بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 270

كالأحاديث النبوية ، ويستشهد بأقوال المحدثين لرد رواياته في التاريخ من غير اشتراط وجود روايات أقوى منها.

بين النقل والتوثيق

من الملاحظ أن الأستاذ المالكي لا يتصور أن احداً يمكن أن يوثق سيف بن عمر سواء في رواية الحديث أو في رواية التاريخ ، وقد بذل غاية جهده في نقل الأقوال في تضعيفه حتى عن بعض أهل عصرنا ، مع الإيهام بأنها تنطبق على التاريخ كما تنطبق على الحديث لأنهما كالشيء الواحد. فاذا وجد شيئا لا يتفق مع المطلوب بذل غاية جهده لازاحته عن الطريق. واكتفى من ذلك بأربعة أمثلة :

قوله : إن الطبري يعتبر ممن ضعف سيف بن عمر ( كتاب الرياض ، ٥٢ ).

قوله : عن شهود القعقاع وفاة الرسول في (ص) « مسألة تاريخية بحتة » ، لتوجيه كلام ابن أبي حاتم بحيث يشمل التاريخ ، ومضى بيانه.

قوله عن الحافظ ابن عبد البر : ( لم يعقب بشيء ) ، ومضى بيانه.

محاولة اسقاط كلمة الحافظ الذهبي « كان اخبارياً عارفاً بأوهى الحجج ( كتاب الرياض ، ٨٤ ) ..

محاولة اسقاط كلمة الحافظ ابن حجر الصريحة « ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ » بشتى الحجج ( كتاب الرياض ، ٥٥ و ١٠٥ ـ ١٠٨ ).

فلما رأى كثرة دوران رواياته التاريخية في كتاب الحفاظ والعلماء الأثبات ، لم يجد من حيلة إلا بتر الصلة بين النقل والتوثيق فهذه النقول الكثيرة لا تعني شيئا ، لا تحسب له بل عليه ، لأنها كأقوال الشياطين والكفار والمنافقين في القرآن الكريم ( كتاب الرياض ، ٨٣ ). وما كان له أن ينحدر في التحامل إلى


صفحه 271

هذا الحد ، ولا أعتقد ان انسانا لديه ذرة من عقل يوافقه على أن كلام سيف الموجود في تاريخ الطبري ككلام الشياطين الموجود في القرآن الكريم وفي تاريخ الطبري أيضاً.

فلا بأس ـ ما دام الأمر يخفى عليه ـ بايضاح هذه المسألة ، راجياً ممن يجد في قولي هذا غلطاً أن يتفضل مشكوراً ببيان الصواب فإن نقل العلماء الأثبات ، أو حتى أهل الصدق من عامة الناس ، للروايات والأخبار وسكوتهم عن تمريضها ، يدل على اقتناعهم بصحتها ، بصرف النظر عن صحتها في ذاتها وسواء أكان ذلك بأسانيد فالطبري مثلا حين يسوق أخبار الفتوح او الفتنة نقلا عن سيف ، فإنه إنما يكتب ما اطمأنت إليه نفسه على وجه الاجمال ، ولقد كانت المصادر وفيرة بين يديه فاختاره لهذا السبب فهذا النقل يحمل معنى التوثيق ، أي الشهادة الضمنية لهذه الأخبار بالصحة.

وإذا كان الطبري يطمئن إلى رواياته بحيث ينقل عنه ثمانمائة رواية كما احصى الأستاذ مشكورا ، فهذا دليل لا يدحض على أنه يراه عمدة في التاريخ ، وهذا بيت القصيد.

ولا يعقل أن يعتقد أنه كذب وضاع وان هذه الأخبار والأسماء مختلقة ، وان كلامه من نوع كلام الشياطين والكفار والمنافقين ، فينقله ويسكت عليه ، ولو فعل ذلك لكان مفرطاً غاشاً للأمة ، وهو ما صنف كتابه إلا لتدوين التاريخ الصحيح على ما وصل إليه علمه واجتهاده وشعوره بالمسؤولية. وهو يعد من أعظم علماء الإسلام وفقهاء الأمة ومؤرخيها.

