كذا ، فسوف تدرك حالا ان الخبر غير صحيح لأنك كنت في مسجد آخر ، وتظن ان أحدهما وقع في خطأ غير مقصود. فإذا تكررت الأوهام والأكاذيب فسوف تتراجع الثقة في الأشخاص ، ولعلك ستجد ان الكاذب هو الشخص الذي لم يحدثك. ومن الواضح ان الثقة توجد أو تنعدم في الاخبار أولاً ثم في الرواة ثانياً. وهذا في القضايا الحاضرة التي لا مجال للرأي فيها مثل صلاتك في ذلك المسجد ، فإذا كانت تتعلق بقضايا تاريخية تضاربت فيها الآراء والمصالح والأهواء فالأمر أعسر من ذلك وغاية المؤرخ أن يبحث عن أحسن الروايات وأجدرها بالقبول بصرف النظر عن أشخاص الرواة ، وإذا أمكن معرفة مصدر ضعف الخبر فحسن ولكنه ليس ضرورياً لا بد منه.
أما المالكي ـ تبعا للعسكري من قبله ـ فالأمر لديه على العكس فقد نظر في اخبار القعقاع فلم يجد أكاذيب تجزم العقول والفطر السليمة بانها باطلة ، وانما هي أخبار في حدود المعتاد والمعقول ، ثم نظر في الأسانيد فرأى انها وردت عن طريق سيف بن عمر ، فقرر أربعة أمور :
أن انفراده بها يكفي للجزم بأن أخبار القعقاع أكاذيب.
أن انفراده بها يكفي للجزم بأن القعقاع نفسه أسطورة ..
أن انفراده بأي شيء آخر يكفي للجزم بأنه اسطورة.
أنه لا غيره مؤلف هذه الأكاذيب والأساطير.
وجميع كلامه لاحق لهذه الأمور الأربعة ومرتب عليها ، وقد مضت الاشارة إلى انه لم يبحث شيئاً منها ويثبته بالدليل الكافي. فقد رد الأخبار لمجرد انها من رواية فلان ، ثم حكم على فلان نفسه بأنه كذاب لأنه روى تلك الأخبار .. بينما كان الواجب عليه أن يثبت أولاً ان الأخبار أكاذيب وأن الأسماء
اساطير ، ثم إذا شاء يتخذ ذلك دليلا على انعدام الثقة بالرواية.
هل القعقاع كمدينة الحشرة تماماً
(٢٤) وتتضح المغالطة والقفز إلى الأحكام المقررة من المدن الأربع التي ابتدأ الكلام بها. فالمقالات منشورة تحت عنوان ( القعقاع حقيقة أم اسطورة ! ) وهذا سؤال يلخص الموضوع. ولكنه يبدأ الكلام بمدينة الحشرة التي هي مثل القعقاع تماماً ، وهذه مغالطة واضحة وقياس شيء على شيء مع الفارق العظيم ، لأنه صرح مقدماً بأن المدينة اسطورة ، والقرّاء يعلمون من الواقع انها اسطورة ، بمعنى ان عنصر « الأسطورة » فيها مقرر مفروغ منه ، فكيف تكون مثالاً للقعقاع الذي يدور التساؤل أهو حقيقة أم اسطورة لقد كان الواجب عليه ان يستشهد بمثال واقعي من التاريخ أو الجغرافيا ، فيذكر مثلا أربع مدن كبرى زعم أحد الجغرافيين ـ عن سوء نية ورغبة في التزييف من باب التعصب الاقليمي مثلاً ـ انها موجودة ، فتواتر العلماء المحققون جيلاً بعد جيل على التصديق بها ، وذكروا حدودها ومواقعها وأسماء امرائها وعدد سكانها وأشهر معالمها ورجالها ، ثم ثبت بالدليل القاطع أنها من نسج الخيال ، فهذا هو المثال الذي يشبه حالة القعقاع.
التقول على القدماء
(٢٥) تقتضي الأمانة والموضوعية من الباحث ألاّ يدعي أن الآخرين ، وبخاصة العلماء القدامى ، يوافقونه على آرائه أو أنهم سبقوا اليها ، إلا ببرهان صحيح. وإذا كان الرأي اجتهاداً منه فيجب التعبير عن ذلك بوضوح ، لتتضح
الحدود والفواصل ولا يختلط الحابل بالنابل ، وليكون له الغُنم وعليه الغُرم.
