أساتذة الجامعات السعودية أليس هو المسؤول ، عن اغراق التاريخ وافساده ، الا ينطبق عليه ما قاله عنهم تعطيل النصوص والعقول !! مراعاة الوضع السائد ، الغش والتدليس واستغفال القارئ وطلاء الباطل بطلاء الحق ، تأسيس الجهل العلمي !! اللغة أهل العلم والتحقيق !! والمضمون لكلام أهل الجهل والتلفيق !! هذا بعض ما قال برموزه ، فما الفرق بين الطبري وبينهم ؟
اختلاق الأشخاص
(١٧) لقد كان يجب عليه ـ وقد صح عزمه على سلوك هذا الطريق أن يبدأ بتأصيل القواعد بالأسلوب العلمي الصحيح ، وطرحها على أصحاب الاختصاص ليقولوا رأيهم فيها ، ثم يبدأ بالتطبيق بعد ذلك ، أما قبل ذلك فلو كتب مائة مقالة تطبيقية فلا قيمة لها ، إلا إذا تمكن من اقناع ، القرّاء بصحة المبادىء العامة فلا بد من اثبات ان سيف بن عمر كان « يختلق » أسماء الصحابة والتابعين والمعارك والأشعار والبلدان ، وايضاح أسباب هذا الأمر ودوافعه والشواهد عليه من حياته وسيرته وأهوائه وأقوال أهل عصره فيه ، وهل ثبت ثبوتا أكيدا وقوع ذلك منه أم أنه ظنون مجردة واحتمالات نظرية وشيق صدر برواياته. وهذا هو زمام المسألة كلها.
واختلاق الشخصيات أمر غريب في ذاته ، ويحتاج إلى شرح وبيان واثبات ، وهو أصعب بكثير مما يوهم كلامه. فهل من اليسير مثلا على أحد رواة الشعر النبطي أن يخترع أسماء عشرات الشعراء ويزعهم أنهم عاشوا قبل قرن أو قرنين الجواب بطبيعة الحال أنه أمر غير ميسور لأسباب كثيرة ، ومن أراد فليجرب اختراع شاعرا واحدا وليس من السهل على أحد ان يخدع جميع
الناس ، فكيف إذا كان الكذب والتلفيق بهذا المقدار ، فلابد رابعا من اثبات أن باب اختلاق الأشخاص بهذا المقدار المزعوم أمر ممكن ، وأنهم تمكنوا من خديعة العلماء بذلك.
لقد كان من الواجب اعتبار التهمة من جميع جوانبها ، والنظر في جميع روايات الرجل عن القعقاع وغيره ، وهل تابعه أحد على ذكر بعض الأشخاص الذين له مصلحة في اختلاقهم ، واعتبار جيمع آراء العلماء القولية والعملية فيه ، إلى آخر الأمور التي لا بد من اعتبارها. فتكون النقاط سلبية وايجابية ، ثم يحكم له أو عليه. وقد فعل القدماء ذلك بهدوء ، وانتهى كثير منهم إلى قبول رواياته في التاريخ دون الحديث كما هو معلوم.
ثم لا بد من اثبات ان المسأبة التي يدور البحث حولها ـ القعقاع الآن وغيره في المستقبل ـ من ضمن تلك المخترعات ، وايضاح ان أخباره تتضمن من المبالغات غير المعقولة ما يستوجب الجزم بأنه اسطورة ، مع الأخذ في الاعتبار أن المبالغة قد تقع في أخبار الأشخاص الحقيقيين. أما جمهور الناس عبر القرون فلم يقرأوا في أخباره شيئاً يتجاوز الحدود ولقد كان من الافضل أن يفترض الاستاذ أن الأصل فيه أنه شخص حقيقي ، لانه مذكور في كثير من الكتب ، والإثبات مقدم على النفي ، ويعترف بأنه يسبح ضد التيار ، ثم يوضح بالدليل القوي والحجة القاهرة لماذا يجب ان يكون الأمر على العكس. فهذا هو مقتضى الانصاف ، وهكذا يصنع الباحثون وتبرز الجهود.
