وفي رده على د. الفريح ردد نفس النغمة فقال : وحقيقة قلت أكثر من مرة إن البلاء يأتي في عدم فهم المكتوب ، أو عدم قراءته ، أو تعمد الظلم والتزوير ، وللأسف ان كل هذا وزيادة قد وقع فيه الأخر الفريح .. » ( الحلقة السادسة من الحديث عن القعقاع : وقفة مع الردود والتعقيبات ).
ولم يسلم د. العسكر من هذ التهمة ، رغم ثناء المالكي عليه وأن رده اكتسى بحلل الخلق الرفيع والأدب الجم .. لكن المالكي عاد ليقول عن العسكر : أشعر بأن الدكتور استعجل في قراءة مقالاتي الأربع ، وحملني أشياء لم أقل بها .. ( كتاب الرياض ص ٨٩ ، ٩١ ).
أما د. الهويمل فرغم ما في مقاله من وقفات وإشارات معبرة فقد اعتبره المالكي ( أنه مقال بلا موقف ) ، واختزل الرد على مقال الدكتور الذي جاء في صفحة كاملة بعدد من الأسطر ، ووصف كتاباته ب ( الضبابية ) ، وأنها لا تخدم هدفاً أسمى ؟ واتهمه بسوء الفهم إلى درجة أنه يجعل الخمسة أربعة ، ثم ثلاثة في سطر واحد ؟!
ولقد نصح د. الهويمل المالكي ، وحدد موقفه حين قال : « وكلمة أخيرة للمالكي نقولها ناصحين السكينة السكينة ، والتروي التروي ... فالأمر أخطر من أن تتلاحق فيه الأحكام ، وتستمر الهدميات والقفز من قضية إلى أخرى ، والتشابك مع الطرح المشبوه .. ».
وهذه العبارة الأخيرة ـ في نظري ـ كافية لتحديد الموقف من طروحات المالكي .. ، ومن قرأ المقال مرة واحدة خرج منه بعدد من النتائج والمواقف ، وأن استعصت على المالكي أثر ( ثلاث ) قراءات ؟!
شنشنة قديمة
انظر مقال د. حسن الهويلم ( المالكي والتاريخ ) الرياض ٤ / ٣ / ١٤١٨ ه وقارنه مع رد المالكي ، في وقفة مع الردود والتعقيبات ، الحلقة السادسة من حلقات القعقاع.
وهذه شنشة قديمة تتجدد عند المالكي ( اتهام المخالف له بسوء الفهم والتعدي عليه بالقول ، وتسفيه أحلام الآخرين ... وهذه وإن كانت أقصر الطرق للخروج من المأزق ، فهي أسوأها وأضعفها !
ولئن وعى الناس هذا الخلل في كتابة المالكي ( حديثا ) فلا يزال ( المتابعون ) يتذكرون مواقفه مع الشيخ صالح الفوزان من قبل !!
وهذه هي الملاحظة الأولى في مقالة عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق.
المالكي يرد على نفسه
ولا أقول ذلك تزيداً ، ولا اتهاماً ، ودونكم الحقيقة واحكموا عليها ومن كلام المالكي نفسه ، فقد قال في ملاحظتي الأولى : « كل مقالات د. سليمان العودة كانت نتيجة لسوء فهم أو اساءته أو تعمد التحريف وليختر منها الدكتور أصحها ، فهو قد ظن ـ وهنا موطن الاستشهاد ـ أنني أنفي وجود عبدالله بن سبأ مطلقاً ، وهذا ما لم أقله البتة ... » وفي المقال نفسه وأثناء تعليقه على الرواية ( الثامنة ) قال ما نصه : « ثم كيف قامت الرافضة تشنيع في ابن سبأ ولم توجد إلاّ بعده ، ( على افتراض وجوده ) بعشرات السنين » وفي آخر مقال كتبه في « المسلمون » بتاريخ ٤ / ٥ / ١٤١٨ ه لا يزال شكه في أصل وجود ابن سبأ فهو يقول : « إن كان عبدالله بن سبأ موجوداً فلا يجوز أن ننسب إليه أخباراً مكذوبة ».
