تشويهه حتى وإن خالفونا مخالفة جذرية لكنني أرى أن من أسباب عدم اقتناع بعضهم بمنهج الحدثين هو سوء التطبيقات التي يرونها عند بعض المؤرخين الاسلاميين التي تظهر منها الازدواجية والانتقاء وغيرها من العيوب التي تبدو ظاهرة في كتابات د. سليمان العودة ولذلك أرى أن بعض المؤرخين من الاسلاميين أكثر ضرراً على منهج المحدثين من المستشرقين والمبتدعة حتى وإن كانت كتاباتهم بحسن نية وحباً في الرد على المخالفين.
فسيف بن عمر مثلاً لو تقرأ ما كتبه عنه بعض المستشرقين وبعض المبتدعة لوجدت أن أحكامهم على سيف أقرب لمنهج المحدثين مما كتبه عنه د. سليمان العودة مع أن د. سليمان يظهر أنه حسن النية لكن حسن النية لا يكفي ولابد لها من منهج وهذا ما يغفل عنه كثير من الاخوة الافاضل فهم يظنون أن الاعتراف بما عند الكفار أو المبتدعة من بحث وجهد يعتبر ميلاً لهم وأن هذا يخالف عقيدة الولاء والبراء ؟!
وهذا خلط بين أمور متباينة فأنا أبغض الكافر لكن إن وجدت له بحثاً جيداً في التاريخ أو غيره فلماذا لا أستفيد مه مع براءتي من عقيدته وفي المقابل لو وجدت رسالة هزيلة لأحد الإخوة الدعاة الخطباء !! فهل يحملني حب ذلك الرجل في الله على الإشادة برسالته الهزيلة ؟! والأخذ بنتائجها الباطلة ؟! إذن أرجو أن يفرق الإخوة بين المسألتين فإذا فرقوا بينهما تبين لنا كثير من الحقائق.
وللأسف أن أكثر المؤرخين الاسلاميين بل كثير من طلبة العلم يخلط بين هذه الامور المتباينة متناسين صواب الأثر القائل : « الحكمة ضالة المؤمن فأين وجدها فهو أحق بها » وهذا معناه صحيح وإن لم يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتدل عليه تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين
وسلفنا الصالح.
استثارة العواطف
د. سليمان إن افتقد الدليل والبرهان لجأ للعاطفة واستثارتها عند الجماهير !! وهذا أيضاً أسلوب متبع عند كثير من الناس فتجدهم يتهمون إخوانهم في الدين إن اتفق أحدهم في مسألة معينة مع أحد المستشرقين مثلاً فإنهم يحاولون أن يربطوا بينهما في الفكر !! وهذا ظلم وحجر على البحث العلمي.
وعلى سبيل المثال نجد د. سليمان في لقاء « المسلمون » يتهم د. الهلابي بأنه يريد إحياء آراء مرتضى العسكري !! لأنهما اتفقا في نفي وجود عبد الله بن سبأ مع أن د. الهلابي ذكر في دراسته عن ابن سبأ انه لم يطلع على دراسة العسكري !! ثم لو اطلع عليها واتفقا في بعض النتائج أو جلها فهل يعني هذا أن هناك ارتباطاً فكرياً بين الرجلين ؟! هل تكذيب سيف صادر من الشيعة أم من المحدثين ؟ هل نفي ابن سبأ حكر على الشيعة أم انه مشاع للبحث العلمي ؟! وكذلك لما أثنيت أنا على ( بعض الانصاف ) في كتب طه حسين بتر الدكتور عبارتي وزعم أنني قلت انه ( منصف ) ثم حاول الدكتور أن يربط فكرياً بيني وبين د. طه حسين !! ثم نقل شذوذات طه حسين وزعم أنها هي ( الإنصاف ) الذي أعنيه !!
اتق الله يا د. سليمان والله إنك لتعلم أن إلزامك هذا باطل وأنت مسؤول أمام الله عن هذا الكلام والغريب أن الدكتور نسى أنني حذرت من كتابات د. طه حسين في المتن !! لكنني اعترفت في الهامش بأنني أحياناً أجد إنصافاً في
كتاباته وهذا حق لا أتبرأ منه ود. سليمان نفسه استشهد في رسالته بكثير من أقوال المستشرقين والمبتدعة فهل يريد منا أن نلزمه بأنه يعتقد عقائد هؤلاء ؟ إذا كانت المسألة مسألة تنابز بالاتهامات والالزامات الباطلة فهذا يسير وكل منا يستطيع التحريف والبتر والربط بين المؤلف وعقائد آخرين وأفكارهم !! لكن هل هذا المنهج الخاطئ يساعد في البحث العلمي ؟! هل هذا المنهج منهج اسلامي ؟! إذن فالدكتور سليمان مطالب بإعادة النظر في أساليب محاربته للآخرين فيجب أن تكون المحاربة شريفة وأن تستخدم فيها أسلحة الأدلة والبراهين للآخرين وليس أسلحة العواطف واستثارة الجماهير تلك الاستثارة التي لا تقوم على العدل وعلى الانصاف وإنما على بتر النصوص وإلزام الاباطيل. وهذه الاساليب يمكن للطرف الآخر استخدامها بكفاءة أيضاً !! لكنها لا تخدم البحث العلمي لأنها غير علمية ود. سليمان يعرف هذا تماماً.
