بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 322

وفي ميزان الذهبي : «وقال يزيد بن زريع حدثنا الكلبي ـ وكان سبئيا ـ قال أبو معاوية : قال الأعمش : اتق هذه السبئية ... الخ ».

نص العقيلي : وفي الضعفاء للعقيلي حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا عمر بن شيبة ، حدثنا عبد الواحد ابن غياث ، حدثنا ابن مهدي قال : جلس إلينا أبو جرى على باب أبي عمر بن العلاء فقال أشهد أن الكلبي كافر إلى قوله : ولكن رأيته ـ يعني الكلبي ـ يضرب على صدره ويقول لنا : سبئي أنا سبئي قال أبو جعفر ( العقيلي ) هم صنف من الرافضة أصحاب عبد الله بن سبأ.

هذه النصوص ـ كما أسلفت ـ أقدم وأوثق مما ساقه د. الهلابي ـ أما قدمها فمشهود لأنها مروية عن صحابي أو تابعي ، أما توثيقها فكونها مسندة ينتهي إسنادها إلى ثقات ، وأيا ما كان درجة إسنادها من الصحة فالفرق كبير بينها وبين نصوص « أبي مخنف » على سبيل المثال ـ وهو من استشهد له الهلابي بنصين في هذا الموطن ، فهو راو متهم ، بل ساقط محترق كما يقول علماء الجرح والتعديل.

ودلالتها على ابن سبأ لم تكن محل خلاف عندهم ، وقد صرح بعضهم بنسبة السبئية إلى ابن سبأ كما صنع العقيلي.

والتحمل واضح في محاولة الفصل بين المصطلح وابن سبأ ، والا فالكتب المختصة بالأنساب والمختصة بالفرق ـ وهي الفيصل عند الاختلاف لا تتردد في نسبة السبئية لابن سبأ ، ولئن كان قد اتسع مصطلح السبئية فيما بعد ودخل فيه طوائف وأجناس فلا مرية أن أصل التسمية يعود إلى ابن سبأ.

٢ ـ وكتب الفرق هي الأخرى مرجع عند الاختلاف في نسبة السبئية ، والغريب في الأمر أن الهلابي سفه أحلام بعض أصحابها واتهمهم بالبلادة ،


صفحه 323

وتجاوز في نقده لهم الموضوع الأساسي إلى موضوعات أخرى ، أما هذا الرصيد من النصوص الموثقة والمراجع والمصادر الثمنية التي بلا شك أن الهلابي قد اطلع على كثير منها ولم يفته الوقوف عليها والإلمام بما في أطوائها.

بماذا تعلقون على موقف الهلابي منها ؟

الغريب في الأمر أن الهلابي لا يرى الاعتماد عليها أبداً إذ يقول : ونحن نرى بالمقابل أنه لا يصح أبداً الاعتماد على كتب الفرق والمقالات في دراسة القضايا التاريخية ثم يعلل ذلك قائلا : إذ أن معظمها إن لم تكن كلها كتبت بروح التحامل والتعصب ، وتعوزها الأمانة والتدقيق في صحة ما تنقل بالإضافة إلى الكثير مما فيها من المبالغات والتناقضات.

وهكذا يتجشم د. الهلابي الصعاب مرة أخرى ، بل ثالثة ورابعة ، وهو يجازف بعبارات كان خليقاً به أن يرفع قلمه عنها ، ونحن لا ندعي العصمة لهولاء ولا لغيرهم ولا نبرئ ساحة كتبهم من الأخطاء ، لكن الرفق بالعلماء من سمات العلماء ، وكيف أباح الدكتور لنفسه أن يتهم معظم كتب المقالات أو كلها بالتحامل والتعصب ، ثم هو يحكم عليها كذلك بضعف الأمانة والتدقيق ، وأنها تحوي الكثير من المبالغات والتناقضات !