فمما يدل على ضعف حجة المالكي واندفاعه للبحث عن الشبهات والأدلة انه يدعي ، بالتلميح القريب من التصريح ، أن القدماء سبقوه إلى اتهام سيف باختلاق الأشخاص والوقائع ، فيقول مثلا ( تلك الشخصيات والمعارك والأشعار والبلدان التي انفرد بها سيف لم يعرفها احد غيره ، لا في عصره ولا عرفها من سبقه. ولذلك لم يعول احد على كتابه الا بعد موته بنحو مائة سنة ) ومعنى كلمة « ولذلك » ترتيب آخر الكلام على أوله ، فأهل تلك المائة سنة ـ في زعمه ـ أعرضوا عن كتاب سيف لهذا السبب ، أي أنهم أدركوا أنها مخترعات فتركوها « لذلك ». وهذه الدعوى لا دليل عليها ، وليس بين يديه نص يدل على ان القدماء اعرضوا عنه بسبب تهمة الاختراع ، ولا انهم كانوا يتهمونه بهذه التهمة ، فكيف يقول « لذلك » والقارئ غير المتخصص يدرك كثرة الأسباب الممكنة ، فلا بد من دليل مقنع على تخصيص ذلك السبب بعينه. فهذا من إرسال الكلام على عواهنه.
ثم قال مؤكدا ومكرراً نفس الدعوى بعبارة أقوى ( أنا هنا أقرر ما اجمع المؤرخون قبل سيف على اهماله وعدم ذكره ، مما يعد إجماعاً على أن الأمر مختلق من سيف ) فلم يقف عند دعوى الاجماع على اهمال القعقاع ، بل زعم انهم أجمعوا على انه اسطورة ، وانه فقط « يقرر » ما قالوه وأجمعوا عليه وهذا فهم غريب لمعنى الاجماع ، وتقول على العلماء بغير برهان. ومن الغريب في باب الاستدلال المنطقي أن يكون المؤرخون الذين عاشوا قبل عصر سيف قد اجمعوا على ان الأسماء والوقائع التي سيرويها عندما يولد في المستقبل هي أمور مختلقة منه. ويكرر نفس المعنى مرة ثالثة فيقول ( ومترجمو الصحابة المتقدمين لم يذكروا
القعقاع ، لا في الصحابة ولا في التابعين ، مما يعني انه عندهم مختلق ).
وإعاد نفس الدعوى تلميحاً في قوله عن ابن أبي حاتم ( فقد نفى ابن أبي حاتم صحبته ورد على سيف زعمه بأن القعقاع شهد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم !! ) كأن هذا الكلام يفيد في اتهامه باختلاق القعقاع وأعادها مرة خامسة في قوله الذي مضت الإشارة اليه عن الحافظ بن حجر ، وحاصله انه سبق إلى مبدأ التشكيك في صحبة كثير من الصحابة ، وانه لو عاش في عصرنا لوقف ضده نفس الخصوم يتهمونه بالطعن في السابقين والوقوف مع المستشرقين والمبتدعة فهذه خمسة مواضع في المقالة الأولى وحدها تتضمن الادعاء شبه الصريح بأن القدماء كانوا يتفقون معه على هذه الأمور ، وسمى هذه الدعوى « أكثرية القرون الفاضلة ». والرغبة ههنا واضحة في توفير الغطاء المناسب لهذه الآراء ونحن لانتهم المالكي ـ ولا العسكرى من قبله ـ بضعف الاطلاع ، ولا شك أنهما قد بذلا غاية الجهد لإثبات التهمة. فلما رأى المالكي انه قد رجع بخفي حنين لم يجد أمامه إلا هذه العبارات الغامضة التي قد لا يدرك حقيقتها كثير من القرّاء ولو عثر على دليل لوجدناه يكرره بضع مرات في كل مقالة ، ولو عثر عليه لشددنا على يديه وشكرناه على إيقاظنا من الغفلة التي كنا فيها.
ولقد قال مراراً عن اساتذه التاريخ في جامعاتنا انهم يضحكون على أنفسهم وعلى زملائهم وعلى الناس ، فماذا يكون قوله عن القدماء ( مما يعني أنه عندهم مختلق ) إذا لم يكن تلاعباً بالألفاظ واستغفالاً للقرّاء والغريب ان العسكري كان أصدق منه إذ قال : ( وإذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها فانطوت في اثنائه وضاعت في تياراته ) ، فلم يزعم انها كانت موضع اجماع القدماء ، ربما لانه ليس بحاجة إلى هذا الإجماع.
