سبأ في الفتنة بحرف واحد ... ».
وهذه فرية يتحمل المالكي مسؤوليتها ، وأسوق لكم ما ينقضها ، واكتفي بنموذج للمحدثين يمثله ( الآجري ، ت ٣٦٠ ) وهو من حفاظ المحدثين ـ كما قال ابن الأثير ( الكامل في التاريخ ٧ / ٤٤ ) والمحدث القدوة وشيخ الحرم الشريف كما قال الذهبي ( سير اعلام النبلاء ١٦ / ١٣٣ ) ، ومما قاله الآجرى عن دور ابن سبأ في باب : سبب قتل عثمان رضى الله عنه : « فإن قال ( قائل ) ، فمن الذي قتله قيل له : طوائف أشقاهم الله عز وجل بقتله حسداً منهم له ، وبغياً ، وأوردوا الفتنة ...
فإن قال : فمن أين اجتمعوا على قتله قيل له : أول ذلك وبدو شأنه أن بعض اليهود يقال له ابن السوداء ويعرف بعبد الله بن سبأ لعنه الله زعم أنه أسلم ...
إلى قوله : فهكذا عبد الله بن سبأ أظهر الإسلام ، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وصار له أصحاب ثم ورد إلى البصرة فصار له بها أصحاب ، ثم ورد إلى مصر فصار له بها أصحاب كلهم أهل ضلالة ثم تواعدوا الوقت وتكاتبوا ... ثم ساروا إلى المدينة فقتلوا عثمان رضى الله عنه ( الشريعة ٤ / ١٩٨٧ / ١٩٧٩ ) ومن رجع إلى بقية كتب أهل العلم وجد مثل ذلك أو قريباً منه ، فهل رأيتم مثل هذه الفرية وأن الأمانة العلمية التي يدعيها المالكي ويتهم الآخرين بفقدانها ؟
أما الذهبي ، وابن حجر اللذين خصمها المالكي وحكم عليهما ظلماً وعدواناً بأنهما لم يذكرا دور ابن سبأ في الفتنة بحرف واحد فدونكم زيفها ونقضها ففي تاريخ الإسلام ٢ / ١٢٢ ، ١٢٣ ذكر الذهبي أن ابن سبأ هو المهيج
للفتنة بمصر ، وباذر بذور الشقاق والنقمة على الولاة .. هذا فقط في كتاب تاريخ الإسلام.
أما ابن حجر : فيكفينا منه القول عن ابن سبأ ودوره في الفتنة : وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ .. ( لسان الميزان ٣ / ٣٤٥ ط دار الكتب العلمية ).
وإذا كان يجهل المالكي أو يتجاهل بما اشتهر ابن سبأ في كتب التاريخ فغيره لا يجهل ذلك ونقل في الفتح عن الاسفراييني خبر إحراق علي لطائفة السبئية وكبيرهم عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام وابتدع ما ابتدع ، ثم نقل أصلا له في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص بسند قال عنه : وهذا سند حسن ( الفتح ١٢ / ٢٧٠ ).
وإذا بطلت دعوى المالكي على الهذبي وابن حجر ، تهاوت دعاواه الأخرى على العلماء والأئمة الآخرين ، وكانت تلك واحدة من أدلة جرأة المالكي على العلماء وعلى كتب التراث ، وأوجب ذلك كله الاحتياط لما ينقله مستقبلاً.
ألا فينتبه لذلك أنصاف المثقفين الذين ربما غرهم طرح المالكى ، واعتمددوا على جزمه ولم يتبينوا كذبه على العلماء ، ومن رام فريد البيان فاليرجع إلى كتب التراث وسيجد فيها ما يشفيه وسيتبين له كذبه على مؤلفيها بعدم ذكر دور ابن سبأ في الفتنة ، وقد اكتفيت بذكر نموذج كذبه ولئن كنا غير محتاجين لرأي المالكي ، أنكر أم أثبت دور ابن سبأ ، أم ظل حائراً قلقاً بين اثبات الوجود وانكار الدور ، فلذلك لتشخيص موقفه لا أكثر.