(١٨) هب أن أحد الرواة أورد كلمة أو خبرا فيه اسم ما ، وليكن القول المنسوب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ( سيف القعقاع خير من ألف رجل ) ، ثم اتضح أن الإسناد لا يوثق به لأي سبب ، فهل يعني ذلك أن ذلك
الاسم مخترع لا وجود له أصلا أم أنهما مسألتان مختلفتان ولا بد من إثبات مسألة الاختراع على حده الواقع انهما مسألتان مختلفتان جداً ، وكون الأخبار لا يوثق بها لا يعني ان الإنسان اسطورة. وقد قرر الأستاذ ذلك وهو يتكلم عن الزير سالم وعنترة وحمزة البهلوان وسيف بن ذي يزن ، فقال ( هؤلاء لهم حقيقة ، لكن بولغ فيها جدا ) ، فهل القعقاع في أسوأ الأحوال إلا كذلك هل فرق بين المسألتين وأثبت الثانية بمعزل عن الأولى كلا ، بكل تأكيد.
واقع الأمر أنه لا يخلو مجتمع من شخصيات شعبية يقال إنهم عاشوا منذ قرون ، وينسب إليهم الناس كثيرا من الأخبار والأشعار والبطولات والطرائف التي لا يمكن اثبات شيء منها ، ومع ذلك لا يوجد مسوغ في الغالب للشك ، في اصل وجودهم فمن المغالطة أن يخلط بين انفراد سيف برواية أخبار القعقاع وبين كونه رجلا من نسج الخيال ، ويوهم القرّاء بان ضعف الأسانيد يعني بالضرورة انه ـ ومن سيأتي عليه الدور من الصحابة وغيرهم ـ أسطورة مختلقة تماماً كمدينة الحشرة.
فلو قال العسكري والمالكي عن القعقاع وأمثاله انهم مجاهيل إنفرد بهم سيف بن عمر لكان لهما بعض الحجة والعذر ، أصابا أو خطئا ولكن كلمة « مجهول » المنهجية الموضوعية الهادئة لا تخدم الغرض ، لأن المطلوب إثبات ان الأكاذيب الكبرى موجودة في تاريخنا الفاسد الهالك الغريق.
أسانيد سيف :
(١٩) من المعلوم بديهاً ـ حتى لغير المتخصصين ـ أنه ليس هناك صلة حتمية بين الأخبار الباطلة وبين الراوي الذي ذكرها في كتابه ، فلو كان القعقاع
أسطورة حقاً فليس من الضروري أن يكون سيف ـ من بين الرجال المذكورين في الإسناد ـ هو الذي اختلقه إلاّ ببرهان واضح. هذا محمد بن إسحاق مثلا ، شحن السيرة بكثير من الأشعار المنحولة كما قال محمد بن سلام الجمحي وغيره ، فهل نقول : يجب بالضروة أن يكون هو الذي نظم تلك الأشعار وهل الغزالي هو مؤلف الأحاديث الباطلة الموجودة في احياء علوم الدين وهذه الأكاذيب التي تقال في المجالس هل من الضروري أن يكون المتكلم هو الذي اخترعها الواقع ان أكثر رواة الأخبار الباطلة لم يختلقوها بأنفسهم. وهذا لا يعفي أحدا من المسئولية ، ولكنه شيء آخر غير ما نحن فيه.
وقد أسند سيف أخباره إلى رواة سماهم بأسمائهم ، فيقول الطبري مثلاً ( كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي ) ، أو ( السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد عن قدامة الكاهلي ) أو ( السري عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه عن حميد بن أبي شجّار ) ، إلى آخر هذه الأسانيد المتفرعة بعد سيف وهي كثيرة جدا. فمن الجائز في منطق العقل والانصاف ـ إذا افترضنا بطلان هذه الأخبار أو وجود مبالغات فيها ـ أن يكون البلاء من الرواة السابقين عليه. وقد أوضح الأستاذ كثرة الضعف والجهالة فيهم وفي بعض الرواة عنه أيضاً ( كتاب الرياض ، ٦٧ ـ ٦٩ ). فاذا كان يرى أن هذه الأسانيد اسطورية وأن بعض الأسماء المذكورة فيها اسطورية ، فهذان فرضان جديدان لا بد من بحثهما واثباتهما قبل البحث في مسألة القعقاع ، ومن الممكن نظريا أن تكون الأسانيد حقيقية والمتون باطلة او العكس.