ويبقى السؤال : وهل ثبت لديه وجود ابن سبأ من خلال مروياته هو ؟ أم
أنه لا يزال شاكاً ولكنه عاجز عن الافصاح ؟ المقال ينتهي والشك هو الأصل عنده.
وأنا هنا أسأل كل قارئ وقف على هذه العبارات هل تعني التشكيك في دور ابن سبأ في الفتنة ، أم تعني التشكيك في أصل وجوده ؟ وهبوا أنني أسأت الفهم ، فليصحح لي غيري هذا الفهم !!
لا أظن العبارة تحتمل التأويل وقد اختار المالكي بنفسه لفظتي ( وجوده ، موجوداً ) لتحسم النزاع ، وتؤكد ( تناقضاً صارخاً ) ربما يشعر به المالكي أو لا يشعر وأنه لا يزال يشكك في وجود ابن سبأ أصلاً ، وليس فقط فضلاً عن دوره الكبير في الفتنة ، ويقول : « ولولا أنني أمتلك روايات أخرى غير ما أورده الدكتور لنفيت ابن سبأ مطلقاً » ، في دوره في الفتنة ، وأعظم من هذا أن يصرح أنه خلص من دراسته للمرويات الثمان إنه ليس فيها ما يدل على وجود ، وإن كنت أنفي وبشدة دوره في الفتنة .. »
ولست أدري إلى متى سيستمر هذا التوقف عند المالكي ، وهو الذي قرأ كثيراً وكتب كثيراً ؟! أو ليست مسألة عبدالله بن سبأ من القضايا التي يبني عليها غيرها ، إثباتاً أو عدماً ؟ هل تنقصه الأدلة المثبتة ؟ أم لديه أدلة أخرى تنفي وجوده لم يطلع الآخرين عليها ؟ هل يتشكك في اجماع الأمة قديماً وحديثاً في اثبات وجوده ، أم هو أميل إلى طروحات من أسماءهم الهويمل الطرح المشبوه ؟ كل ذلك أوقع المالكي في تناقضات مشينة ، وعبارات قلقة لا تغيب عن فطنة القارئ اللبيب.
سواء في هذا المقال أو ما سبقه من مقالات وكتابات ، وإليكم نموذجاً يؤكد ما أقول في حلقته السادسة عن القعقاع ( وقفة مع الردود والتعقيبات ) ففي حديثه عن ابن سبأ يتشكك في وجوده لا في دوره في الفتنة حين يقول : « .. هذا على افتراض وجود عبدالله بن سبأ .. » ( الملاحظة الثالثة عشرة ) ثم يخشى أن ينكشف أمره ، فيشير إلى دراستين في الموضوع ، وتأبى عليه عاطفته وميوله إلا أن يبدأ بالدراسة المنكرة ، واضعا اسطورة ابن سبأ بين قوسين ، وإلى جانبها علامات التعجيب (!!) أما الدراسة المثبتة لابن سبأ فتأتي بعد ذلك وتساق مساقاً ضعيفاً ، فهي عكس السابقة ، ويعز على المالكي أن يذكر لفظة ( مثبتة ) إلى جانبها ، وهذه في نظره لا تستحق الفرح وعلامات التعجب.
وأهم من ذلك أن المالكي لا يتمالك نفسه من الافصاح عن ميوله ، ويقول بكل صراحة « مع أنني ـ حتى الآن ـ أميل إلى نتيجة د. الهلابي لكن لم أجزم إلاّ ببطلان دور ابن سبأ في الفتنة لأنني بحثت الموضوع » لكن هل يجزم بوجوده ؟
أفكار مترددة
ويكشف المالكي نفسه ـ وفي هذه الملاحظة نفسها ـ مؤكداً أن وجود ابن سبأ لم يجزم به ، فيقول : « أما وجوده مطلقاً فأنا إلى الآن لا أجزم بذلك » ولم يقل أما نفي وجوده فلم أجزم بذلك ، وفرق بين الأمرين لمن تأمل !
وانظروا سقم التعليل فهو قد بحث دور ابن سبأ في الفتنة ولم يبحث أصل وجوده فهل يمكن أن يبحث دوره دون أن يمر على أصل وجوده ، ولماذا لم يبحث أصل وجوده ويعلن رأيه بكل صراحة ؟ إنها عبارات قلقة ، وأفكار مترددة ، تنبئ عن غموض في الشخصية ، ورغبة في الضحك على السذج ، لكنها مكشوفة
لمن تأمل.