ولا ينبغي الخلط بين هذا المعني وبين الصحة الأخبار في ذاتها وقاعدة أن العهدة على الرواي ، فإن الطبري لا يجعل نفسه مسؤولا عن صحتها ، وإنما


صفحه 272

أوردها لانه يغلب على ظنه أنها صحيحة ومثله أنك إذا استشهدت ببيت من شعر احمد شوقي مثلاً وأو ضحت مكانه في الديوان ، فلأنك تعتقد بأنه من شعره ، ولكنك لا تضمن ذلك ولا تسأل عنه ، فإن تبين انه مدسوس على الديوان فالعهدة على ناشر الديوان ، ويترتب على ذلك أن كثيرا من فحول العلماء في جميع العصور ـ ولا سيما القريبين من عصر سيف ـ كانوا يعتقدون بصحة رواياته التاريخية على وجه اللاجمال ، كما كانوا يعتقدون ان كلام ابن الكلبي في الأنساب صحيح على وجه الإجمال ، لا من باب التسليم الأعمى ، بل لأنه لم يظهر لهم ما يدعوا إلى الارتياب.

الإعراض عن الطبري

(١٦) وأرى البحث يتكامل إلاّ ببحث حال الإمام محمد بن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ بحثا صريحاً ، لأن روايات سيف ما كانت لتبلغ هذا المبلغ لو لا تفضيله إياها على غيرها من تاريخه الذي أصبح أهم كتب التاريخ. فلا بد من ايضاح السبب الحادي به إلى الاعتماد على مصنع الأكاذيب هذا.

ولم أر لدى الأستاذ المالكي عناية ببحث حاله وبسبب غشه للأمة بهذه الأباطيل الهاذلة ، ولا سيما أنه يراها أكاذيب مكشوفة ليس من الصعب اكتشافها حتى على المستشرقين والمبتدعة ، بل وجدت لديه مراوغة عن بحث هذا الأمر ( كتاب الرياض ، ص ٥٣ ) ، بل إنه ليعتبر الطبري ممن ضعف سيف بن عمر في التاريخ ( كتاب الرياض ، ص ٥٣ ) ، وهذا من العجائب ولكن الإشكال باق على حاله ، فإذا كان سيف من أعظم الوضاعين فلابد أن يكون الطبري من أعظم المغفلين أو من أعظم الغشاشين ، لا محالة ، فلماذا أعرض عن تجريحه كما فعل مع


صفحه 273

أساتذة الجامعات السعودية أليس هو المسؤول ، عن اغراق التاريخ وافساده ، الا ينطبق عليه ما قاله عنهم تعطيل النصوص والعقول !! مراعاة الوضع السائد ، الغش والتدليس واستغفال القارئ وطلاء الباطل بطلاء الحق ، تأسيس الجهل العلمي !! اللغة أهل العلم والتحقيق !! والمضمون لكلام أهل الجهل والتلفيق !! هذا بعض ما قال برموزه ، فما الفرق بين الطبري وبينهم ؟

اختلاق الأشخاص

(١٧) لقد كان يجب عليه ـ وقد صح عزمه على سلوك هذا الطريق أن يبدأ بتأصيل القواعد بالأسلوب العلمي الصحيح ، وطرحها على أصحاب الاختصاص ليقولوا رأيهم فيها ، ثم يبدأ بالتطبيق بعد ذلك ، أما قبل ذلك فلو كتب مائة مقالة تطبيقية فلا قيمة لها ، إلا إذا تمكن من اقناع ، القرّاء بصحة المبادىء العامة فلا بد من اثبات ان سيف بن عمر كان « يختلق » أسماء الصحابة والتابعين والمعارك والأشعار والبلدان ، وايضاح أسباب هذا الأمر ودوافعه والشواهد عليه من حياته وسيرته وأهوائه وأقوال أهل عصره فيه ، وهل ثبت ثبوتا أكيدا وقوع ذلك منه أم أنه ظنون مجردة واحتمالات نظرية وشيق صدر برواياته. وهذا هو زمام المسألة كلها.

واختلاق الشخصيات أمر غريب في ذاته ، ويحتاج إلى شرح وبيان واثبات ، وهو أصعب بكثير مما يوهم كلامه. فهل من اليسير مثلا على أحد رواة الشعر النبطي أن يخترع أسماء عشرات الشعراء ويزعهم أنهم عاشوا قبل قرن أو قرنين الجواب بطبيعة الحال أنه أمر غير ميسور لأسباب كثيرة ، ومن أراد فليجرب اختراع شاعرا واحدا وليس من السهل على أحد ان يخدع جميع


صفحه 274

الناس ، فكيف إذا كان الكذب والتلفيق بهذا المقدار ، فلابد رابعا من اثبات أن باب اختلاق الأشخاص بهذا المقدار المزعوم أمر ممكن ، وأنهم تمكنوا من خديعة العلماء بذلك.