ولقد قال ( استخرجت روايات سيف بنفسي وبحثها رواية سنداً ومتناً ) ، ولا أجادله في هذا ، ولكني لم أر ما يدل على أنه درسها بالتفصيل اللازم
وأثبت بالدليل القوي أن هذا الجمع والبحث قد أثبت أن الأسانيد مخترعة كالمتون أو مركبة ، ولا أن الرجال المذكورين فيها من الثقات الأثبات أو أنهم لا وجود لهم أصلا ، بحيث يجب أن تتجه التهمة إليه. وتحتاج هذه الدراسة إلى جهد كبير لاستقصاء الروايات المنسوبة إليهم في جيمع الكتب عن سيف وغيره ، والمقارنة بين الأسانيد والمتون لإثبات أن أسانيده اسطورية أو مركبة. ولم أر أثرا لذلك في مقالاته ولا منهجاً واضحاً في دراسة هذا الجانب المهم. ولا أرى فائدة من جهد هذا ، لأنه يريد الحكم على التاريخ بمقاييس الحديث ، ومعلوم سلفاً أنه ضعيف في الحديث ، ويغني عنه قول ابن أبي حاتم « متروك الحديث » وقد نادى بإلقاء هذه الروايات في مهملات التاريخ بعد أن استخرجها واحصاها ، وبإلقاء كتاب سيف المطبوع في مهملات التاريخ قبل الاستخراج والاحصاء وإنما يكون ذلك مفيداً لو أنه بحث المتون وقارنها بالروايات الأخرى وأوضح كم المعلول منها والمعارض بما هو أقوى منه وكم منها يمكن قبوله.
ولا أدري ماذا يقول الأستاذ في روايات سيف المقبولة متونها. هل يقول : إن المتون صحيحة والأسانيد اسطورية ؟ أم يقول : عقلي هو الفيصل والحكم ؟ فإن ورد في شيء منها اسم القعقاع ـ أو اسم إي انسان مختلق في رأيي ـ فالسند مختلق أيضاً ، وإذا لم يذكر فيه فالسند صحيح فهذا كله تعسف وتحامل ، لأنه ليس بيده دليل خارجي مستقل على أن الاسماء المذكورة في المتون أسطورية والذي أظنه انه جمع هذه الروايات وقرر أن متونها غير مقبولة لديه. ورأى أن اسم سيف موجود في جميعها ، فانتهى إلى اتهامه باختلاق المتون والأسانيد ، ولم يعتبر شيئا من الاحتمالات الكثيرة الأخرى.
وهذا الجانب يمكن أن يعصف بدعوى الاختلاق عصفاً ، لأن القعقاع
مذكور في أسانيد متعددة من روايات سيف عن الشعبي وغيره بحيث يشهد بعضها لبعض ، ولا سبيل إلى ابطاها جميعاً إلاّ بإثبات أن الأسانيد اسطورية ايضاً ، بمعنى انه ـ بعد ان اختلق اسم القعقاع وصنع الاخبار اللازمة ـ صنع لها أسانيد لا أصل لها باستخدام اسماء حقيقية أو خيالية فدعوى الاختلاق يجب أن تكون مزدوجة ذات شقين وتبحث على هذا الأساس : أن المتون وما فيها من الأسماء مخترعة ، وأن الأسانيد المصاحبة لها مخترعة. والذي أراه أن اختراع الأسانيد ما كان ليخفى على جهابذة الحديث من معاصريه أو من تلاميذهم كالطبري وابن أبي حاتم.
وفي كلام الأستاذ في هذا الباب تناقض من أغرب ما يكون فقد قال : « من علامات ضعف الراوي أنه يروي عن كثير من المجهولين ، مما قد يسبق إلى الظن انه يختلق الرواة وينسب إليهم أقوالاً مما عنده » ، فأوضح مشكورا أنه خاطر وقع له وسبق إلى ظنه ولكن هذا الظن سرعان ما انقلب إلى يقين ، إذ قال بعد قليل : « وقد اتهم سيف باختلاق أسماء للرواة الذين ليس لهم وجود أصلاً بينما تكون الروايات من إنشائه !! » ، هكذا بصيغة المبني للمجهول ( كتاب الرياض ، ٦٣ و ٦٨ ) ولقد بحثت عبثاً في لائحة الاتهامات عن هذا الفاعل المجهول فلم أجد أحداً من القدماء ذكر أنه يختلق الأسماء المذكورة في الأسانيد ، فلم يبق إلا أن الأستاذ يعني بذلك نفسه ، وتذكرت قاضي واسط الذي تعرض للمأمون في الطريق للثناء على قاضي واسط !.
فقول الأستاذ : « مما قد يسبق إلى الظن انه يختلق الرواة » يشبه قول العسكري « واذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها » ، كلاهما ظنون لم يهتم أصحابها بإخراجها إلى عالم الحقائق فنقول لكل منهما : شكراً لهما على هذا
الإقرار غير المقصود !
