وفرح المالكي ـ وإن تحول بعد إلى مكروه ـ بخطأ غير مقصود ، ولبس وقع في الحديث عن ( أبي مخنف ، وعمرو بن شمر ) وانما وقع اللبس لأن سياق الكلام ورد فيه : ( أبو مخنف ، وعمرو بن شمر ، وأبو مريم ) كما جاء في تاريخ يحيى بن معين ٢ / ٥٠٠. ولكن فرحته ( تتهاوى ) على أصداء الحقيقة العلمية التي جهلها ، أو اجتزأ لبعضها عمداً لأنها لا تخدمه ، ولو كان مريداً للحق لذكرها.
لقد فات على المالكي أن ( أبا مخنف ) شرّ من ( عمرو بن شمر ) وهاك نص يحيى بن معين : سئل يحيى : أبو مخنف ، وأبو مريم ، وعمرو بن شمر ليسوا هم بشيء ، قلت ليحيى : هم مثل عمرو بن شمر ( الذي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات ). قال ( ابن معين ) : هم شرّ من عمرو بن شمر !! ( التاريخ لابن معين ٢ / ٥٠٠ ، الضعفاء للعقيلي ٤ / ١٩ ).
فإذا كان أبو مخنف شرّاً من عمرو بن شمر ، والأخير يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات ، فماذا يكون حال أبي مخنف ؟
وفضلاً عن ذلك فإن عدي ( ينص ) على تناول ( أبي مخنف ) للسلف ، ويقول بصريح العبارة « حدّث بأخبار من تقدّم من السلف الصالحين ، ولا يبعد منه أن يتناولهم ، وإنما وصفته لاستغني عن ذكر حديثه .. وإنما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحب ذكره ؟ » ( الكامل ٦ / ٢١١٠ ).
ولست أدري لماذا يتشبث المالكي بأبي مخنف هذا ، ويدافع عنه ، أو أدفع تهمة قد يتشبث بها المالكي ؟ ولست أدري أقناعة أم تغفيلاً للآخرين حين يقول عن الرجلين « لكنه ـ يعنيني ـ يريد أن يتساوى أبو مخنف في الجرح مع سيف بن عمر ، ووجد الجرح في سيف أقوى وأكثر .. » ( الملاحظة السابعة عشر في مقال الرياض ) ولم أقل ذلك بل قلت ولا أزال إن اشترك الاثنان في الضعف في
الحديث ، فأبو مخنف اخباري تالف وسيف اخباري عارف وعمدة في التاريخ ، وأنا في ذلك تابع غير مبتدع ، والفيصل كتب الجرح والتعديل.
الجرأة على الأئمة
«كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر » ، وليس عند أهل السنّة عصمة لأئمتهم كما يعتقد غيرهم ؟ إنما العصمة للأنبياء والمرسلين ـ عليهم السلام ـ المبلغين عن الله ، ولكن الجرأة في ( تخطئة ) هذا العالم ، و ( لمز ) العالم الآخر ، و ( النيل ) من ثالث دون مسوغ مشروع ، هذا هو مكمن الخطر ، وهو طريق لانتهاك أعراض العلماء ، ولحومهم مسمومة ، بل ولتجرئة الآخرين على التخطئة واللمز وإن لم يكونوا أهلاً لذلك.
وقد سبق لي القول بجرأة المالكي على الأئمة الأعلام ، فقد لمز ابن تيمية وحاول النيل من كتابه « منهاج السنّة » كما عرض بكتاب ابن العربي « العواصم من القواصم » وعرض بقول الحافظ ابن حجر في اعتماد سيف في التاريخ وقال : أظن أنه من الظلم للعلم أن نتعلق بقول موهم مشتبه للحافظ ابن حجر ونترك قول عشرات المحدثين الآخرين في تضعيف سيف بن عمر ... » ( كتاب الرياض ص ٨٥ ) مع أن كلام ابن حجر غير موهم ولا مشتبه في سيف ، لكنه لا يروق للمالكي فاضطر لهذا القول. ويستمر المالكي في التخطئة للاعلام إذا خالفوا ما يريد ، ولم يسلم ( الذهبي ) يرحمه الله من ذلك فقد قال عنه في هذا المقال الجديد ( عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق ) ما نصه : « فهذا نص من الذهبي في المساواة بين سيف بن عمر وأبي مخنف ، وأظن أن الذهبي لم يوفق للصواب فأبو مخنف فوق سيف .. » ؟!