إذن أي شيء بقى للدكتور يثق به من تراثنا ؟ وهو الذي لم يثق بما كتبه المؤرخون حين اعتبر المتأخرين منهم نقلة مقلدين عن أسلافهم ، وشنع على الاخباريين الذين رووا قصة ابن سبأ واتهمهم بقلة الأمانة وتلفيق القول واختلاف الروايات وحكم بتفردهم بذكر الخبر ولم يرض بالروايات الواردة في الكتب الأخرى فلم يستبعد أن يكون أصل كتاب البلاذري قد تعرض


صفحه 324

للتحريف من قبل النساخ ، لأنه ذكر ابن سبأ ، أما نص الجاحظ فهو يسقطه معللا ضعف مصدر الشعبي ـ راوي الخبر ـ وهو زحر بن قيس ، بل هو يميل فوق تلك إلى أن القصة وضعت في مرحلة متأخرة نسبياً وأسندت إلى الشعبي ( ت ١٠٤ ) والشعبي من الثقات الأثبات ، ( هكذا يجازف دون دليل ) ، وهو لا يرى اعتماد احكام أصحاب الجرح والتعديل على الإخباريين ، ويرى أن القضايا التاريخية لا تعالج حسب حكم أصحاب الحديث على روايتها إيجاباً أو سلباً ، بل إن الروايات نفسها تعرض على محك النقد والتمحيص والمقارنة فإن ثبتت فذلك ما يبحث عنه المؤرخ ، وإن هي انهارت فلا قيمة لها بصرف النظر عن مكانة راويها العلمية وسمعته فقد يكون نقلها بحسن نية .. الخ ، ونحن بدورنا نقول : أي منهج هذا وماذا بقى للدكتور يرتضيه من تراثنا ومناهج أسلافنا !

منهج الهلابي

هل ترون أن د. الهلابي يعتمد منهجاً محدداً لما يقبله أو يرفضه من الروايات ، بحيث استند عليه في بحثه لهذه القضية ؟

الذي بدا لي حقيقة أن د. الهلابي يعتمد على منهج محدد متمثل في أن لديه مقررات سابقة يحتفظ بها ويحاكم النصوص إليها فيقبل منها ما ينسجم معها ويطرح جانباً ما يعارضها وقد يقبل من مؤلف واحد نصاً في موطن استشهاده ويرفض منه أو يتجاهل نصاً آخر في موطن استنكاره ! وحتى تتضح الصورة أسوق النموذج التالي : فيما نحن بصدده قبل الدكتور بنص عند أبي الحسن الأشعري ينسب السبئية فيه إلى عبد الرحمن بن سبابة ، واعتبر ذلك جالياً


صفحه 325

لغموض هذه التسمية التي تسميها بها بعض كتب الفرق ، وأن ذلك لا علاقة له بمصطلح السبئية والتي تسمى أحيانا ب‌ « السبا » ، لكنه تجاهل تماماً نصاً آخر عند الأشعري نفسه ينسب فيه السبئية إلى عبد الله بن سبأ فيقول : السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون ... الخ ( ١ / ٨٦ ) ، فهل يقال أن الدكتور لم يطلع عليه ، أم لأنه لا يخدمه !

لا جديد

ذكرتم لنا أن د. عبد العزيز الهلابي كتب في الحولية الثامنة الرسالة الخامسة من حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت بحثه الذي هو بعنوان : « عبد الله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة » هل لكم أن توضحوا لنا ماذا يريد الهلابي في هذة الرسالة وما الجديد فيما طرحه وما هي أصول آرائه التي أعلنها ؟

الحق اننا حين نعود إلى الكتابات السابقة لا نجد في الموضوع جديدا في طرح د. الهلابي ولا من تابعه أمثال تلميذه حسن المالكي في كتاباته المتأخرة.

يقول المستشرق « إسرائيل فريد لندر » : إن ابن سبأ ليس إلا شيء في نفس سيف أراد أن يبعد به شبح الفتنة عن الصحابة وأنها إنما أتت من يهودي تستر بالإسلام.

