها وضرب لها أمثلة جيدة عليها ويلاحظ أن كثيراً من المتخصصين في العلوم التاريخية والأدبية لا يكادون يفقهون شيئاً في مصطلح الحديث ، ولا يعرفون دراسة الأسانيد والترجيح بين الروايات على منهج السلف ، وهذا من آثار مناهج التعليم الغربية من غير شك.
فمن المغالطة إذن أن يلبس العسكري لباس التشدد ، فيقول سيف ضعيف متهم بالكذب وقد قيل فيه كذا وكذا ، ويسرد أقوال المحدثين ويوهم أن المقصود بها رواياته التاريخية التي لا مقابل لها اقوى منها هذا مع أنه في واقع الامر لا يعبأ بالصحيحين !
وقد ذهب الأخ المالكي إلى أن الحديث والتاريخ شيء واحد لا فرق بينهما ( كتاب الرياض ، ٩٧ ـ ١٠١ ) ، وجعل الخلاف بينهما من « باب الأولى » بمعنى أن الذي يكذب في الحديث أحرى به أن يكذب في التاريخ ( كتاب الرياض ، ٩٢ ) ولم يأت بدليل إلا الاستنباط العقلي ، وقد سبق أن انتقد هذا الأمر بعينه على الآخرين ( نفسه ، ٢٢ ) وهذا الاحتجاج العقلي غير مستقيم ، وليس هذا هو التصور الصحيح للمسألة ، فإن رواية حديث الرسول ـ (ص) لا بد فيها من الاحتياط وزيادة الشروط والمواصفات أن الخلل فيها عظيم الأثر في حياة الأمة دينا ودنيا ، ومن المعلوم بالضرورة أن الإنسان قد يوثق به في الأمور الصغرى والمبالغ المالية القليلة ولا يوثق به فيما وراء ذلك ، فالقول بأن الكذب على الرسول في (ص) يعني بالضرورة الكذب على سائر الناس ليس بصحيح ، وما كنت أظن هذا يخفى على الأستاذ فالحاصل أنه يريد أيضاً اعتبار متون سيف
كالأحاديث النبوية ، ويستشهد بأقوال المحدثين لرد رواياته في التاريخ من غير اشتراط وجود روايات أقوى منها.
بين النقل والتوثيق
من الملاحظ أن الأستاذ المالكي لا يتصور أن احداً يمكن أن يوثق سيف بن عمر سواء في رواية الحديث أو في رواية التاريخ ، وقد بذل غاية جهده في نقل الأقوال في تضعيفه حتى عن بعض أهل عصرنا ، مع الإيهام بأنها تنطبق على التاريخ كما تنطبق على الحديث لأنهما كالشيء الواحد. فاذا وجد شيئا لا يتفق مع المطلوب بذل غاية جهده لازاحته عن الطريق. واكتفى من ذلك بأربعة أمثلة :
قوله : إن الطبري يعتبر ممن ضعف سيف بن عمر ( كتاب الرياض ، ٥٢ ).
قوله : عن شهود القعقاع وفاة الرسول في (ص) « مسألة تاريخية بحتة » ، لتوجيه كلام ابن أبي حاتم بحيث يشمل التاريخ ، ومضى بيانه.
قوله عن الحافظ ابن عبد البر : ( لم يعقب بشيء ) ، ومضى بيانه.
محاولة اسقاط كلمة الحافظ الذهبي « كان اخبارياً عارفاً بأوهى الحجج ( كتاب الرياض ، ٨٤ ) ..
محاولة اسقاط كلمة الحافظ ابن حجر الصريحة « ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ » بشتى الحجج ( كتاب الرياض ، ٥٥ و ١٠٥ ـ ١٠٨ ).
فلما رأى كثرة دوران رواياته التاريخية في كتاب الحفاظ والعلماء الأثبات ، لم يجد من حيلة إلا بتر الصلة بين النقل والتوثيق فهذه النقول الكثيرة لا تعني شيئا ، لا تحسب له بل عليه ، لأنها كأقوال الشياطين والكفار والمنافقين في القرآن الكريم ( كتاب الرياض ، ٨٣ ). وما كان له أن ينحدر في التحامل إلى
هذا الحد ، ولا أعتقد ان انسانا لديه ذرة من عقل يوافقه على أن كلام سيف الموجود في تاريخ الطبري ككلام الشياطين الموجود في القرآن الكريم وفي تاريخ الطبري أيضاً.
فلا بأس ـ ما دام الأمر يخفى عليه ـ بايضاح هذه المسألة ، راجياً ممن يجد في قولي هذا غلطاً أن يتفضل مشكوراً ببيان الصواب فإن نقل العلماء الأثبات ، أو حتى أهل الصدق من عامة الناس ، للروايات والأخبار وسكوتهم عن تمريضها ، يدل على اقتناعهم بصحتها ، بصرف النظر عن صحتها في ذاتها وسواء أكان ذلك بأسانيد فالطبري مثلا حين يسوق أخبار الفتوح او الفتنة نقلا عن سيف ، فإنه إنما يكتب ما اطمأنت إليه نفسه على وجه الاجمال ، ولقد كانت المصادر وفيرة بين يديه فاختاره لهذا السبب فهذا النقل يحمل معنى التوثيق ، أي الشهادة الضمنية لهذه الأخبار بالصحة.