٢ ـ النيل من الصحابة
سبق في الحلقة الماضية الاشارة إلى نماذج من نيل المالكي من الصحابة وأضيف هنا وحين يتحدث المالكي عن فترة القتال على الملك يحشر عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما فيها ، ويشير إلى قتاله مع بني أمية كنموذج من نماذجها ( انظر كتاب الرياض ص ١٨٤ ).
وهذه تهمة لا بن الزبير رضى الله عنهما ، والرد عليها بامرين :
أ ـ فإن شاء بمنهج الذي يردده كثيراً بعدم اتهام النوايا ، قلنا له : إن ابن الزبير نفسه أبان عن هدفه من القتال في حديثه مع أمه أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنهم حين سألته عن هدفه من القتال فأجاب بقوله : « والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا لغضب لله أن تستحل حرمته .. » ( ابن كثير : البداية والنهاية ٨ / ٣٥٤ ، ٣٥٥ ) فهل يسوغ لك أن تهتم نية صحابي كبير في العلم والشرف والجهاد والعبادة وإن كان من صغار الصحابة كما قال الذهبي ( السير ٣ / ١٦٤ ).
ب ـ وإن شاء بمنهج أهل الحق الذين قدروا ابن الزبير حق قدره ، وذكروا من مناقبه وفضائله ما يصعب معه حشره مع المقاتلين على الدنيا ، وهذه نماذج منها :
ـ أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال حين وقع بينه وبين الزبير قلت ( ابن عابس ) أبوه الزبير ، وأمه أسماء وخالته عائشة ، وجده أبو بكر ، وجدته صفية .. ( انظر : الفتح ٨ / ٣٢٦ ).
فماذا تفهم من كلام ابن عباس في ابن الزبير رضى الله عنهما ، وإن لم
يوافقه في بعض أمره فقد ذكره ابن حجر في الفتح ٨ / ٣٢٧ ) عن ابن عباس رواية تفيد استحقاقه للبيعة ، ولماذا لم يبايعه ابن عباس.
ـ وفي صحيح مسلم أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ، وقف على ابن الزبير وهو مصلوب ـ مسلم عليه وكرر ، السلام عليكم يا أبا خبيب ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ( ثلاثا ) ما علمت :
صواماً ، قواماً ، وصولاً للرحم أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير منهم وإن لم يوافقوه على القتال فلم يتهموه بفتنة ولم يرموه بالقتال من أجل الملك. فما مستند المالكي على هذه التهمة.
ج ـ وأكد ابن كثير أن قيام ابن الزبير بالامارة إنما كان لله ، وذلك في سياق رده لحديث منكر جدا في اسناده ( القمي ) وقد تشيع ، ومثله كما قال ابن كثير لا يقبل إذا تفرد به. إلى أن قال ابن كثير :
« وبتقدير صحته ، فليس هو بعبد الله بن الزبير ، فإنه كان على صفات حميدة وقيامه بالإمارة إنما كان لله عز وجل ، ثم هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة .. » ( البداية والنهاية ٨ / ٣٣٩ ).
إذا ثبت هذا فأين كلامك في ابن الزبير هذا واتهامك إياه بالقتال على الملك ، وكلامك الآخر قبل ذلك وفي الكتاب نفسه ص ٤١ ، حين قلت : « بينما لم نجد من يدافع عن الخليفة الرابع أو ابن الزبير !! »
فهل هذا هو الدفاع عندك عن ابن الزبير .. أليس هذا تناقضا !
٣ ـ الهوى مع المبتدعة
يتناقض المالكي مع نفسه ، ولا يلتزم منهجاً محدداً ، فتراه حيناً يتشدد
في الرواية ، ويلوذ بالثقات ، وينعى على المتساهلين ، ويلوم على المتشبثين برواية الضعفاء ، ولو لم يكونوا أصحاب دعة مذهبية.
ثم تراه يدافع عن الرواة الضعفاء ، وإن كانوا أصحاب بدع مذهبية كما صنع في دفاعه عن ابن مخنف.