ونتيجة دراسة الهلابي ـ التي يميل إليها المالكي ـ يصرح بها ويفهمها المالكي كما نفهمها حين يقول في مقاله في « المسلمون » « .. د. عبدالعزيز الهلابي الذي ينكر شخصية عبدالله بن سبأ .. » فأين تتجه ميول المالكي ؟
وهل السبئية ( الطائفة ) محل شك ؟
لا ينتهي المالكي عند التشكيك في أصل وجود ابن سبأ ، بل يشكك في ( السبئية ) حين يقوم في الملاحظة السابعة : « هل السبئية المقصود بها التابعون لعبدالله بن سبأ في العقائد أم أنها لفظة تحقيرية للمعارضة ، كما يقول د. الهلابي ».
ولي على هذا التساؤل أكثر من وقفة :
١ ـ فالمالكي وإن احتمى بالدكتور الهلابي فهو لا يعارض ، بل سبق القول أنه معجب بدراسته.
٢ ـ تتضافر المدونات التاريخية وكتب العقائد والمقالات والفرق ، وغيرها على تأكيد نسبة ( السبئية لابن سبأ ، وإن كان يعوزك الدليل فهاك شيئاً من هذه النصوص المثبتة : فابن حبيب البغدادي ( ت ٢٤٥ ) يقول : « عبدالله بن سبأ صاحب السبائية » ( المحبر ص ٣٠٨ ) ، ويقول ابن قتيبة ( ت ٢٧٦ ه ) « السبائية من الرافضة ينسبون إلى عبدالله بن سبأ » ( المعارف ط المحققة ص ٦٢١ ) ويقول العقيلي ( ت ٣٢٢ ه ) وهو يعلق على لفظة ( سبأي ) « هم صنف من الرافضة أصحاب عبدالله بن سبأ ( الضعفاء الكبير ٤ / ٧٧ ) وجاء في الإبانة لابن بطة ( ت ٣٨٧ ه ) « ومنهم السبائية تسموا بعبدالله بن سبأ » ( الابانة عن شريعة الفرق الناجية ١ / ٣٨٤ ) هذا فضلاً عن ذكر أهل التاريخ لذلك ، وكتب المقالات والفرق والجرح والتعديل وقد فصلت القول في ذلك في كتاب
« عبدالله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الاسلام » ، وفي البحث المنشور في « المسلمون » « ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر ».
بل نص على ذلك ولم ينكره متقدموا الشيعة أمثال القمرة ( ٢٢٩ ـ ٣٠١ ه ) والنوبحتي ( ٣١٠ ه ) وغيرهم ( انظر : المقالات والفرق للقمي ص ٢٠ ، وفرق الشيعة للنوبختي ص ٢٢ ، ٢٣ ، وللمزيد انظر ما كتبه د. ناصر القفاري في كتابه « أصول مذهب الشيعة الامامية الاثنى عشرية ١ / ٧٣ ـ ٧٦ ).
ليس أمام المالكي أمام هذه النصوص إلاّ الإذعان والتسليم إن كان صاحب حق أو يسلك مسلك استاذيه مرتضى العسكري ، د. عبدالعزيز الهلابي ، في رفض ما ورد في هذه المصادر ، واتهام مؤلفيها بما يليق.
بل هل لنا أن نفهم أن التشكيك في نسبة السبئية لأن سبأ وسيلة للتشكيك في ابن سبأ نفسه ؟ سيأتي مزيد بيان لهذه المسألة.
ابن سبأ ومغالطة المالكي
يحاول المالكي ابعاد الرافضة عن ابن سبأ ويقول : « ثم كيف قامت الرافضة تشفع في ابن سبأ ولم توجد إلاّ بعده ـ على افتراض وجوده بعشرات السنين ؟! ».