وإذا كان الطبري يطمئن إلى رواياته بحيث ينقل عنه ثمانمائة رواية كما احصى الأستاذ مشكورا ، فهذا دليل لا يدحض على أنه يراه عمدة في التاريخ ، وهذا بيت القصيد.
ولا يعقل أن يعتقد أنه كذب وضاع وان هذه الأخبار والأسماء مختلقة ، وان كلامه من نوع كلام الشياطين والكفار والمنافقين ، فينقله ويسكت عليه ، ولو فعل ذلك لكان مفرطاً غاشاً للأمة ، وهو ما صنف كتابه إلا لتدوين التاريخ الصحيح على ما وصل إليه علمه واجتهاده وشعوره بالمسؤولية. وهو يعد من أعظم علماء الإسلام وفقهاء الأمة ومؤرخيها.
ولا ينبغي الخلط بين هذا المعني وبين الصحة الأخبار في ذاتها وقاعدة أن العهدة على الرواي ، فإن الطبري لا يجعل نفسه مسؤولا عن صحتها ، وإنما
أوردها لانه يغلب على ظنه أنها صحيحة ومثله أنك إذا استشهدت ببيت من شعر احمد شوقي مثلاً وأو ضحت مكانه في الديوان ، فلأنك تعتقد بأنه من شعره ، ولكنك لا تضمن ذلك ولا تسأل عنه ، فإن تبين انه مدسوس على الديوان فالعهدة على ناشر الديوان ، ويترتب على ذلك أن كثيرا من فحول العلماء في جميع العصور ـ ولا سيما القريبين من عصر سيف ـ كانوا يعتقدون بصحة رواياته التاريخية على وجه اللاجمال ، كما كانوا يعتقدون ان كلام ابن الكلبي في الأنساب صحيح على وجه الإجمال ، لا من باب التسليم الأعمى ، بل لأنه لم يظهر لهم ما يدعوا إلى الارتياب.
الإعراض عن الطبري
(١٦) وأرى البحث يتكامل إلاّ ببحث حال الإمام محمد بن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ بحثا صريحاً ، لأن روايات سيف ما كانت لتبلغ هذا المبلغ لو لا تفضيله إياها على غيرها من تاريخه الذي أصبح أهم كتب التاريخ. فلا بد من ايضاح السبب الحادي به إلى الاعتماد على مصنع الأكاذيب هذا.
ولم أر لدى الأستاذ المالكي عناية ببحث حاله وبسبب غشه للأمة بهذه الأباطيل الهاذلة ، ولا سيما أنه يراها أكاذيب مكشوفة ليس من الصعب اكتشافها حتى على المستشرقين والمبتدعة ، بل وجدت لديه مراوغة عن بحث هذا الأمر ( كتاب الرياض ، ص ٥٣ ) ، بل إنه ليعتبر الطبري ممن ضعف سيف بن عمر في التاريخ ( كتاب الرياض ، ص ٥٣ ) ، وهذا من العجائب ولكن الإشكال باق على حاله ، فإذا كان سيف من أعظم الوضاعين فلابد أن يكون الطبري من أعظم المغفلين أو من أعظم الغشاشين ، لا محالة ، فلماذا أعرض عن تجريحه كما فعل مع
أساتذة الجامعات السعودية أليس هو المسؤول ، عن اغراق التاريخ وافساده ، الا ينطبق عليه ما قاله عنهم تعطيل النصوص والعقول !! مراعاة الوضع السائد ، الغش والتدليس واستغفال القارئ وطلاء الباطل بطلاء الحق ، تأسيس الجهل العلمي !! اللغة أهل العلم والتحقيق !! والمضمون لكلام أهل الجهل والتلفيق !! هذا بعض ما قال برموزه ، فما الفرق بين الطبري وبينهم ؟
اختلاق الأشخاص
(١٧) لقد كان يجب عليه ـ وقد صح عزمه على سلوك هذا الطريق أن يبدأ بتأصيل القواعد بالأسلوب العلمي الصحيح ، وطرحها على أصحاب الاختصاص ليقولوا رأيهم فيها ، ثم يبدأ بالتطبيق بعد ذلك ، أما قبل ذلك فلو كتب مائة مقالة تطبيقية فلا قيمة لها ، إلا إذا تمكن من اقناع ، القرّاء بصحة المبادىء العامة فلا بد من اثبات ان سيف بن عمر كان « يختلق » أسماء الصحابة والتابعين والمعارك والأشعار والبلدان ، وايضاح أسباب هذا الأمر ودوافعه والشواهد عليه من حياته وسيرته وأهوائه وأقوال أهل عصره فيه ، وهل ثبت ثبوتا أكيدا وقوع ذلك منه أم أنه ظنون مجردة واحتمالات نظرية وشيق صدر برواياته. وهذا هو زمام المسألة كلها.
واختلاق الشخصيات أمر غريب في ذاته ، ويحتاج إلى شرح وبيان واثبات ، وهو أصعب بكثير مما يوهم كلامه. فهل من اليسير مثلا على أحد رواة الشعر النبطي أن يخترع أسماء عشرات الشعراء ويزعهم أنهم عاشوا قبل قرن أو قرنين الجواب بطبيعة الحال أنه أمر غير ميسور لأسباب كثيرة ، ومن أراد فليجرب اختراع شاعرا واحدا وليس من السهل على أحد ان يخدع جميع