الإقرار غير المقصود !
إشكالات أخرى لم يتعرض لها :
(٢٠) ولقد قصر المالكي ـ والعسكري من قبله ـ غاية التقصير أيضا في استيعاب الإشكالات الأخرى التي تنشأ من تهمة الاختلاق ، وفي الصبر على ما يتطلبه توجيه هذه التهمة الخطيرة من اعتبار كافة جوانب القضية واشباعها بحثاً. ومن ذلك ما يلي :
ـ ما حاجة سيف إلى اختراع عدد كبير من الشخصيات ، ومنهم عشرات الصحابة هل بلغ به التهاون في أمر دينه إلى حيث يخترع ويكذب متعمداً على الرسول (ص) بدعوى أنهم كانوا من أصحابه ، ألا يخشى الرجل العاقل من تعريض نفسه لضربة قاضية من علماء عصره هل بلغ به جنون التعصب القبلي إلى هذه الدرجة التي لا يرضاها عاقل لنفسه ؟
ـ وإذا افترضنا أنه يخترع أسماء الناس ، فما حاجته إلى اختراع أسماء المعارك والبلدان هل وصل به الجنون إلى هذا الحد ، هب أن إنسانا مشهور بالكذب ، فهل يقول للناس قضيت الاجازة الصيفية في جزر الواق واق.
ـ لماذا سكت علماء الحديث عن اتهامه بهذه التهمة الخطيرة أعن جهل ، أم غفلة ، أم نسيان ، أم مجاملة ، أم تستر أم لأنهم يرون أن اختراع الأسماء خير وبركة فلا ضرر منه وهل سكتوا أيضاً عن امثاله لقد أوضح المالكي حرصهم على مناقشة صحبة الصحابة واحدا فواحدا ، وعدم ترددهم في نفي الصحبة عند اللزوم فمن الغريب أن « يختلق » مئات الصحابة ، ويدعي انهم من كبارهم وأخيارهم ، فلا يلتفتون بكلمة واضحة صريحة إلى هذا القصاص المجنون.
ـ ولماذا ـ بعد السكوت ـ قبلوا رواياته في التاريخ ألا يجب أن يوضع هذا في الاعتبار ألا يدل على أنه لم يبلغ تلك الدرجة المزعومة من الانحطاط لقد استعمل المالكي هذه الحجة في الثناء على وهب بن منبه ـ لأنه يرضى عنه ـ فقال ( احتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما !! فسبحان الله !! ) أما احتجاج امثال الطبري وابن عبد البر وابن عساكر وابن كثير والذهبي وابن حجر ، وهم من جبال العلم الشامخة ، بروايات سيف فلا يساوي قلامة ظفر ، فسبحان الله !!
ـ لقد سرد المالكي أسماء ستين مؤرخاً لم يذكروا القعقاع ولكنه لم يتدبر الإشكال الأعظم ، فهل يعقل ان يختلق سيف عشرات الصحابة والتابعين والفرسان والولاة والبلدان والمعارك والأشعار ، فلا يوجد لهذا الكذب الهائل صدى عند هؤلاء المؤرخين الستين وعند أضعاف عددهم ممن لم يذكرهم إننا كثيرا ما نقرأ أن فلاناً وضع حديثاً أو قصيدة أو بيتاً من الشعر أو وثيقة رسمية أو كلمة أو حرفاً واحداً ، وقصة الذي زاد عبارة « أو جناح » على أحد الأحاديث مشهورة. فهل يعقل أن يسكت الجميع عن هذا الطوفان من الأكاذيب ولو من باب العصبية المضادة ؟
ـ هل انفرد سيف بذكر عشرات الأسماء حقاً أم أن التهمة لا تخلو من المبالغة والتهويل ؟ لقد صنف العسكري كتابين ليقول إنه انفرد بذكر عبد الله بن سبأ ، وجعل ذلك حجر الزاوية في الكلام على سيف فإذا ثبت ان الأسطورة الكبرى ليست اسطورة على الاطلاق ، ألا يكون من الظلم العظيم والتحكم والهوى أن يقول قائل : هذا الاسم صحيح وهذا الاسم مختلق ؟
ـ أما كان يستطيع الصاق نفس الأكاذيب بآخرين ممن لا خلاف في وجودهم التاريخي وحضورهم تلك المشاهد وهذا هو المعتاد في تمرير
الأكاذيب ، بدلا من اختراع ( أسماء لم تخطر على قلب بشر ).