أما التاريخ الصحيح فيدل على أنه لا أحد من القدماء فيما أعلم ـ لا من السنة ولا من الشيعة ـ قد اتهمه بهذه التهمة المحددة ، وأن قبولهم رواياته في التاريخ تدل على ان ضعفه لم يبلغ الغاية التي يجعلها الباحثان حقيقة مقررة ، وان ذكر اللاحقين منهم للقعقاع وغيره تدل على اطمئنانهم إجمالا إلى رواياته. إن كلام المالكي يدل بوضوح ـ كما قلت أعلاه ـ على أنهم قد وقفوا عند أسماء الصحابة واحداً فواحداً ، ومنهم القعقاع. فهل يعقل عاقل أن ابن أبي حاتم مثلاً ينفي صحبته فقط إذا كان يعتقد انه اسطورة مختلقة أفلا قال عنه شخص خيالي لا وجود له وفي الكلام على سيف يختلق أسماء العشرات من الصحابة والتابعين والمعارك والبلدان ؟
فلو قال قائل : إن جميع العلماء ، على اختلاف مذاهبهم ، منذ عصر الصحابة إلى سنة ١٣٦٩ قد أجمعوا على عدم ادعاء ان القعقاع اسطورة ، فكيف يجيب المالكي على هذا الاعتراض هل يقول كما قال : سكوت بعضهم يدل على انه اسطورة.
أما تفريقه بين المتقدمين والمتاخرين فغير واضح المعالم ، والذي فهمته انه يقسم أهل القرن الثالث إلى قسمين :
فالذين عاشوا في آخره من امثال الطبري وابن أبي حاتم ـ إلى عصرنا ـ متاخرون مخدعون. فإن كان هذا هو المقصود فيجب التصريح به واقامة الدليل على وجود هذا التغير السريع وبيان أسبابه.
على ان الأمور ليست بهذه البساطة ، فالذي يفصل بينه وبين الطبري ورجال طبقته جيلان فقط ، فهما قريبان من عصر سيف ، ولا يخفى عليهما رأي
جيل المشايخ والجيل الذي قبله فيه ، والجميع إنما يعتمدون في الجرح والتعديل على رأي المعاصرين للشخص المقصود. ولا يعقل ان يتحول سيف في نحو خمسين عاما من قصاص وضاع إلى مصدر تاريخي مهم ، ولا أن يتحول الصحابة من أساطير إلى حقائق بهذه السهولة. ولو افترضنا ان المتقدمين قد أجمعوا على اتهام سيف بتزييف التاريخ ـ كما يدعي المالكي من غير دليل ـ فلا يعقل ان ياتي تلاميذهم بعكس ذلك من غير ايضاح ولا بيان.
(٢٦) وههنا مغالطة أشار اليها الدكتور عبد الرحمن الفريح وتدعو الحاجة للتأكيد عليها فان الطبري رحمه الله لم يذهب الى سوق الوارقين بحثاً عن كتاب مهملاً لقصاص تافه متروك يدعى سيف بن عمر ، وانما حصل كتابه أو كتبه من المشايخ بالطرق المعروفة في تحصيل العلم ، ونقل منه في تاريخه بالإسناد هكذا ( كتب الي السري عن شعيب عن سيف ).
وقد أوضح الاستاذ المالكي مشكوراً أسماء ثلاثة من الرواة عن سيف ، وان أحدهم ثقة والآخرين ـ شعيب بن ابراهيم ونصر بن مزاحم ـ ضعيفان ( كتاب الرياض ، ٦٢ ) ، وبالطبع لا يمكن ان يكون الرواة عنه ثلاثة فقط سواء أعرفناهم أم جهلناهم. فاذا كان العلماء في القرن الثاني والثالث يتناقلون رواياته بالاسناد المتصل ـ وما في ذلك من معنى التلمذه عليه ـ فكيف يندفع الاستاذ المالكي قائلاً :
( لم تكن لروايات سيف عند معاصريه أية منزلة ، لدرجة انهم لا يلتفتون اليها مضعفين ولا مصححين ، ولم يكونوا يعدونه في المؤرخين ولا الأدباء وانما كان أشبه ما يكون بالقصاص ) فهل كاتب المقالة هو كاتب الكتاب ؟
ومعلوم ان نصر بن مزاحم من مؤرخي الشيعة البارزين ، وكتابه في وقعة صفين متداول بأيدي الناس ، ومع ذلك ياخذ عن سيف ويأخذ عن الناس روايات سيف ، فهل لم يدرك انه ناصبي كذاب على آل البيت ، وانه يخترع الأساطير والأسانيد والأسماء والوقائع والبلدان لنصرة بني أمية كما قال أخونا المالكي : أيهما نصدق أولئك المعاصرين ومن بعدهم ، الذين أخذوا برواياته في التاريخ ، أم الوسواس الذي خطر.