وفي كتاب الرياض ص ٧٩ يحاول المالكي انكار بث ابن سبأ لعقيدة ( الوصية ) وهنا .. مسألة خطيرة ، فكثير من المنكرين أو المشككين في شخصية ( ابن سبأ ) يرمون من وراء ذلك قطع صلة الرافضة بابن سبأ ، وهذه اعترف بها علماء الشيعة المتقدمون ، كما سبق البيان في الحلقات الماضية ، في النقل عن ( الكشي ) في اعتبار ابن سبأ أصل الرافضة وأكد على هذا شيخ الاسلام ابن تيمية
يرحمه الله ـ أكثر من مرة ـ فهو يعتبر ( ابن سبأ ) أصل الرافضة ومن مناقبهم ( الفتاوى ٤ / ٤٣٥ ، ٢٨ / ٢٣٤ ) ونقل أن ( عليا ) رضي الله عنه طلب ابن سبأ أول الرافضة ليقتله فهرب منه ( الفتاوى ٢٨ / ٥٠٠ ) وقال : ثبت عن علي أنه أحرق غالية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الإلهية ( الفتاوى ٢٨ / ٤٧٥ ).
روايات من طرق أخرى
ويقول ابن حجر : عن ابن سبأ وطائفته واحراق علي لهم بالنار : « وله ـ ابن سبأ ـ اتباع يقال لهم السبئية معتقدون الالهية في علي بن أبي طالب وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته » ( لسان الميزان ٣ / ٢٩٠ ).
ويبقى بعد ذلك رأي المختصين المحدثين مهماً في تأكيد صلة الرافضة بعبدالله بن سبأ.
الروايات الإحدى عشر
من السفه والحمق أن ترد على شخص ـ لبطلان دعواه ـ بثمان روايات فيصر على أن يكون الرد عليه باحدى عشرة رواية لا وجود لنص فيها ، وهذه عليه لا له ، وإن أوهم القرّاء بخلاف ذلك ، فإن قيل وكيف ذلك ؟ قلت : الأصل في سياق هذه المرويات لتأكيد بطلان القول بأن أخبار عبدالله بن سبأ لم ترد إلاّ من طريق سيف بن عمر ، فإن قيل : وهل قال المالكي بذلك وأين ؟ أجيب : نعم هو ممن قطع بذلك ، كما جاء في كتاب الرياض ص ٢٦٠ وهذا نص قوله : « .. مع أن سيفا قد انفرد برواية أخبار ابن سبأ » ، وانظر كذلك ص ٥٨ من الكتاب نفسه.
ولكن المالكي حين أحس بالالزام والمحاصرة ، خرج لتحقيق المرويات
والتعقيب على التحقيق السابق فرفض ما رفض وقبل ما قبل ، وكل ذلك اشغال عن الهدف من سياق هذه المرويات وخروج عن دائرة الحصار ، ونقول للمالكي ومع اتساع صدورنا لوجهة النظر في التحقيق ، ومع قبولنا لمزيد من المرويات المؤكدة لعبدالله بن سبأ من غير طريق سيف ، فتظل هذه المرويات حججاً دامغة لمن زعم انفراد ( سيف ) كأخبار عبدالله بن سبأ وإن قال ما قال وزعم ما زعم.
وإن كان المالكي طالب حق ، ولا يمنعه من الاعتراف بوجود ابن سبأ إلاّ كون مروياته جاءت من طريق سيف ( المجروح ) فها هي المرويات جاءت من طرق أخرى ، وبعضها عثر عليها بنفسه أو نقلها عن الآخرين ؟ فهل يعترف بوجود ابن سبأ أم أن في الأمر شيئاً لا تكفي الحجج والبراهين لإزالته.
أليس ذلك خللاً في المنهج ، وقد صدق مع نفسه حين حدد الخلاف معه ( في أصل المنهج ) كما في مقالة في « المسلمون » وأنصح من يريد النقاش مع المالكي أن يستحضر هذه القضية جيداً.
جوهر القضية :
يشكك المالكي في وجود ابن سبأ ـ كما مرّ ـ فإذا أحس بالمحاصرة وتكاثرت عليه الأدلة فرّ إلى القول بإنكار دوره في الفتنة ـ كما قال ذلك في رده في جريدة ( الرياض ) ، وحاول في رده في جريدة « المسلمون » تركيز هذا المفهوم والتلبيس فيه ، فلماذا ؟!
وقبل الإجابة يمكن تصوير القضية بما يلي : وعلى فرض اثباته لوجود ابن سبأ شكلاً فهو ينكره حقيقة ومضموناً. كيف ذلك ؟