ومع هذه الجرأة على الذهبي ، ففيها ظلم له ، فقد فرق الذهبي بين الرجلين ولم يسو بينهما حين قال عن سيف ( اخباري عارف ) وقال عن أبي مخنف ( اخباري تالف لا يوثق به ) وقد سبق البيان.
وبالفعل فمن يقارن بين مرويات الرجلين يجد الفرق واضحاً ، وأنا هنا أدعوا القارئ الكريم لقراءة كتاب « مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري » للدكتور يحيى بن ابراهيم اليحيى ، ليرى بنفسه نماذج التحريف والتشويه لتاريخنا وبالذات تاريخ الصحابة من قبل هذا الراوي المحترق ( أبي مخنف ) وقفوا بأنفسكم على الحقيقة ، ودعوكم من التهويش والهراء.
ولم يسلم الإمام البخاري رحمه الله من جرأة ولمز المالكي ، فقد قال في كتاب الرياض ص ٢١ « وأخرج البخاري روايات يفهم منها التقليل من بني هاشم من طريق بعض المتهمين ( بالنصب ) كقيس بن أبي حازم ، ومروان بن الحكم » قال ذلك في سياق تقريره لقبول رواية المبتدع الداعي لبدعته ؟ وستأتي مناقشة المالكي في هذه القضية.
فهل يوافق المالكي على هذه التهمة ؟
وعلى العموم فالتعريض بأعلام الأمة مسلك خطر من الكبار ، فكيف إذا وقع من الصغار ، وهو خطوة جرئية لها ما بعدها فلينتبه لهذا المسلك.
وأخطر من ذلك النيل من الصحابة.
وهذه ليست تهمة يتهم بها المالكي ، يجدها المطالع لكتبه ومقالاته بين السطور وإن جاءت بعبارات ملفوفة أحياناً لكنها لا تخفى ، وهذه نماذج لها :
١ ـ عثمان بن عفان (رض) عنه ( سبق الحديث عنه في حلقات ( الانقاذ من دعاوى الانقاذ ) وانظر كتاب الرياض ص ١٩٨.
٢ ـ معاوية بن أبي سفيان (رض) ، يعرض به ولسياسته ، ويصور الأمر بينه وبين بعض الصحابة على أنه أمر عداء ؟! انظر كتاب الرياض ص ٣٠ ، ٣١ ، ٧١ ، ٧٢ ، ٢٧٩.
٣ ـ أبو بكر وعمر (رض) ولم يسلم الشيخان من قلم المالكي فقد عرّض ببيعتيهما وشمل بذلك عثمان وعليا (رض) ، كما في ص ٢٦٢ من كتاب الرياض.
بيعة أبي بكر
ودعونا نكتفي بحديثه عن أبي بكر ، فهو يوهم القارئ بالاستدلال بأحاديث في صحيح البخاري في كره بعض الصحابة لبيعته ، ويحمِّل النصوص أكثر مما تحتمل ( ص ٢٦٣ من كتاب الرياض ).
ويتزيد في القول عن ( علي ، والزبير ) (رض) حين يقول « ولا ريب أنهما لن يتخلفا عن بيعة أبي بكر إلاّ عن عدم رضى » ( الصفحة نفسها من الكتاب ) ولا وجود لهذا التفسير في الرواية التي ساقها وإنما هذا فهمه وتعليقه ؟!
