بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 284

د. محمد بن عبد الله العزام

عن القعقاع وسيف بن عمر (٣ / ٣)

صحيفة الرياض ـ ٣ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه‌

تصنيف القرّاء

(٢٢) ولقد استغربت كثيراً تصنيفه للناس في المقالة الأخيرة ( دروس من معركة القعقاع ! ) إلى ثلاثة أصناف :

فالصنف الأول : ( ينفي وجود القعقاع مطلقاً !! لأن سيفاً معروف باختلاق الشخصيات والمعارك والاحداث !! ).

والصنف الثاني : ( يثبت وجوده ودوره كاملاً بكل التضخيمات


صفحه 285

والتهويلات !! ).

والصنف الثالث : ( يتوسط فيرى ان سيف بن عمر قد بالغ في دور القعقاع ابن عمرو ، ذلك الدور الذي لم يذكره غيره !! ).

ثم قال : ( وظني أن الصنف الأول والثالث متقاربان جداً ، ويمكن أن يتفقا إذا عرفا منهج سيف بن عمر بالتفصيل !! والخلاف بينهما يسير ) ، وأسقط من الاعتبار احتمال أن تكون المبالغة أو اختلاق ـ على فرض وجود أحدهما ـ ممن عاش قبل عصر سيف ، والفارق الكبير بين الاختلاق الذي يعني أن الشخص اسطورة والمبالغة التي تعني انه حقيقة تاريخيه.

فهذا الكلام يلخص نظرته إلى الأشياء ، ويدل بوضوح على أنه لا يدرك النواقص المشار اليها. فلعله يرى في ذلك مضيعة للوقت والجهد ، ويكفي سرد أقوال المحدثين في تضعيفه للوصول إلى النتيجة الكبرى وهي أنه ( معروف باختلاق الشخصيات والمعارك والأحداث !! ) فالتهمة لا تحتاج إلى برهان ، فهي راسخة في ذهنه ويجب أن تكون راسخة في أذهان الناس وإذا وجد أحدا من القدماء أو المعاصرين ينتقد سيف بن عمر في أي شيء فهو في نظره شبه مؤيد للتهمة ، ( والصنفان متقاربان جداً ، والخلاف بينهما يسير ). ولم يبق إلا صنف المغفلين كالطبري وأساتذة الجامعات السعودية. فكأنّ القدماء والمعاصرين يوافقونه من حيث لا يدرون على خراب التاريخ الإسلامي !

نماذج من المغالطات

(٢٣) فمن مغالطاته : الخلط بين اتهام الأسانيد واتهام المتون ، وهما أمران مختلفان جداً. فلو قال لك انسان : قال لي فلان إنه رءاك تصلي الجمعة في مسجد


صفحه 286

كذا ، فسوف تدرك حالا ان الخبر غير صحيح لأنك كنت في مسجد آخر ، وتظن ان أحدهما وقع في خطأ غير مقصود. فإذا تكررت الأوهام والأكاذيب فسوف تتراجع الثقة في الأشخاص ، ولعلك ستجد ان الكاذب هو الشخص الذي لم يحدثك. ومن الواضح ان الثقة توجد أو تنعدم في الاخبار أولاً ثم في الرواة ثانياً. وهذا في القضايا الحاضرة التي لا مجال للرأي فيها مثل صلاتك في ذلك المسجد ، فإذا كانت تتعلق بقضايا تاريخية تضاربت فيها الآراء والمصالح والأهواء فالأمر أعسر من ذلك وغاية المؤرخ أن يبحث عن أحسن الروايات وأجدرها بالقبول بصرف النظر عن أشخاص الرواة ، وإذا أمكن معرفة مصدر ضعف الخبر فحسن ولكنه ليس ضرورياً لا بد منه.

أما المالكي ـ تبعا للعسكري من قبله ـ فالأمر لديه على العكس فقد نظر في اخبار القعقاع فلم يجد أكاذيب تجزم العقول والفطر السليمة بانها باطلة ، وانما هي أخبار في حدود المعتاد والمعقول ، ثم نظر في الأسانيد فرأى انها وردت عن طريق سيف بن عمر ، فقرر أربعة أمور :

أن انفراده بها يكفي للجزم بأن أخبار القعقاع أكاذيب.

