كتاباته وهذا حق لا أتبرأ منه ود. سليمان نفسه استشهد في رسالته بكثير من أقوال المستشرقين والمبتدعة فهل يريد منا أن نلزمه بأنه يعتقد عقائد هؤلاء ؟ إذا كانت المسألة مسألة تنابز بالاتهامات والالزامات الباطلة فهذا يسير وكل منا يستطيع التحريف والبتر والربط بين المؤلف وعقائد آخرين وأفكارهم !! لكن هل هذا المنهج الخاطئ يساعد في البحث العلمي ؟! هل هذا المنهج منهج اسلامي ؟! إذن فالدكتور سليمان مطالب بإعادة النظر في أساليب محاربته للآخرين فيجب أن تكون المحاربة شريفة وأن تستخدم فيها أسلحة الأدلة والبراهين للآخرين وليس أسلحة العواطف واستثارة الجماهير تلك الاستثارة التي لا تقوم على العدل وعلى الانصاف وإنما على بتر النصوص وإلزام الاباطيل. وهذه الاساليب يمكن للطرف الآخر استخدامها بكفاءة أيضاً !! لكنها لا تخدم البحث العلمي لأنها غير علمية ود. سليمان يعرف هذا تماماً.
الخلط في الروايات بين مسألتين مختلفتين
د. سليمان العودة خلط بين مسألتين مختلفتين تماماً مسألة وجود عبدالله بن سبأ وهذه وجدها الدكتور في روايات غير رواية سيف بن عمر وتبقى بحاجة إلى دراسة هل هي كافية مع ضعفها لإثبات وجوده أم لا ، لكن هذه المسألة الخلاف فيها يسير.
أما مسألة الكبرى فهي دور عبدالله بن سبأ في الفتنة فهذه لم يجد د. سليمان فيها سوى روايات سيف بن عمر !! ودور ابن سبأ في الفتنة هو الأساس وهذا الدور لم يتفوه به أحد غير سيف بن عمر !! وحتى أوضح الفرق أقول : خذوا شخصية مشهورة مثل خالد بن الوليد متواترة الوجود ألا
توجد أخبار لخالد بن الوليد لا تصح ؟ إذا كان خالد بن الوليد موجوداً هل يعتبر هذا مبرراً لإثبات كل الأخبار التي نسبت إليه سواء كانت صحيحة أم مكذوبة أم أنه لا يجوز أن تنسب إليه إلا الأخبار المقبولة ؟
لا ريب انكم تنفقون معي أنه لا يجوز أن تنسب إلى خالد بن الوليد أو غيره إلاّ الأخبار المقبولة لا المكذوبة أو المنكرة ..
إذن قضية عبدالله بن سبأ مثل هذه تماماً بمعنى أنه أن كان عبدالله بن سبأ موجوداً فلا يجوز أن ننسب إليه أخباراً مكذوبة كأن نقول إن من تلاميذه عمار بن ياسر وأبا ذر وأنه أحد قواد علي بن أبي طالب !! وأن من أتباعه عدي بن حاتم وزيد بن صوحان وغيرهم من خيرة الصحابة والتابعين !!
أمّا د. العودة فإنه يعتبر أنه ما دام ابن سبأ موجوداً إذن فكل الأخبار التي نسبت إليه صحيحة حتى وإن انفرد بها كذاب !! وهذا خلافنا معه في أصل المنهج فنحن بحاجة ـ نحن وهو ـ إلى مراجهة المنهج أولاً ثم الانطلاقة منه لدراسة التاريخ أما أن ندرس التاريخ والمنهج غير متضح عندنا فهذا خلل كبير يسبب اختلافاً أكبر. ولذلك تكلم المحدثون والمؤرخون المتقدمون عن الفتنة ولم يذكروا عبد الله بن سبأ بحرف واحد حتى الذهبي وابن حجر الذين ينسب إليهما العودة توثيق سيف بن عمر في التاريخ لم يذكروا دور عبدالله بن سبأ في الفتنة بحرف واحد وقبل الذهبي وابن حجر نجد كل علماء المحدثين وكل المؤرخين خاصة المتقدمين منهم لم يذكروا عبدالله بن سبأ في الفتنة.
انظروا إن شئتم تاريخ خليفة بن خياط وطبقات ابن سعد وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والاجزاء والفوائد والمستدركان والمستخرجات والطبقات والتراجم وكتب الأدب وكتب الانساب لم تذكر هذه المصادر حرفاً
واحداً عن دور عبدالله بن سبأ في الفتنة اللهم إلاّ من نقل عن سيف بن عمر مثل الطبري وغيره وهذا قد أدركه د. العودة جيداً لكنه حرص على خلط المسألتين وجعلهما مسألة واحدة لأن جل رسالته قائمة على الأمر الأخير ( دور ابن سبأ ) لا الأول ( وجود ابن سبأ ) !! وعلى هذا فلو سلمنا للدكتور سليمان بأن غير سيف ذكر عبدالله بن سبأ فهل ذكروا ( دوره في الفتنة ) كما فعل الدكتور في رسالته أم ذكروا ( غلوه في علي ) فقط !!
فالأمر الأول لم يذكره أحد غير سيف وهو معظم ما قيل عن ابن سبأ أم الثاني فهو جزء يسير جداً لا يتعدى ٥ % من أخبار عبدالله بن سبأ فكيف يكون ال ٥ % حجة في إثبات ٩٥ % بلا دليل ولا برهان ؟!
د. العودة
يعقب على طروحات المالكي
أردت نشر الحقائق العلمية مع بيان مغالطاتمن شكك فيها (١ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ١٨ جمادى الاولى ـ ١٤١٨ ه
طالعت ما كتبه المالكي في جريدة الرياض الثلاثاء ٩ / ٤ / ١٤١٨ ه بعنوان « عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق » وكان ـ في زعمه ـ رداً على الحقات الأربع التي كتبتها للجريدة نفسها بعنوان « الانقاذ من دعاوى الانقاذ للتاريخ الاسلامي » أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد ٢٧ ، ٢٨ ، ٢٩ ، ٣٠ / ٣ / ١٤١٨ ه. وقبل أن أستكمل قراءة مقال المالكي ـ علم الله ـ هاتفني عدد من المهتمين والعارفين ، يشكرون على المقالات السابقة ، ولكنهم متفاوتون
ـ في وجهة نظرهم حول الرد على ( مغالطاته ، وكاسحاته ) إذ يؤكد الكثير منهم على طبيعة المالكي الشخصية ، وتخصصه في ( الجدل ) ورغبته في ( المراء ) وأنه لا يرغب الحقيقة قدر ما يهوى النقاش وإثبات الذات ، وتسفية أحلام الآخرين ، والوصول إلى هدف معين ! وبالتالي ـ وحسب وجهة نظر هؤلاء فلا فائدة من إضاعة الوقت معه ، وأقصر الطرق لسقوطه إغفاله وتناسيه ويضرب هؤلاء أمثلة لمن ردوا على المالكي ونصحوه ولكن دون جدوى ، ويرى هؤلاء أن الناس لم يبلغوا درجة من البساطة بحيث تتأثر قناعاتهم الراسخة بمثل هذه الطروحات الفجة.
أما الفئة الأخرى فيرون ضرورة التصدي له ، وفضح أفكاره ، وبيان عور منهجه ولو كان ذلك على حساب الوقت المبذول ـ فيما هو أنفع ـ وحجة هؤلاء أن ثمة طائفة من القرّاء قد تنخدع به ، وقد يتطاول هو إذا لم يجد من « يقلم أظفاره » ! ثم بدا لي رأياً وسطاً يقصي بالرد على مغالطاته الأخيرة ، وبيان تناقضاته ، وخلل منهجه واعطاء القارئ بعض ( الحصانة ) لما يمكن أن يكتبه مستقبلاً ، وبيان سهولة الكذب عنده ، والتزوير وتشويه الحقائق بأساليب ملتوية ، وعسى أن يكون ذلك اسهاماً في حماية الأمة من الأفكار المتسللة ، وكشفاً للتدليس المتلبس بعباءة النقد التاريخي ، والمتدثر بمنهج المحدثين والتحقيق العلمي ؟!
غموض في الشخصية
وأستطيع القول ـ وبكل ثقة ، ودون مجازفة ـ إن من أبرز سمات منهج المالكي في كتاباته التاريخية ما يلي :
النيل من الصحابة والتعريض بهم.
ـ والتقول على العلماء بغير حق ، وتجريحهم.
والهوى مع المبتدعة والدفاع عنهم.
وتشويه الحقائق التاريخية والتشكيك فيها.
والتشابك مع الطرح المشبوه وتلميع المشبوهين.
والكذب والمراوغة.
والغموض في الشخصية والأهداف.
وأمتلك الدليل ومن كلام المالكي نفسه ، وأنصف المالكي من أقام البينة عليه من كتبه ومقالاته ، ويعلم الله أنني أجد في كل مقال يكتبه ، أو رد يعقب به مستمسكاً جديداً ، وتتضح لي ـ وربما لغيري ـ ملامح شخصيته أكثر فأكثر ، ويبادلني الشعور بها أساتذة فضلاء ، وإخوة أعزاء ، ولله الحمد والمنة.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ويبدو لي أن المالكي يدافع قلقاً مزمناً ، ويعيش تناقضاً مؤلماً ، فلا هو بالسوي الذي يستطيع السير مع الصحاح ويسعه ما وسع جمهور الأمة ولا هو بقادر على أن يبوح بما لديه جهارا ، ولذا تراه ( يتسلل ) في طرح أفكاره تسللاً ، فإذا كشف في جانب اِحتمى بجانب آخر ، وأوهم بسوء فهم الآخرين له ، وكال لهم ( التهم ) جزافاً حتى لا ينكشف أمره !
وحين طالعت ما كتبه ( المالكي ) رداً على مقالتي المنشورتين في « المسلمون » بعنوان « ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر » أيام الجمعة الموافق ٥ ، ١٢ / ٤ / ١٤١٨ ه ، ولم يكن رداً عليه قدر ما كان نشراً لحقائق علمية ، مع بيان مغالطات من شكك فيها.
حينها تذكرت قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه
الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي أمامة رضى الله عنه :
« ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه ، إلا أوتوا الجدل ».
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية :
(مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)( انظر صحيح سنن الترمذي ٣ / ١٠٣ ، والآية ٥٨ من سورة الزخرف ).
ولقد لفت نظري هذه المقدمة التي ابتدأ المالكي بها مقاله في جريدتي الرياض ، والمسلمون من الحصار بأساليب لا أظنها تمر على البيب وإن لم يكن من أهل الاختصاص وانضر إليه مثلاً وهو يقول في جريدة الرياض : لو لم أكن مؤلف كتاب الرياض ولو لم أكن كانت المقالات المنتقدة لشككت في هذا المنتقد ... » !
ولا غرابة فمن المخارج التي اعتادها المالكي ، تسفيه أحلام الآخرين ، وعدم فهمهم ، ورميه لهم بالتهم .. إلى غير ذلك ـ مما يحاول معه استعطاف رأي القرّاء من جانب ، والخروج من المأزق من جانب آخر.
ولقد قال عني « والدكتور سليمان العودة بنى كل مقالاته الأربع على فهم خاطئ لأقوالي وبناء على هذا الفهم الخاطئ ردّ رده ، ثم اتهمني ... » فقد قال مثل ذلك أو قريباً منه لغيري.
ففي رده على ( الفقيهي ) قال المالكي : ومن الأسباب أن الأخ الفقيهي ـ سامحه الله ـ قد حملني أشياء لم أقلها ، وأفهم القرّاء من مقالاتي أشياء لم تخطر لي على بال ، فأجاد ـ سامحه الله ـ التحوير وأساء التفسير لكثير مما كتبته ولم ينس أن يتهمني بالبدعة والاستشراق كما هو ديدن أكثر المؤرخين الاسلاميين أيضاً في هذا العصر ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ص ٢٢٤ ).
وفي رده على د. الفريح ردد نفس النغمة فقال : وحقيقة قلت أكثر من مرة إن البلاء يأتي في عدم فهم المكتوب ، أو عدم قراءته ، أو تعمد الظلم والتزوير ، وللأسف ان كل هذا وزيادة قد وقع فيه الأخر الفريح .. » ( الحلقة السادسة من الحديث عن القعقاع : وقفة مع الردود والتعقيبات ).
ولم يسلم د. العسكر من هذ التهمة ، رغم ثناء المالكي عليه وأن رده اكتسى بحلل الخلق الرفيع والأدب الجم .. لكن المالكي عاد ليقول عن العسكر : أشعر بأن الدكتور استعجل في قراءة مقالاتي الأربع ، وحملني أشياء لم أقل بها .. ( كتاب الرياض ص ٨٩ ، ٩١ ).
أما د. الهويمل فرغم ما في مقاله من وقفات وإشارات معبرة فقد اعتبره المالكي ( أنه مقال بلا موقف ) ، واختزل الرد على مقال الدكتور الذي جاء في صفحة كاملة بعدد من الأسطر ، ووصف كتاباته ب ( الضبابية ) ، وأنها لا تخدم هدفاً أسمى ؟ واتهمه بسوء الفهم إلى درجة أنه يجعل الخمسة أربعة ، ثم ثلاثة في سطر واحد ؟!
ولقد نصح د. الهويمل المالكي ، وحدد موقفه حين قال : « وكلمة أخيرة للمالكي نقولها ناصحين السكينة السكينة ، والتروي التروي ... فالأمر أخطر من أن تتلاحق فيه الأحكام ، وتستمر الهدميات والقفز من قضية إلى أخرى ، والتشابك مع الطرح المشبوه .. ».
وهذه العبارة الأخيرة ـ في نظري ـ كافية لتحديد الموقف من طروحات المالكي .. ، ومن قرأ المقال مرة واحدة خرج منه بعدد من النتائج والمواقف ، وأن استعصت على المالكي أثر ( ثلاث ) قراءات ؟!
شنشنة قديمة