إشكالات أخرى لم يتعرض لها :
(٢٠) ولقد قصر المالكي ـ والعسكري من قبله ـ غاية التقصير أيضا في استيعاب الإشكالات الأخرى التي تنشأ من تهمة الاختلاق ، وفي الصبر على ما يتطلبه توجيه هذه التهمة الخطيرة من اعتبار كافة جوانب القضية واشباعها بحثاً. ومن ذلك ما يلي :
ـ ما حاجة سيف إلى اختراع عدد كبير من الشخصيات ، ومنهم عشرات الصحابة هل بلغ به التهاون في أمر دينه إلى حيث يخترع ويكذب متعمداً على الرسول (ص) بدعوى أنهم كانوا من أصحابه ، ألا يخشى الرجل العاقل من تعريض نفسه لضربة قاضية من علماء عصره هل بلغ به جنون التعصب القبلي إلى هذه الدرجة التي لا يرضاها عاقل لنفسه ؟
ـ وإذا افترضنا أنه يخترع أسماء الناس ، فما حاجته إلى اختراع أسماء المعارك والبلدان هل وصل به الجنون إلى هذا الحد ، هب أن إنسانا مشهور بالكذب ، فهل يقول للناس قضيت الاجازة الصيفية في جزر الواق واق.
ـ لماذا سكت علماء الحديث عن اتهامه بهذه التهمة الخطيرة أعن جهل ، أم غفلة ، أم نسيان ، أم مجاملة ، أم تستر أم لأنهم يرون أن اختراع الأسماء خير وبركة فلا ضرر منه وهل سكتوا أيضاً عن امثاله لقد أوضح المالكي حرصهم على مناقشة صحبة الصحابة واحدا فواحدا ، وعدم ترددهم في نفي الصحبة عند اللزوم فمن الغريب أن « يختلق » مئات الصحابة ، ويدعي انهم من كبارهم وأخيارهم ، فلا يلتفتون بكلمة واضحة صريحة إلى هذا القصاص المجنون.
ـ ولماذا ـ بعد السكوت ـ قبلوا رواياته في التاريخ ألا يجب أن يوضع هذا في الاعتبار ألا يدل على أنه لم يبلغ تلك الدرجة المزعومة من الانحطاط لقد استعمل المالكي هذه الحجة في الثناء على وهب بن منبه ـ لأنه يرضى عنه ـ فقال ( احتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما !! فسبحان الله !! ) أما احتجاج امثال الطبري وابن عبد البر وابن عساكر وابن كثير والذهبي وابن حجر ، وهم من جبال العلم الشامخة ، بروايات سيف فلا يساوي قلامة ظفر ، فسبحان الله !!
ـ لقد سرد المالكي أسماء ستين مؤرخاً لم يذكروا القعقاع ولكنه لم يتدبر الإشكال الأعظم ، فهل يعقل ان يختلق سيف عشرات الصحابة والتابعين والفرسان والولاة والبلدان والمعارك والأشعار ، فلا يوجد لهذا الكذب الهائل صدى عند هؤلاء المؤرخين الستين وعند أضعاف عددهم ممن لم يذكرهم إننا كثيرا ما نقرأ أن فلاناً وضع حديثاً أو قصيدة أو بيتاً من الشعر أو وثيقة رسمية أو كلمة أو حرفاً واحداً ، وقصة الذي زاد عبارة « أو جناح » على أحد الأحاديث مشهورة. فهل يعقل أن يسكت الجميع عن هذا الطوفان من الأكاذيب ولو من باب العصبية المضادة ؟
ـ هل انفرد سيف بذكر عشرات الأسماء حقاً أم أن التهمة لا تخلو من المبالغة والتهويل ؟ لقد صنف العسكري كتابين ليقول إنه انفرد بذكر عبد الله بن سبأ ، وجعل ذلك حجر الزاوية في الكلام على سيف فإذا ثبت ان الأسطورة الكبرى ليست اسطورة على الاطلاق ، ألا يكون من الظلم العظيم والتحكم والهوى أن يقول قائل : هذا الاسم صحيح وهذا الاسم مختلق ؟
ـ أما كان يستطيع الصاق نفس الأكاذيب بآخرين ممن لا خلاف في وجودهم التاريخي وحضورهم تلك المشاهد وهذا هو المعتاد في تمرير