ـ هل يدل التحليل الأدبي على أن الأشعار الواردة في رواياته من النوع الركيك المعهود في المنحولات ، وهل تشبه أن تكون من نظم رجل واحد وهل كان شاعراً مجيداً بحيث يضع على لسان كل إنسان ما يلائمه فهذا جانب مهم لا بد من اعتباره لدراسة تهمة التزييف.
هذه ـ وكثير غيرها ـ اشكالات حقيقية ، لا يشتغلون بالنظر فيه ( « لقد اجاب العلامة العسكري في كتابه ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) على هذا النوع من التساؤلات غير ان الدكتور العزام قد تجاهل ذلك. » ) ، وإنما يقفزون إلى النتائج النهائية المقررة سلفاً ، ويقولون : ( إنقاذ التاريخ ، أبحاث في غاية الدقة والموضوعية ).
(٢١) لا أريد التعنت وتكليف المالكي ما لا يطاق ، ولكن المطالبة باستيعاب جميع جوانب ليست كثيرة على من ينصب نفسه لانقاذ التاريخ وايقاظ العلماء من غفلة الأموات ، وتصحيح المسار والتجديد في الأصول والمناهج وأساليب التفكير لأن اثبات فساد القواعد الحالية واختراع قواعد جديدة ، وتطبيقها تطبيقا صحيحا على احدى القضايا ، عمل عظيم يستحق أن ينفق عليه بضع سنوات في البحث والتحقيق. إذ هو أصعب بكثير من كتابة تاريخ دولة أو سيرة رجل بالطريقة المعتادة والمسئولية الأخلاقية تقتضي ممن يتهم أحداً باختلاق أسماء الصحابة أن يبذل جهداً عظيماً زائداً على المعتاد لإثبات التهمة وابراء ذمته.
ولكنه تجنب ـ كالعسكري من قبل ـ تأصيل هذه الأصول لأن هذه الآراء في واقع الأمر مجرد أوهام وظنون غير قابلة للتأصيل. فعمد إلى ارسال
الدعاوى والقفز إلى النتائج ، وشيد البناء قبل حفر القواعد ، وصور تهمة الاختلاق تصويراً سريعا في أول المقالة الأولى كأنها قضية مسلمة كمدينة الحشرة. وانطلق في الكلام المعاد المكرر على كذب سيف بدليل أنه اختلق شخصية القعقاع ، وعلى اختلاق شخصية القعقاع بدليل أنها من أكاذيب سيف القعقاع من مخترعات سيف الذي اخترع كثيرا من الشخصيات كالقعقاع !
كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء !
ومما يدلك على ارسال الدعاوى والقفز إلى النتائج جزمه تقليداً للعسكري ـ بأن الأماكن العراقية المذكورة في روايات سيف أساطير ، فليتفضل مشكوراً بشرح براهينه الجغرافيه على هذه الدعوى. وطالما رأينا في كتابات اثبات العلماء ـ كالأستاذ حمد الجاسر حفظه الله ـ قولهم هذا الموضوع المذكور في التاريخ غير معروف في عصرنا ، وقد كثرت الأبحاث عن مكان سوق عكاظ مع أنه أشهر من نار على علم. فأين بحثه لهذه الأماكن واحداً فواحداً ، وما معرفته بجغرافية العراق وكيف وصل إلى اليقين بأنها أساطير ؟
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
د. محمد بن عبد الله العزام
عن القعقاع وسيف بن عمر (٣ / ٣)
صحيفة الرياض ـ ٣ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
تصنيف القرّاء
(٢٢) ولقد استغربت كثيراً تصنيفه للناس في المقالة الأخيرة ( دروس من معركة القعقاع ! ) إلى ثلاثة أصناف :
فالصنف الأول : ( ينفي وجود القعقاع مطلقاً !! لأن سيفاً معروف باختلاق الشخصيات والمعارك والاحداث !! ).
والصنف الثاني : ( يثبت وجوده ودوره كاملاً بكل التضخيمات
والتهويلات !! ).