الخلط في الروايات بين مسألتين مختلفتين
د. سليمان العودة خلط بين مسألتين مختلفتين تماماً مسألة وجود عبدالله بن سبأ وهذه وجدها الدكتور في روايات غير رواية سيف بن عمر وتبقى بحاجة إلى دراسة هل هي كافية مع ضعفها لإثبات وجوده أم لا ، لكن هذه المسألة الخلاف فيها يسير.
أما مسألة الكبرى فهي دور عبدالله بن سبأ في الفتنة فهذه لم يجد د. سليمان فيها سوى روايات سيف بن عمر !! ودور ابن سبأ في الفتنة هو الأساس وهذا الدور لم يتفوه به أحد غير سيف بن عمر !! وحتى أوضح الفرق أقول : خذوا شخصية مشهورة مثل خالد بن الوليد متواترة الوجود ألا
توجد أخبار لخالد بن الوليد لا تصح ؟ إذا كان خالد بن الوليد موجوداً هل يعتبر هذا مبرراً لإثبات كل الأخبار التي نسبت إليه سواء كانت صحيحة أم مكذوبة أم أنه لا يجوز أن تنسب إليه إلا الأخبار المقبولة ؟
لا ريب انكم تنفقون معي أنه لا يجوز أن تنسب إلى خالد بن الوليد أو غيره إلاّ الأخبار المقبولة لا المكذوبة أو المنكرة ..
إذن قضية عبدالله بن سبأ مثل هذه تماماً بمعنى أنه أن كان عبدالله بن سبأ موجوداً فلا يجوز أن ننسب إليه أخباراً مكذوبة كأن نقول إن من تلاميذه عمار بن ياسر وأبا ذر وأنه أحد قواد علي بن أبي طالب !! وأن من أتباعه عدي بن حاتم وزيد بن صوحان وغيرهم من خيرة الصحابة والتابعين !!
أمّا د. العودة فإنه يعتبر أنه ما دام ابن سبأ موجوداً إذن فكل الأخبار التي نسبت إليه صحيحة حتى وإن انفرد بها كذاب !! وهذا خلافنا معه في أصل المنهج فنحن بحاجة ـ نحن وهو ـ إلى مراجهة المنهج أولاً ثم الانطلاقة منه لدراسة التاريخ أما أن ندرس التاريخ والمنهج غير متضح عندنا فهذا خلل كبير يسبب اختلافاً أكبر. ولذلك تكلم المحدثون والمؤرخون المتقدمون عن الفتنة ولم يذكروا عبد الله بن سبأ بحرف واحد حتى الذهبي وابن حجر الذين ينسب إليهما العودة توثيق سيف بن عمر في التاريخ لم يذكروا دور عبدالله بن سبأ في الفتنة بحرف واحد وقبل الذهبي وابن حجر نجد كل علماء المحدثين وكل المؤرخين خاصة المتقدمين منهم لم يذكروا عبدالله بن سبأ في الفتنة.
انظروا إن شئتم تاريخ خليفة بن خياط وطبقات ابن سعد وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والاجزاء والفوائد والمستدركان والمستخرجات والطبقات والتراجم وكتب الأدب وكتب الانساب لم تذكر هذه المصادر حرفاً
واحداً عن دور عبدالله بن سبأ في الفتنة اللهم إلاّ من نقل عن سيف بن عمر مثل الطبري وغيره وهذا قد أدركه د. العودة جيداً لكنه حرص على خلط المسألتين وجعلهما مسألة واحدة لأن جل رسالته قائمة على الأمر الأخير ( دور ابن سبأ ) لا الأول ( وجود ابن سبأ ) !! وعلى هذا فلو سلمنا للدكتور سليمان بأن غير سيف ذكر عبدالله بن سبأ فهل ذكروا ( دوره في الفتنة ) كما فعل الدكتور في رسالته أم ذكروا ( غلوه في علي ) فقط !!
فالأمر الأول لم يذكره أحد غير سيف وهو معظم ما قيل عن ابن سبأ أم الثاني فهو جزء يسير جداً لا يتعدى ٥ % من أخبار عبدالله بن سبأ فكيف يكون ال ٥ % حجة في إثبات ٩٥ % بلا دليل ولا برهان ؟!