شهرة القعقاع
(٢٧) لا ينبغي أن ننسى أن جميع كتب التاريخ الأولى قد ضاعت إلا أقل القليل ، ومن يقرأ أسماءها في فهرست ابن النديم يدرك ذلك فليس من الممكن أن نجزم بأن اسم القعقاع لم يوجد إلا في كتاب سيف.
ومع ذلك ليس من الصعب تفسير هذا الأمر فلقد كانت تلك الكتب ذات نطاق محدود بأخبار رجل أو قبيلة أو ناحية ، وكان الرواة في عصر بني أمية يروون عن قومهم ورجال قبائلهم ما شهدوه من أحداث وما يدور في مجتمعهم من حكايات ، إلى جانب الرغبة المعتادة عند البعض في ابراز أمجاد القبيلة أو الاقليم. فدخلت هذه الروايات في الكتب الأولى من غير استيعاب بقية الأقوال ، وصار يوجد في الكتاب الواحد الأسماء والأخبار والأشعار التي تقل أو تنعدم في الكتب الأخرى. ثم ظهرت التواريخ الشاملة في القرن الثالث ، وهي تقوم في الغالب على اختيار رواية واحدة أو بضع روايات جديرة بالقبول وترك ما عداها.
ولقد غفل الاستاذ عن مسألة كان ينبغي أن لا تخفى عليه ، وليس من
الصعب أن يتصورها القارئ الكريم. فلقد تطاحنت الأحزاب منذ الفتنة الأولى إلى سقوط الدولة الأموية ، لا يكاد المسلمون يخرجون من فتنة إلا ويدخلون في فتنة أعظم منها ، ومن لم يصدق فليقرأ تاريخ الطبري وليتحسر على تعطل الفتوح وضياع الفرصة التاريخية بسبب الانكفاء على الذات والصراعات القبلية والإقليمية. فالذي تقتضيه الأحوال والطبيعة البشرية ان يمتد الصراع إلى ساحة الفكر ولا يقف عند ساحة القتال ، وأن تتضارب الروايات وتكثر الحكايات والشائعات عن الواقعة الواحدة ، ويختلط الحابل بالنابل والصدق بالكذب ، في أثناء تلك الفتن وبعد خمودها. فما حاجة سيف مثلا ، كائنة ما كانت دوافعه وأهواؤه ، إلى اختلاق الحكايات والحوادث ، مع انه يكفيه أن يدلي بدلوه في أحد الآبار الكثيرة ليجد ما يريد وما حاجته إلى اختراع الرواة إذا كان يكفيه أن يصغي باذنيه إلى جيرانه ؟
والتاريخ الحاضر خير شاهد على صحة هذا التفسير الذي تقبله النفوس والعقول ، فلا يكاد يخلو كتاب من التحيز الشخصي والأسري والحزبي والقبلي والفكري والبلداني ، المقصود وغير المقصود.
وهذا الأمر اكثر وضوحاً في المصادر الأولية ـ مثل مذكرات السياسيين وأقاربهم وما يكتبه بعض المبتدئين عن تاريخ الأسرة أو الاقليم أو القبيلة ـ منه في كتب التاريخ المحررة. ومع ذلك فهو موجود في هذه أيضاً ، وإذا شئت فاقراً كتابا لمؤرخ بريطاني عن الحرب العالمية الثانية ، ثم انظر ما يقوله نظيره الأمريكي والفرنسي والروسي ، أو اقرأ ما كتب عن هزيمة حزيران أو حرب رمضان او حرب الخليج ، فسوف تجد التحيز القومي والبلداني والعقائدي واضحاً جداً.