ومن الملاحظ أن هذا المستشرقين مع محاولته لتقليل شأن ابن سبأ في الفتنة واتهامه لسيف وهو نفس ما حاوله د. الهلابي ، الذي لم يجرؤ على إنكار شخصية ابن سبأ مطلقاً فهو يقول : ليس بإمكاننا أن ننكر الأشياء الإيجابية التي


صفحه 326

جاء بها سيف عن ابن سبأ مثل : أصله وحياته وظهوره بين المسلمين ويقول أن هذا جاء من الهوى.

أما المستشرق كايتاني فهو أشد مهاجمة لرواية سيف ، وقد خلص منها إلى القول بأن مؤامرة كهذا إنما يصح تفسيرها على أنها حادثة في العصر العباسي فهي تعكس أحوال ذلك العصر ..

وهذا التعليل كفانا في الرد على د. عبد الرحمن بدوي وهو يناقش آراء المستشرقين في هذه المسائلة.

أما مرتضى العسكري فيقول : إن جميع من نقل قصة ابن سبأ إنما اخذ من معين الطبري واستقى أخباره من كتابه.

وفي كتاب آخر له اعتبر ( ابن سبأ ) شخصيه أسطورية نقل الطبري أخباره عن راو كذاب يدعى سيف بن عمر التميمي.

ويتهكم العسكري على كُتاب « المقالات والفرق » ويصفهم بأوصاف مشينة حين يقول : كانت تلك أقوال أهل الملل والنحل ونسج على منوالهم في الهذر آخرون !

ويقول عنهم : إنهم تنافسوا في تكثير عدد الفرق في الإسلام .. ويبدو أنهم كتبوا من عند أنفسهم شروحاً عن أولئك الفرق توضح عقائدهم !

ويقترب من هؤلاء د. طه حسين فيما طرحه ـ فهو أقرب إلى الشك منه إلى اليقين فهو يستغرب مثلاً اغفال بعض المصادر لذكره كابن سعد والبلاذري ، ثم يعود أخرى ويجعل من اغفال المؤرخين له وباتباعه السبئية في احداث صفين دليلاً على أن أمر ابن سبأ والسبئية إنما كان متكلفاً منحولاً.

ويقول في موطن ثالث : فلندع إذن ابن السوداء هذا وأصحابه سواء


صفحه 327

كان أمرهم وهماً خالصاً أم أمراً غير ذي خطر بولغ فيه.

إذا كانت آراء د. الهلابي لا تخرج عن هذه الأطر في رؤيته لشخصية عبد الله بن سبأ والسبئية تأكد لنا أن ليس ثمة جديد يسبق إليه الهلابي ، وبالتالي وقفنا على الأصول التي انطلق منها في هذا الرؤية الجديدة !

تشنيع في حق المؤرخين الإسلاميين

يثير الهلابي مقولة يرددها في بعض اطروحاته استند إليها في كثير من وقفاته وكذلك بالنسبة لمن يرى برأيه أمثال المالكي وغيره .. وهذه المقولة مفادها أن الطبري هو الأساس في نقل روايات سيف لابن سبأ ومعظمها عنده وأقلها عند ابن عساكر وكل من جاء بعد الطبري نقل منه. بل يزيد على ذلك ويقطع بأنه لم يرد عند مؤرخي القرن الثالث والرابع الهجريين أي ذكر عن ابن سبأ ودوره في الأحداث لا في مروياتهم ولا في كتب المؤرخين منهم ، فما تعليقكم على هذه المقولة ؟

هذه المقولة للهلابي أعدها نموذجاً للجرأة غير المتزنة والتي يمارس فيها بشكل واضح الإنقاص من جهود المؤرخين الإسلاميين الذين سبقوه في هذا المجال والذين وصلوا إلى ما لم يصل إليه هو.