أن انفراده بها يكفي للجزم بأن القعقاع نفسه أسطورة ..

أن انفراده بأي شيء آخر يكفي للجزم بأنه اسطورة.

أنه لا غيره مؤلف هذه الأكاذيب والأساطير.

وجميع كلامه لاحق لهذه الأمور الأربعة ومرتب عليها ، وقد مضت الاشارة إلى انه لم يبحث شيئاً منها ويثبته بالدليل الكافي. فقد رد الأخبار لمجرد انها من رواية فلان ، ثم حكم على فلان نفسه بأنه كذاب لأنه روى تلك الأخبار .. بينما كان الواجب عليه أن يثبت أولاً ان الأخبار أكاذيب وأن الأسماء


صفحه 287

اساطير ، ثم إذا شاء يتخذ ذلك دليلا على انعدام الثقة بالرواية.

هل القعقاع كمدينة الحشرة تماماً

(٢٤) وتتضح المغالطة والقفز إلى الأحكام المقررة من المدن الأربع التي ابتدأ الكلام بها. فالمقالات منشورة تحت عنوان ( القعقاع حقيقة أم اسطورة ! ) وهذا سؤال يلخص الموضوع. ولكنه يبدأ الكلام بمدينة الحشرة التي هي مثل القعقاع تماماً ، وهذه مغالطة واضحة وقياس شيء على شيء مع الفارق العظيم ، لأنه صرح مقدماً بأن المدينة اسطورة ، والقرّاء يعلمون من الواقع انها اسطورة ، بمعنى ان عنصر « الأسطورة » فيها مقرر مفروغ منه ، فكيف تكون مثالاً للقعقاع الذي يدور التساؤل أهو حقيقة أم اسطورة لقد كان الواجب عليه ان يستشهد بمثال واقعي من التاريخ أو الجغرافيا ، فيذكر مثلا أربع مدن كبرى زعم أحد الجغرافيين ـ عن سوء نية ورغبة في التزييف من باب التعصب الاقليمي مثلاً ـ انها موجودة ، فتواتر العلماء المحققون جيلاً بعد جيل على التصديق بها ، وذكروا حدودها ومواقعها وأسماء امرائها وعدد سكانها وأشهر معالمها ورجالها ، ثم ثبت بالدليل القاطع أنها من نسج الخيال ، فهذا هو المثال الذي يشبه حالة القعقاع.

التقول على القدماء

(٢٥) تقتضي الأمانة والموضوعية من الباحث ألاّ يدعي أن الآخرين ، وبخاصة العلماء القدامى ، يوافقونه على آرائه أو أنهم سبقوا اليها ، إلا ببرهان صحيح. وإذا كان الرأي اجتهاداً منه فيجب التعبير عن ذلك بوضوح ، لتتضح


صفحه 288

الحدود والفواصل ولا يختلط الحابل بالنابل ، وليكون له الغُنم وعليه الغُرم.

فمما يدل على ضعف حجة المالكي واندفاعه للبحث عن الشبهات والأدلة انه يدعي ، بالتلميح القريب من التصريح ، أن القدماء سبقوه إلى اتهام سيف باختلاق الأشخاص والوقائع ، فيقول مثلا ( تلك الشخصيات والمعارك والأشعار والبلدان التي انفرد بها سيف لم يعرفها احد غيره ، لا في عصره ولا عرفها من سبقه. ولذلك لم يعول احد على كتابه الا بعد موته بنحو مائة سنة ) ومعنى كلمة « ولذلك » ترتيب آخر الكلام على أوله ، فأهل تلك المائة سنة ـ في زعمه ـ أعرضوا عن كتاب سيف لهذا السبب ، أي أنهم أدركوا أنها مخترعات فتركوها « لذلك ». وهذه الدعوى لا دليل عليها ، وليس بين يديه نص يدل على ان القدماء اعرضوا عنه بسبب تهمة الاختراع ، ولا انهم كانوا يتهمونه بهذه التهمة ، فكيف يقول « لذلك » والقارئ غير المتخصص يدرك كثرة الأسباب الممكنة ، فلا بد من دليل مقنع على تخصيص ذلك السبب بعينه. فهذا من إرسال الكلام على عواهنه.