والصنف الثالث : ( يتوسط فيرى ان سيف بن عمر قد بالغ في دور القعقاع ابن عمرو ، ذلك الدور الذي لم يذكره غيره !! ).
ثم قال : ( وظني أن الصنف الأول والثالث متقاربان جداً ، ويمكن أن يتفقا إذا عرفا منهج سيف بن عمر بالتفصيل !! والخلاف بينهما يسير ) ، وأسقط من الاعتبار احتمال أن تكون المبالغة أو اختلاق ـ على فرض وجود أحدهما ـ ممن عاش قبل عصر سيف ، والفارق الكبير بين الاختلاق الذي يعني أن الشخص اسطورة والمبالغة التي تعني انه حقيقة تاريخيه.
فهذا الكلام يلخص نظرته إلى الأشياء ، ويدل بوضوح على أنه لا يدرك النواقص المشار اليها. فلعله يرى في ذلك مضيعة للوقت والجهد ، ويكفي سرد أقوال المحدثين في تضعيفه للوصول إلى النتيجة الكبرى وهي أنه ( معروف باختلاق الشخصيات والمعارك والأحداث !! ) فالتهمة لا تحتاج إلى برهان ، فهي راسخة في ذهنه ويجب أن تكون راسخة في أذهان الناس وإذا وجد أحدا من القدماء أو المعاصرين ينتقد سيف بن عمر في أي شيء فهو في نظره شبه مؤيد للتهمة ، ( والصنفان متقاربان جداً ، والخلاف بينهما يسير ). ولم يبق إلا صنف المغفلين كالطبري وأساتذة الجامعات السعودية. فكأنّ القدماء والمعاصرين يوافقونه من حيث لا يدرون على خراب التاريخ الإسلامي !
نماذج من المغالطات
(٢٣) فمن مغالطاته : الخلط بين اتهام الأسانيد واتهام المتون ، وهما أمران مختلفان جداً. فلو قال لك انسان : قال لي فلان إنه رءاك تصلي الجمعة في مسجد
كذا ، فسوف تدرك حالا ان الخبر غير صحيح لأنك كنت في مسجد آخر ، وتظن ان أحدهما وقع في خطأ غير مقصود. فإذا تكررت الأوهام والأكاذيب فسوف تتراجع الثقة في الأشخاص ، ولعلك ستجد ان الكاذب هو الشخص الذي لم يحدثك. ومن الواضح ان الثقة توجد أو تنعدم في الاخبار أولاً ثم في الرواة ثانياً. وهذا في القضايا الحاضرة التي لا مجال للرأي فيها مثل صلاتك في ذلك المسجد ، فإذا كانت تتعلق بقضايا تاريخية تضاربت فيها الآراء والمصالح والأهواء فالأمر أعسر من ذلك وغاية المؤرخ أن يبحث عن أحسن الروايات وأجدرها بالقبول بصرف النظر عن أشخاص الرواة ، وإذا أمكن معرفة مصدر ضعف الخبر فحسن ولكنه ليس ضرورياً لا بد منه.
أما المالكي ـ تبعا للعسكري من قبله ـ فالأمر لديه على العكس فقد نظر في اخبار القعقاع فلم يجد أكاذيب تجزم العقول والفطر السليمة بانها باطلة ، وانما هي أخبار في حدود المعتاد والمعقول ، ثم نظر في الأسانيد فرأى انها وردت عن طريق سيف بن عمر ، فقرر أربعة أمور :
أن انفراده بها يكفي للجزم بأن أخبار القعقاع أكاذيب.
أن انفراده بها يكفي للجزم بأن القعقاع نفسه أسطورة ..
أن انفراده بأي شيء آخر يكفي للجزم بأنه اسطورة.
أنه لا غيره مؤلف هذه الأكاذيب والأساطير.
وجميع كلامه لاحق لهذه الأمور الأربعة ومرتب عليها ، وقد مضت الاشارة إلى انه لم يبحث شيئاً منها ويثبته بالدليل الكافي. فقد رد الأخبار لمجرد انها من رواية فلان ، ثم حكم على فلان نفسه بأنه كذاب لأنه روى تلك الأخبار .. بينما كان الواجب عليه أن يثبت أولاً ان الأخبار أكاذيب وأن الأسماء