وهي بلا شك يعتريها الخلل الكبير وتحتاج إلى المزيد من الإيضاح من خلال الوقفات التالية :

١ ـ هناك تمويه وتعمية من الهلابي على تاريخ ابن عساكر حيث أشار إلى


صفحه 328

قلة مروياته لعبد الله بن سبأ من طريق سيف وهذا حق بالمقارنة بالطبري لكن لا أدري لماذا تجاهل أي ذكر للمرويات الأخرى التي ساقها ابن عساكر من طريق لا تنتهي إلى سيف. أ لأن الدكتور لم يطلع عليها ؟ أم لأنها تهدم أساسيات بحثه ، الذي اعتمد عليه ؟ على أية حال سواء كان هذا أو ذاك فهو خلاف المنهج العلمي.

ثم يكرر التمويه والتعمية مرة أخرى ، بل يناقض نفسه حين يقول أن ذكر ابن عساكر كمصدر مهم لمرويات ابن سبأ من باب الإيهام وإلاّ فهو كغيره ينقل عن الطبري رواية سيف بن عمر ، أو ينقلها مباشرة من سيف.

كيف أباح الدكتور لنفسه أن يقول انه لم يرد أي ذكر لابن سبأ عند مؤرخي القرنين الثالث والرابع الهجري لا في مروياتهم ولا في كتبهم ـ وقد وقفنا في احدى الروايات السابقة على رواية ابن أبي خيثمة أحمد بن زهير ، الذي عاش قي القرن الثالث ، بل وأدرك نهاية القرن الثاني ( ٢٧٩ ـ ١٨٥ ه‌ ) وهو صاحب كتاب التاريخ الكبير الذي امتدحه الخطيب البغدادي فقال : « وله كتاب التاريخ الذي أحسن تصنيفه وأكثر فائدته ». ولا أعرف أغزر فوائد من كتاب التاريخ الذي صنفه ابن أبي خيثمة.

وامتدحه ابن كثير ، وأثنى على كتابه فقال : كان ثقة حافظاً ضابطاً مشهوراً ، وفي تاريخه فوائد كثيرة وفرائد غزيرة.

كما جاء على ذكر ابن سبأ من مؤرخي القرن الثالث ابن حبيب ، المتوفي سنة ٢٤٥ ه‌ وابن قتيبة المتوفي سنة ٢٧٦ ه‌. والجوزجاني المتوفي سنة ٢٥٦ ـ ٢٥٩ وغيرهم.


صفحه 329

أطروحات خطيرة

في ختام هذا الحوار ، وبعد أن كشفتم لنا حقيقة ابن سبأ وأثره في الفتنة العظيمة في صدر الإسلام .. هلا بينتم لنا ما وراء الإنكار أو التشكيك في هذا الشخصية ؟

ان ما وراء إنكار وجود ابن سبأ والتشكيك في حقيقته انما يدركه الذين سبقوا الهلابي في طرحهم لهذه القضية إذ انهم أصحاب آراء ومذاهب جانحة ويعرفون جيداً ماذا يترتب على هذا الإنكار.

أما د. عبد العزيز الهلابي فإنني أجدها فرصة سانحة عبر جريدة « المسلمون » التي تعهدت بإيصال كلمة الحق إلى أرجاء الأمة .. لكي اذكره أكثر من غيره ، كما اذكر تلميذه الذي يسير على مذهبه حسن المالكي اذكرهم جميعاً بخطورة هذه الطروحات ، لما تفرزه من خلفيات قد تغيب عن أذهان البعض ، وفوق أن هذه الآراء فيها تسفيه لآراء السابقين واتهام لهم بالسطحية والغفلة عن تحقيق ما ينقلون من نصوص وتعميق ما يطرحون من آراء ، ففي هذا الرأي نسف لكتب باكملها تعد من مفردات كتب التراث ، ويعتمد عليها في النقل والتوثيق من قرون متطاولة ، فكتاب منهاج السنة ـ مثلاً ـ لشيخ الاسلام ابن تيمية ينطلق من اعتبار عبد الله بن سبأ أصل الرافضة ، فهو أول من قال بالوصية والرجعة وغيرها من معتقدات وانكار هذه الشخصية أو التشكيك فيها تشكيك في الكتاب كله ، ونسف له من اصوله ، بل ربما تجاوز الامر ذلك إلى التشكيك في اصول الرافضة وتاريخ نشأتهم.