بل ويعظم أمر الكراهية لبيعة أبي بكر ـ في ذهن القارئ ـ حين يقول :
« إذن فعلى سيد بني هاشم ، والزبير بن العوام كبير بني أسد ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، وأبو سفيان كبير بني أمية ، وغيرهم من المتبوعين لم يرضوا ببيعة أبي بكر ، ولابد أن يكون معهم بعض قومهم على الأقل في كراهية بيعة أبي بكر .. » ( كتاب الرياض ص ٢٦٣ ).
فهل يصح هذا الزعم من المالكي حول بيعة أبي بكر ، حتى وإن اعتذر بعد ذلك وحتى لا ينكشف بأن هذه الكراهية لا تضر بيعة أبي بكر فقد انعقدت ، وبايع بعض الكارهين كالانصار وتريث بعضهم كعلي والزبير ، وامتنع بعضهم
كسعد بن عبادة .. ، كما يقول في ص ٢٦٣ ، ٢٦٤ ).
ساكتفي بنقل بعض كلام الإمام الآجري المتوفى سنة ٣٦٠ ه رحمه الله وفي كتابه العظيم « الشريعة » وعن بيعة علي (رض) وعن أبي بكر (رض) ، وبيعة المهاجرين والأنصار.
بيعة المهاجرين والأنصار
فقد أورد محمد بن حسين الآجري في كتابه الآنف عدداً من النصوص والآثار في بيعة علي وأبي بكر (رض) بل وفي فضله وخيرته وتقدم فضله على الصحابة ، ثم قال : « من يقول على علي بن أبي طالب (رض) في خلافة أبي بكر غير ما ذكرناه من بيعته له ، ورضاه بذلك ، ومعونته له ، وذكر فضله ، فقد افترى على علي (رض) ونحله إلى ما قد برأه الله عز وجل من مذهب الرافضة الذين قد خطى بهم عن سبيل الرشاد ».
ثم يقول ( الآجري ) فإن قال قائل بأنه قد روي أن علي بن أبي طالب (رض) لم يبايع أبا بكر إلا ّ بعد أشهر ثم بايع قيل له إن علي بن أبي طالب عند من عقل الله عز وجل أعلى قدراً وأصوب رأياً مما ينحله إليه الرافضة ، وذلك أن الذي ينحل هذا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رض) عليه فيه أشياء لو عقل ما يقول ، كان سكوته أولى به من الاحتجاج به ، بل ما يعرف عن علي (رض) غير ما تقدم ذكرنا له من الرضى والتسليم لخلافة أبي بكر الصديق (رض) وكذا أهل بيت رسول الله (ص) يشهدون لأبي بكر بالخلافة والفضل » ( الشريعة ٤ / ١٧٣٠ ، ١٧٣١ تحقيق د. عبدالله الدميجي ).
أما عن بيعة المهاجرين والأنصار لأبي بكر الصديق فيقول ( الآجري )
عنها « كان كما قال النبي (ص) ما اختلف على أبي بكر بل تتابع المهاجرون والأنصار وعلي بن أبي طالب ، وبنو هاشم على بيعته والحمد لله ، على رغم أنف كل رافضي مقموع ذليل قد برأ الله عز وجل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (رض) عن مذهب السوء » ( الشريعة ٤ / ١٧٣٤ ).
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
د. العودة
يعقب على طروحات المالكي
أدعوه للمحاكمة أمام لجنة علمية (٢ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ٢٥ جمادى الاولى ـ ١٤١٨ ه
استعرضت في الحلقة الماضية عدداً من المحاور المؤلفة لشخصية المالكي وأبنت عن ملامح من منهجه وأفكاره ، معتمداً في ذلك على نصوص نقلتها من كتابه ( نحو انقاذ التاريخ الإسلامي ) ، أو من مقالاته وردوده في الصحف ، وأستكمل في هذه الحلقة ملامح أخرى من منهجه وأفكار وبنفس الطريقة العلمية السابقة.
ولكنني قبل ذلك أقف عند ملاحظة تلفت النظر في أدبيات الحوار عند المالكي ، فهو يستخدم أسلوب الهجوم ، ويسيء الأدب مع من يحاور ، ويتهم