د. العودة
يعقب على طروحات المالكي
أردت نشر الحقائق العلمية مع بيان مغالطاتمن شكك فيها (١ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ١٨ جمادى الاولى ـ ١٤١٨ ه
طالعت ما كتبه المالكي في جريدة الرياض الثلاثاء ٩ / ٤ / ١٤١٨ ه بعنوان « عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق » وكان ـ في زعمه ـ رداً على الحقات الأربع التي كتبتها للجريدة نفسها بعنوان « الانقاذ من دعاوى الانقاذ للتاريخ الاسلامي » أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد ٢٧ ، ٢٨ ، ٢٩ ، ٣٠ / ٣ / ١٤١٨ ه. وقبل أن أستكمل قراءة مقال المالكي ـ علم الله ـ هاتفني عدد من المهتمين والعارفين ، يشكرون على المقالات السابقة ، ولكنهم متفاوتون
ـ في وجهة نظرهم حول الرد على ( مغالطاته ، وكاسحاته ) إذ يؤكد الكثير منهم على طبيعة المالكي الشخصية ، وتخصصه في ( الجدل ) ورغبته في ( المراء ) وأنه لا يرغب الحقيقة قدر ما يهوى النقاش وإثبات الذات ، وتسفية أحلام الآخرين ، والوصول إلى هدف معين ! وبالتالي ـ وحسب وجهة نظر هؤلاء فلا فائدة من إضاعة الوقت معه ، وأقصر الطرق لسقوطه إغفاله وتناسيه ويضرب هؤلاء أمثلة لمن ردوا على المالكي ونصحوه ولكن دون جدوى ، ويرى هؤلاء أن الناس لم يبلغوا درجة من البساطة بحيث تتأثر قناعاتهم الراسخة بمثل هذه الطروحات الفجة.
أما الفئة الأخرى فيرون ضرورة التصدي له ، وفضح أفكاره ، وبيان عور منهجه ولو كان ذلك على حساب الوقت المبذول ـ فيما هو أنفع ـ وحجة هؤلاء أن ثمة طائفة من القرّاء قد تنخدع به ، وقد يتطاول هو إذا لم يجد من « يقلم أظفاره » ! ثم بدا لي رأياً وسطاً يقصي بالرد على مغالطاته الأخيرة ، وبيان تناقضاته ، وخلل منهجه واعطاء القارئ بعض ( الحصانة ) لما يمكن أن يكتبه مستقبلاً ، وبيان سهولة الكذب عنده ، والتزوير وتشويه الحقائق بأساليب ملتوية ، وعسى أن يكون ذلك اسهاماً في حماية الأمة من الأفكار المتسللة ، وكشفاً للتدليس المتلبس بعباءة النقد التاريخي ، والمتدثر بمنهج المحدثين والتحقيق العلمي ؟!
غموض في الشخصية
وأستطيع القول ـ وبكل ثقة ، ودون مجازفة ـ إن من أبرز سمات منهج المالكي في كتاباته التاريخية ما يلي :
النيل من الصحابة والتعريض بهم.
ـ والتقول على العلماء بغير حق ، وتجريحهم.
والهوى مع المبتدعة والدفاع عنهم.
وتشويه الحقائق التاريخية والتشكيك فيها.
والتشابك مع الطرح المشبوه وتلميع المشبوهين.
والكذب والمراوغة.
والغموض في الشخصية والأهداف.
وأمتلك الدليل ومن كلام المالكي نفسه ، وأنصف المالكي من أقام البينة عليه من كتبه ومقالاته ، ويعلم الله أنني أجد في كل مقال يكتبه ، أو رد يعقب به مستمسكاً جديداً ، وتتضح لي ـ وربما لغيري ـ ملامح شخصيته أكثر فأكثر ، ويبادلني الشعور بها أساتذة فضلاء ، وإخوة أعزاء ، ولله الحمد والمنة.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ويبدو لي أن المالكي يدافع قلقاً مزمناً ، ويعيش تناقضاً مؤلماً ، فلا هو بالسوي الذي يستطيع السير مع الصحاح ويسعه ما وسع جمهور الأمة ولا هو بقادر على أن يبوح بما لديه جهارا ، ولذا تراه ( يتسلل ) في طرح أفكاره تسللاً ، فإذا كشف في جانب اِحتمى بجانب آخر ، وأوهم بسوء فهم الآخرين له ، وكال لهم ( التهم ) جزافاً حتى لا ينكشف أمره !
وحين طالعت ما كتبه ( المالكي ) رداً على مقالتي المنشورتين في « المسلمون » بعنوان « ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر » أيام الجمعة الموافق ٥ ، ١٢ / ٤ / ١٤١٨ ه ، ولم يكن رداً عليه قدر ما كان نشراً لحقائق علمية ، مع بيان مغالطات من شكك فيها.
حينها تذكرت قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه