واحداً عن دور عبدالله بن سبأ في الفتنة اللهم إلاّ من نقل عن سيف بن عمر مثل الطبري وغيره وهذا قد أدركه د. العودة جيداً لكنه حرص على خلط المسألتين وجعلهما مسألة واحدة لأن جل رسالته قائمة على الأمر الأخير ( دور ابن سبأ ) لا الأول ( وجود ابن سبأ ) !! وعلى هذا فلو سلمنا للدكتور سليمان بأن غير سيف ذكر عبدالله بن سبأ فهل ذكروا ( دوره في الفتنة ) كما فعل الدكتور في رسالته أم ذكروا ( غلوه في علي ) فقط !!
فالأمر الأول لم يذكره أحد غير سيف وهو معظم ما قيل عن ابن سبأ أم الثاني فهو جزء يسير جداً لا يتعدى ٥ % من أخبار عبدالله بن سبأ فكيف يكون ال ٥ % حجة في إثبات ٩٥ % بلا دليل ولا برهان ؟!
د. العودة
يعقب على طروحات المالكي
أردت نشر الحقائق العلمية مع بيان مغالطاتمن شكك فيها (١ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ١٨ جمادى الاولى ـ ١٤١٨ ه
طالعت ما كتبه المالكي في جريدة الرياض الثلاثاء ٩ / ٤ / ١٤١٨ ه بعنوان « عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق » وكان ـ في زعمه ـ رداً على الحقات الأربع التي كتبتها للجريدة نفسها بعنوان « الانقاذ من دعاوى الانقاذ للتاريخ الاسلامي » أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد ٢٧ ، ٢٨ ، ٢٩ ، ٣٠ / ٣ / ١٤١٨ ه. وقبل أن أستكمل قراءة مقال المالكي ـ علم الله ـ هاتفني عدد من المهتمين والعارفين ، يشكرون على المقالات السابقة ، ولكنهم متفاوتون
ـ في وجهة نظرهم حول الرد على ( مغالطاته ، وكاسحاته ) إذ يؤكد الكثير منهم على طبيعة المالكي الشخصية ، وتخصصه في ( الجدل ) ورغبته في ( المراء ) وأنه لا يرغب الحقيقة قدر ما يهوى النقاش وإثبات الذات ، وتسفية أحلام الآخرين ، والوصول إلى هدف معين ! وبالتالي ـ وحسب وجهة نظر هؤلاء فلا فائدة من إضاعة الوقت معه ، وأقصر الطرق لسقوطه إغفاله وتناسيه ويضرب هؤلاء أمثلة لمن ردوا على المالكي ونصحوه ولكن دون جدوى ، ويرى هؤلاء أن الناس لم يبلغوا درجة من البساطة بحيث تتأثر قناعاتهم الراسخة بمثل هذه الطروحات الفجة.
أما الفئة الأخرى فيرون ضرورة التصدي له ، وفضح أفكاره ، وبيان عور منهجه ولو كان ذلك على حساب الوقت المبذول ـ فيما هو أنفع ـ وحجة هؤلاء أن ثمة طائفة من القرّاء قد تنخدع به ، وقد يتطاول هو إذا لم يجد من « يقلم أظفاره » ! ثم بدا لي رأياً وسطاً يقصي بالرد على مغالطاته الأخيرة ، وبيان تناقضاته ، وخلل منهجه واعطاء القارئ بعض ( الحصانة ) لما يمكن أن يكتبه مستقبلاً ، وبيان سهولة الكذب عنده ، والتزوير وتشويه الحقائق بأساليب ملتوية ، وعسى أن يكون ذلك اسهاماً في حماية الأمة من الأفكار المتسللة ، وكشفاً للتدليس المتلبس بعباءة النقد التاريخي ، والمتدثر بمنهج المحدثين والتحقيق العلمي ؟!
غموض في الشخصية
وأستطيع القول ـ وبكل ثقة ، ودون مجازفة ـ إن من أبرز سمات منهج المالكي في كتاباته التاريخية ما يلي :
النيل من الصحابة والتعريض بهم.
ـ والتقول على العلماء بغير حق ، وتجريحهم.
والهوى مع المبتدعة والدفاع عنهم.
وتشويه الحقائق التاريخية والتشكيك فيها.
والتشابك مع الطرح المشبوه وتلميع المشبوهين.
والكذب والمراوغة.
والغموض في الشخصية والأهداف.
وأمتلك الدليل ومن كلام المالكي نفسه ، وأنصف المالكي من أقام البينة عليه من كتبه ومقالاته ، ويعلم الله أنني أجد في كل مقال يكتبه ، أو رد يعقب به مستمسكاً جديداً ، وتتضح لي ـ وربما لغيري ـ ملامح شخصيته أكثر فأكثر ، ويبادلني الشعور بها أساتذة فضلاء ، وإخوة أعزاء ، ولله الحمد والمنة.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ويبدو لي أن المالكي يدافع قلقاً مزمناً ، ويعيش تناقضاً مؤلماً ، فلا هو بالسوي الذي يستطيع السير مع الصحاح ويسعه ما وسع جمهور الأمة ولا هو بقادر على أن يبوح بما لديه جهارا ، ولذا تراه ( يتسلل ) في طرح أفكاره تسللاً ، فإذا كشف في جانب اِحتمى بجانب آخر ، وأوهم بسوء فهم الآخرين له ، وكال لهم ( التهم ) جزافاً حتى لا ينكشف أمره !
وحين طالعت ما كتبه ( المالكي ) رداً على مقالتي المنشورتين في « المسلمون » بعنوان « ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر » أيام الجمعة الموافق ٥ ، ١٢ / ٤ / ١٤١٨ ه ، ولم يكن رداً عليه قدر ما كان نشراً لحقائق علمية ، مع بيان مغالطات من شكك فيها.
حينها تذكرت قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه
الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي أمامة رضى الله عنه :
« ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه ، إلا أوتوا الجدل ».
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية :
(مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)( انظر صحيح سنن الترمذي ٣ / ١٠٣ ، والآية ٥٨ من سورة الزخرف ).
ولقد لفت نظري هذه المقدمة التي ابتدأ المالكي بها مقاله في جريدتي الرياض ، والمسلمون من الحصار بأساليب لا أظنها تمر على البيب وإن لم يكن من أهل الاختصاص وانضر إليه مثلاً وهو يقول في جريدة الرياض : لو لم أكن مؤلف كتاب الرياض ولو لم أكن كانت المقالات المنتقدة لشككت في هذا المنتقد ... » !
ولا غرابة فمن المخارج التي اعتادها المالكي ، تسفيه أحلام الآخرين ، وعدم فهمهم ، ورميه لهم بالتهم .. إلى غير ذلك ـ مما يحاول معه استعطاف رأي القرّاء من جانب ، والخروج من المأزق من جانب آخر.
ولقد قال عني « والدكتور سليمان العودة بنى كل مقالاته الأربع على فهم خاطئ لأقوالي وبناء على هذا الفهم الخاطئ ردّ رده ، ثم اتهمني ... » فقد قال مثل ذلك أو قريباً منه لغيري.
ففي رده على ( الفقيهي ) قال المالكي : ومن الأسباب أن الأخ الفقيهي ـ سامحه الله ـ قد حملني أشياء لم أقلها ، وأفهم القرّاء من مقالاتي أشياء لم تخطر لي على بال ، فأجاد ـ سامحه الله ـ التحوير وأساء التفسير لكثير مما كتبته ولم ينس أن يتهمني بالبدعة والاستشراق كما هو ديدن أكثر المؤرخين الاسلاميين أيضاً في هذا العصر ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ص ٢٢٤ ).
وفي رده على د. الفريح ردد نفس النغمة فقال : وحقيقة قلت أكثر من مرة إن البلاء يأتي في عدم فهم المكتوب ، أو عدم قراءته ، أو تعمد الظلم والتزوير ، وللأسف ان كل هذا وزيادة قد وقع فيه الأخر الفريح .. » ( الحلقة السادسة من الحديث عن القعقاع : وقفة مع الردود والتعقيبات ).
ولم يسلم د. العسكر من هذ التهمة ، رغم ثناء المالكي عليه وأن رده اكتسى بحلل الخلق الرفيع والأدب الجم .. لكن المالكي عاد ليقول عن العسكر : أشعر بأن الدكتور استعجل في قراءة مقالاتي الأربع ، وحملني أشياء لم أقل بها .. ( كتاب الرياض ص ٨٩ ، ٩١ ).
أما د. الهويمل فرغم ما في مقاله من وقفات وإشارات معبرة فقد اعتبره المالكي ( أنه مقال بلا موقف ) ، واختزل الرد على مقال الدكتور الذي جاء في صفحة كاملة بعدد من الأسطر ، ووصف كتاباته ب ( الضبابية ) ، وأنها لا تخدم هدفاً أسمى ؟ واتهمه بسوء الفهم إلى درجة أنه يجعل الخمسة أربعة ، ثم ثلاثة في سطر واحد ؟!
ولقد نصح د. الهويمل المالكي ، وحدد موقفه حين قال : « وكلمة أخيرة للمالكي نقولها ناصحين السكينة السكينة ، والتروي التروي ... فالأمر أخطر من أن تتلاحق فيه الأحكام ، وتستمر الهدميات والقفز من قضية إلى أخرى ، والتشابك مع الطرح المشبوه .. ».
وهذه العبارة الأخيرة ـ في نظري ـ كافية لتحديد الموقف من طروحات المالكي .. ، ومن قرأ المقال مرة واحدة خرج منه بعدد من النتائج والمواقف ، وأن استعصت على المالكي أثر ( ثلاث ) قراءات ؟!
شنشنة قديمة
انظر مقال د. حسن الهويلم ( المالكي والتاريخ ) الرياض ٤ / ٣ / ١٤١٨ ه وقارنه مع رد المالكي ، في وقفة مع الردود والتعقيبات ، الحلقة السادسة من حلقات القعقاع.
وهذه شنشة قديمة تتجدد عند المالكي ( اتهام المخالف له بسوء الفهم والتعدي عليه بالقول ، وتسفيه أحلام الآخرين ... وهذه وإن كانت أقصر الطرق للخروج من المأزق ، فهي أسوأها وأضعفها !
ولئن وعى الناس هذا الخلل في كتابة المالكي ( حديثا ) فلا يزال ( المتابعون ) يتذكرون مواقفه مع الشيخ صالح الفوزان من قبل !!
وهذه هي الملاحظة الأولى في مقالة عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق.
المالكي يرد على نفسه
ولا أقول ذلك تزيداً ، ولا اتهاماً ، ودونكم الحقيقة واحكموا عليها ومن كلام المالكي نفسه ، فقد قال في ملاحظتي الأولى : « كل مقالات د. سليمان العودة كانت نتيجة لسوء فهم أو اساءته أو تعمد التحريف وليختر منها الدكتور أصحها ، فهو قد ظن ـ وهنا موطن الاستشهاد ـ أنني أنفي وجود عبدالله بن سبأ مطلقاً ، وهذا ما لم أقله البتة ... » وفي المقال نفسه وأثناء تعليقه على الرواية ( الثامنة ) قال ما نصه : « ثم كيف قامت الرافضة تشنيع في ابن سبأ ولم توجد إلاّ بعده ، ( على افتراض وجوده ) بعشرات السنين » وفي آخر مقال كتبه في « المسلمون » بتاريخ ٤ / ٥ / ١٤١٨ ه لا يزال شكه في أصل وجود ابن سبأ فهو يقول : « إن كان عبدالله بن سبأ موجوداً فلا يجوز أن ننسب إليه أخباراً مكذوبة ».
ويبقى السؤال : وهل ثبت لديه وجود ابن سبأ من خلال مروياته هو ؟ أم
أنه لا يزال شاكاً ولكنه عاجز عن الافصاح ؟ المقال ينتهي والشك هو الأصل عنده.
وأنا هنا أسأل كل قارئ وقف على هذه العبارات هل تعني التشكيك في دور ابن سبأ في الفتنة ، أم تعني التشكيك في أصل وجوده ؟ وهبوا أنني أسأت الفهم ، فليصحح لي غيري هذا الفهم !!
لا أظن العبارة تحتمل التأويل وقد اختار المالكي بنفسه لفظتي ( وجوده ، موجوداً ) لتحسم النزاع ، وتؤكد ( تناقضاً صارخاً ) ربما يشعر به المالكي أو لا يشعر وأنه لا يزال يشكك في وجود ابن سبأ أصلاً ، وليس فقط فضلاً عن دوره الكبير في الفتنة ، ويقول : « ولولا أنني أمتلك روايات أخرى غير ما أورده الدكتور لنفيت ابن سبأ مطلقاً » ، في دوره في الفتنة ، وأعظم من هذا أن يصرح أنه خلص من دراسته للمرويات الثمان إنه ليس فيها ما يدل على وجود ، وإن كنت أنفي وبشدة دوره في الفتنة .. »
ولست أدري إلى متى سيستمر هذا التوقف عند المالكي ، وهو الذي قرأ كثيراً وكتب كثيراً ؟! أو ليست مسألة عبدالله بن سبأ من القضايا التي يبني عليها غيرها ، إثباتاً أو عدماً ؟ هل تنقصه الأدلة المثبتة ؟ أم لديه أدلة أخرى تنفي وجوده لم يطلع الآخرين عليها ؟ هل يتشكك في اجماع الأمة قديماً وحديثاً في اثبات وجوده ، أم هو أميل إلى طروحات من أسماءهم الهويمل الطرح المشبوه ؟ كل ذلك أوقع المالكي في تناقضات مشينة ، وعبارات قلقة لا تغيب عن فطنة القارئ اللبيب.