لقد كان من الواجب اعتبار التهمة من جميع جوانبها ، والنظر في جميع روايات الرجل عن القعقاع وغيره ، وهل تابعه أحد على ذكر بعض الأشخاص الذين له مصلحة في اختلاقهم ، واعتبار جيمع آراء العلماء القولية والعملية فيه ، إلى آخر الأمور التي لا بد من اعتبارها. فتكون النقاط سلبية وايجابية ، ثم يحكم له أو عليه. وقد فعل القدماء ذلك بهدوء ، وانتهى كثير منهم إلى قبول رواياته في التاريخ دون الحديث كما هو معلوم.

ثم لا بد من اثبات ان المسأبة التي يدور البحث حولها ـ القعقاع الآن وغيره في المستقبل ـ من ضمن تلك المخترعات ، وايضاح ان أخباره تتضمن من المبالغات غير المعقولة ما يستوجب الجزم بأنه اسطورة ، مع الأخذ في الاعتبار أن المبالغة قد تقع في أخبار الأشخاص الحقيقيين. أما جمهور الناس عبر القرون فلم يقرأوا في أخباره شيئاً يتجاوز الحدود ولقد كان من الافضل أن يفترض الاستاذ أن الأصل فيه أنه شخص حقيقي ، لانه مذكور في كثير من الكتب ، والإثبات مقدم على النفي ، ويعترف بأنه يسبح ضد التيار ، ثم يوضح بالدليل القوي والحجة القاهرة لماذا يجب ان يكون الأمر على العكس. فهذا هو مقتضى الانصاف ، وهكذا يصنع الباحثون وتبرز الجهود.

(١٨) هب أن أحد الرواة أورد كلمة أو خبرا فيه اسم ما ، وليكن القول المنسوب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ( سيف القعقاع خير من ألف رجل ) ، ثم اتضح أن الإسناد لا يوثق به لأي سبب ، فهل يعني ذلك أن ذلك


صفحه 275

الاسم مخترع لا وجود له أصلا أم أنهما مسألتان مختلفتان ولا بد من إثبات مسألة الاختراع على حده الواقع انهما مسألتان مختلفتان جداً ، وكون الأخبار لا يوثق بها لا يعني ان الإنسان اسطورة. وقد قرر الأستاذ ذلك وهو يتكلم عن الزير سالم وعنترة وحمزة البهلوان وسيف بن ذي يزن ، فقال ( هؤلاء لهم حقيقة ، لكن بولغ فيها جدا ) ، فهل القعقاع في أسوأ الأحوال إلا كذلك هل فرق بين المسألتين وأثبت الثانية بمعزل عن الأولى كلا ، بكل تأكيد.

واقع الأمر أنه لا يخلو مجتمع من شخصيات شعبية يقال إنهم عاشوا منذ قرون ، وينسب إليهم الناس كثيرا من الأخبار والأشعار والبطولات والطرائف التي لا يمكن اثبات شيء منها ، ومع ذلك لا يوجد مسوغ في الغالب للشك ، في اصل وجودهم فمن المغالطة أن يخلط بين انفراد سيف برواية أخبار القعقاع وبين كونه رجلا من نسج الخيال ، ويوهم القرّاء بان ضعف الأسانيد يعني بالضرورة انه ـ ومن سيأتي عليه الدور من الصحابة وغيرهم ـ أسطورة مختلقة تماماً كمدينة الحشرة.

فلو قال العسكري والمالكي عن القعقاع وأمثاله انهم مجاهيل إنفرد بهم سيف بن عمر لكان لهما بعض الحجة والعذر ، أصابا أو خطئا ولكن كلمة « مجهول » المنهجية الموضوعية الهادئة لا تخدم الغرض ، لأن المطلوب إثبات ان الأكاذيب الكبرى موجودة في تاريخنا الفاسد الهالك الغريق.