ثم قال مؤكدا ومكرراً نفس الدعوى بعبارة أقوى ( أنا هنا أقرر ما اجمع المؤرخون قبل سيف على اهماله وعدم ذكره ، مما يعد إجماعاً على أن الأمر مختلق من سيف ) فلم يقف عند دعوى الاجماع على اهمال القعقاع ، بل زعم انهم أجمعوا على انه اسطورة ، وانه فقط « يقرر » ما قالوه وأجمعوا عليه وهذا فهم غريب لمعنى الاجماع ، وتقول على العلماء بغير برهان. ومن الغريب في باب الاستدلال المنطقي أن يكون المؤرخون الذين عاشوا قبل عصر سيف قد اجمعوا على ان الأسماء والوقائع التي سيرويها عندما يولد في المستقبل هي أمور مختلقة منه. ويكرر نفس المعنى مرة ثالثة فيقول ( ومترجمو الصحابة المتقدمين لم يذكروا


صفحه 289

القعقاع ، لا في الصحابة ولا في التابعين ، مما يعني انه عندهم مختلق ).

وإعاد نفس الدعوى تلميحاً في قوله عن ابن أبي حاتم ( فقد نفى ابن أبي حاتم صحبته ورد على سيف زعمه بأن القعقاع شهد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم !! ) كأن هذا الكلام يفيد في اتهامه باختلاق القعقاع وأعادها مرة خامسة في قوله الذي مضت الإشارة اليه عن الحافظ بن حجر ، وحاصله انه سبق إلى مبدأ التشكيك في صحبة كثير من الصحابة ، وانه لو عاش في عصرنا لوقف ضده نفس الخصوم يتهمونه بالطعن في السابقين والوقوف مع المستشرقين والمبتدعة فهذه خمسة مواضع في المقالة الأولى وحدها تتضمن الادعاء شبه الصريح بأن القدماء كانوا يتفقون معه على هذه الأمور ، وسمى هذه الدعوى « أكثرية القرون الفاضلة ». والرغبة ههنا واضحة في توفير الغطاء المناسب لهذه الآراء ونحن لانتهم المالكي ـ ولا العسكرى من قبله ـ بضعف الاطلاع ، ولا شك أنهما قد بذلا غاية الجهد لإثبات التهمة. فلما رأى المالكي انه قد رجع بخفي حنين لم يجد أمامه إلا هذه العبارات الغامضة التي قد لا يدرك حقيقتها كثير من القرّاء ولو عثر على دليل لوجدناه يكرره بضع مرات في كل مقالة ، ولو عثر عليه لشددنا على يديه وشكرناه على إيقاظنا من الغفلة التي كنا فيها.

ولقد قال مراراً عن اساتذه التاريخ في جامعاتنا انهم يضحكون على أنفسهم وعلى زملائهم وعلى الناس ، فماذا يكون قوله عن القدماء ( مما يعني أنه عندهم مختلق ) إذا لم يكن تلاعباً بالألفاظ واستغفالاً للقرّاء والغريب ان العسكري كان أصدق منه إذ قال : ( وإذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها فانطوت في اثنائه وضاعت في تياراته ) ، فلم يزعم انها كانت موضع اجماع القدماء ، ربما لانه ليس بحاجة إلى هذا الإجماع.


صفحه 290

أما التاريخ الصحيح فيدل على أنه لا أحد من القدماء فيما أعلم ـ لا من السنة ولا من الشيعة ـ قد اتهمه بهذه التهمة المحددة ، وأن قبولهم رواياته في التاريخ تدل على ان ضعفه لم يبلغ الغاية التي يجعلها الباحثان حقيقة مقررة ، وان ذكر اللاحقين منهم للقعقاع وغيره تدل على اطمئنانهم إجمالا إلى رواياته. إن كلام المالكي يدل بوضوح ـ كما قلت أعلاه ـ على أنهم قد وقفوا عند أسماء الصحابة واحداً فواحداً ، ومنهم القعقاع. فهل يعقل عاقل أن ابن أبي حاتم مثلاً ينفي صحبته فقط إذا كان يعتقد انه اسطورة مختلقة أفلا قال عنه شخص خيالي لا وجود له وفي الكلام على سيف يختلق أسماء العشرات من الصحابة والتابعين والمعارك والبلدان ؟

فلو قال قائل : إن جميع العلماء ، على اختلاف مذاهبهم ، منذ عصر الصحابة إلى سنة ١٣٦٩ قد أجمعوا على عدم ادعاء ان القعقاع اسطورة ، فكيف يجيب المالكي على هذا الاعتراض هل يقول كما قال : سكوت بعضهم يدل على انه اسطورة.

أما تفريقه بين المتقدمين والمتاخرين فغير واضح المعالم ، والذي فهمته انه يقسم أهل القرن الثالث إلى قسمين :

فالذين عاشوا في آخره من امثال الطبري وابن أبي حاتم ـ إلى عصرنا ـ متاخرون مخدعون. فإن كان هذا هو المقصود فيجب التصريح به واقامة الدليل على وجود هذا التغير السريع وبيان أسبابه.

على ان الأمور ليست بهذه البساطة ، فالذي يفصل بينه وبين الطبري ورجال طبقته جيلان فقط ، فهما قريبان من عصر سيف ، ولا يخفى عليهما رأي


صفحه 291

جيل المشايخ والجيل الذي قبله فيه ، والجميع إنما يعتمدون في الجرح والتعديل على رأي المعاصرين للشخص المقصود. ولا يعقل ان يتحول سيف في نحو خمسين عاما من قصاص وضاع إلى مصدر تاريخي مهم ، ولا أن يتحول الصحابة من أساطير إلى حقائق بهذه السهولة. ولو افترضنا ان المتقدمين قد أجمعوا على اتهام سيف بتزييف التاريخ ـ كما يدعي المالكي من غير دليل ـ فلا يعقل ان ياتي تلاميذهم بعكس ذلك من غير ايضاح ولا بيان.

(٢٦) وههنا مغالطة أشار اليها الدكتور عبد الرحمن الفريح وتدعو الحاجة للتأكيد عليها فان الطبري رحمه الله لم يذهب الى سوق الوارقين بحثاً عن كتاب مهملاً لقصاص تافه متروك يدعى سيف بن عمر ، وانما حصل كتابه أو كتبه من المشايخ بالطرق المعروفة في تحصيل العلم ، ونقل منه في تاريخه بالإسناد هكذا ( كتب الي السري عن شعيب عن سيف ).

وقد أوضح الاستاذ المالكي مشكوراً أسماء ثلاثة من الرواة عن سيف ، وان أحدهم ثقة والآخرين ـ شعيب بن ابراهيم ونصر بن مزاحم ـ ضعيفان ( كتاب الرياض ، ٦٢ ) ، وبالطبع لا يمكن ان يكون الرواة عنه ثلاثة فقط سواء أعرفناهم أم جهلناهم. فاذا كان العلماء في القرن الثاني والثالث يتناقلون رواياته بالاسناد المتصل ـ وما في ذلك من معنى التلمذه عليه ـ فكيف يندفع الاستاذ المالكي قائلاً :

( لم تكن لروايات سيف عند معاصريه أية منزلة ، لدرجة انهم لا يلتفتون اليها مضعفين ولا مصححين ، ولم يكونوا يعدونه في المؤرخين ولا الأدباء وانما كان أشبه ما يكون بالقصاص ) فهل كاتب المقالة هو كاتب الكتاب ؟