أسانيد سيف :

(١٩) من المعلوم بديهاً ـ حتى لغير المتخصصين ـ أنه ليس هناك صلة حتمية بين الأخبار الباطلة وبين الراوي الذي ذكرها في كتابه ، فلو كان القعقاع


صفحه 276

أسطورة حقاً فليس من الضروري أن يكون سيف ـ من بين الرجال المذكورين في الإسناد ـ هو الذي اختلقه إلاّ ببرهان واضح. هذا محمد بن إسحاق مثلا ، شحن السيرة بكثير من الأشعار المنحولة كما قال محمد بن سلام الجمحي وغيره ، فهل نقول : يجب بالضروة أن يكون هو الذي نظم تلك الأشعار وهل الغزالي هو مؤلف الأحاديث الباطلة الموجودة في احياء علوم الدين وهذه الأكاذيب التي تقال في المجالس هل من الضروري أن يكون المتكلم هو الذي اخترعها الواقع ان أكثر رواة الأخبار الباطلة لم يختلقوها بأنفسهم. وهذا لا يعفي أحدا من المسئولية ، ولكنه شيء آخر غير ما نحن فيه.

وقد أسند سيف أخباره إلى رواة سماهم بأسمائهم ، فيقول الطبري مثلاً ( كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي ) ، أو ( السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد عن قدامة الكاهلي ) أو ( السري عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه عن حميد بن أبي شجّار ) ، إلى آخر هذه الأسانيد المتفرعة بعد سيف وهي كثيرة جدا. فمن الجائز في منطق العقل والانصاف ـ إذا افترضنا بطلان هذه الأخبار أو وجود مبالغات فيها ـ أن يكون البلاء من الرواة السابقين عليه. وقد أوضح الأستاذ كثرة الضعف والجهالة فيهم وفي بعض الرواة عنه أيضاً ( كتاب الرياض ، ٦٧ ـ ٦٩ ). فاذا كان يرى أن هذه الأسانيد اسطورية وأن بعض الأسماء المذكورة فيها اسطورية ، فهذان فرضان جديدان لا بد من بحثهما واثباتهما قبل البحث في مسألة القعقاع ، ومن الممكن نظريا أن تكون الأسانيد حقيقية والمتون باطلة او العكس.

ولقد قال ( استخرجت روايات سيف بنفسي وبحثها رواية سنداً ومتناً ) ، ولا أجادله في هذا ، ولكني لم أر ما يدل على أنه درسها بالتفصيل اللازم


صفحه 277

وأثبت بالدليل القوي أن هذا الجمع والبحث قد أثبت أن الأسانيد مخترعة كالمتون أو مركبة ، ولا أن الرجال المذكورين فيها من الثقات الأثبات أو أنهم لا وجود لهم أصلا ، بحيث يجب أن تتجه التهمة إليه. وتحتاج هذه الدراسة إلى جهد كبير لاستقصاء الروايات المنسوبة إليهم في جيمع الكتب عن سيف وغيره ، والمقارنة بين الأسانيد والمتون لإثبات أن أسانيده اسطورية أو مركبة. ولم أر أثرا لذلك في مقالاته ولا منهجاً واضحاً في دراسة هذا الجانب المهم. ولا أرى فائدة من جهد هذا ، لأنه يريد الحكم على التاريخ بمقاييس الحديث ، ومعلوم سلفاً أنه ضعيف في الحديث ، ويغني عنه قول ابن أبي حاتم « متروك الحديث » وقد نادى بإلقاء هذه الروايات في مهملات التاريخ بعد أن استخرجها واحصاها ، وبإلقاء كتاب سيف المطبوع في مهملات التاريخ قبل الاستخراج والاحصاء وإنما يكون ذلك مفيداً لو أنه بحث المتون وقارنها بالروايات الأخرى وأوضح كم المعلول منها والمعارض بما هو أقوى منه وكم منها يمكن قبوله.

ولا أدري ماذا يقول الأستاذ في روايات سيف المقبولة متونها. هل يقول : إن المتون صحيحة والأسانيد اسطورية ؟ أم يقول : عقلي هو الفيصل والحكم ؟ فإن ورد في شيء منها اسم القعقاع ـ أو اسم إي انسان مختلق في رأيي ـ فالسند مختلق أيضاً ، وإذا لم يذكر فيه فالسند صحيح فهذا كله تعسف وتحامل ، لأنه ليس بيده دليل خارجي مستقل على أن الاسماء المذكورة في المتون أسطورية والذي أظنه انه جمع هذه الروايات وقرر أن متونها غير مقبولة لديه. ورأى أن اسم سيف موجود في جميعها ، فانتهى إلى اتهامه باختلاق المتون والأسانيد ، ولم يعتبر شيئا من الاحتمالات الكثيرة الأخرى.

وهذا الجانب يمكن أن يعصف بدعوى الاختلاق عصفاً ، لأن القعقاع