وكما نص على اعجابه بدراسة مرتضى العسكرى من الرافضة المعاصرين وفوق ذلك يرد على د. عبد العزيز نور ولى في رسالته ( اثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري ).
ثم يقرر المالكي « ان الذي عليه أهل الحق من أهل الجرح والتعديل ان البدعة لا تؤثر في رواية الثقة حتى وإن كانت هذه الرواية يفهم منها تأييد لبدعته .. » ( كتاب الرياض ص ٢١٠ ).
وهذه المسألة ـ قبول رواية المتبدع الداعي إلى بدعته ـ وإن كانت خلافية بين العلماء ، فالاكثر على رفضها كما قرر أهل العلم ، وهذه بعض أقوالهم :
١ ـ ذكر أبو حاتم محمد بن بسنده أن أحمد سئل : عن القدرى والمرجئ وغيرهما من أهل الأهواء فكتب عنه قال : نعم إذا لم يكن يدعوا إليه ، ويكثر الكلام فيه ، فأما إذا كان داعيا فلا ( المجروحين ١ / ٨٢ ).
٢ ـ وادعى ابن حبان الاتفاق على رد الداعية وقبول غيره ( الثقات ٦ / ١٤٠ ) وإن لم يوافقه العراقي ، وابن حجر على هذا الاتفاق ( انظر : تدريب الراوي ٢ / ٥٤٩ ).
٣ ـ وحكى بعض أصحاب الشافعي رحمه الله خلافا بين أصحابه في قبول رواية المبتدع إذا لم يدع إلى بدعته وقال : أما إذا كان داعية فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته ( مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤ ).
٤ ـ وقال الحافظ ابن رجب في شرح الترمذي في الرواية عن أهل الأهواء والبدع اختلاف .. حتى قال : وفرقت طائفة بين الداعية ، وغيره فمنعوا الرواية عن الداعية منهم : ابن المبارك ، وابن مهدي ، ويحيى بن معين ، وأحمد ، وروى أيضاً عن مالك ( انظر تدريب الراوي ٢ / ٥٥٠ ).
وقال ابن الصلاح : « والمذهب الثالث ( عدم الرواية عن المبتدع الداعى إلي بدعته ) أعدلها وأولاها » وقال أيضاً : « وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء » ( مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤ ، ٥٥ ).
٦ ـ ويفرق الذهبي بين البدعة الصغرى والكبرى ، ثم يقول : « وبدعة كبرى كالرفض الكامل ، والحط على أبي بكر وعمر رضى الله عنهما ، الدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يحتج به ولا كرامة » ( الميزان ١ / ٦ ).
وقال في السير : « .. وترددوا في الداعية هل يؤخذ عنه ، فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب حديثه وهجرانه .. » ( سير أعلام النبلاء ٧ / ١٥٣ ، ١٥٤ ).
وفي ( الموقظة ) قال الذهبي : قال شيخنا : وهل تقبل رواية المبتدع فيما يؤيد مذهبه فمن رأى رد الشهادة بالتهمة لم يقبل ، ومن كان داعية متجاهراً ببدعته فليترك إهانة له واخمادا لمذهبه ، اللهم إلاّ ان يكون عنده أثر تفرد به فتقدم سماعه ، ( الموقظة ص ٨٧ ).
٧ ـ وللحافظ ابن حجر كلام عن أهل البدع عموماً ، وخاصة أهل التشيع ، فقد فرق بين مفهوم المتقدمين والمتاخرين للتشيع ، وقال بقبول رواية المتشيع في عرف المتقدمين ( تفضيل علي على عثمان ) إن كان غير داعية ، أما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة ، ( تهذيب التهذيب ( ١ / ٩٤ ).
أكتفي بهذه النقول وأقول : وهل تتفق هذه مع قولة المالكي « الذي عليه الحق من أهل الجرح والتعديل أن البدعة لا تؤثر في رواية الثقة حتى وان كانت هذه الرواية يفهم منها تأييد بدعته » وأدع الحكم لأهل الاختصاص.
أما الأمر الذي ينبغي أن يعلم فهو تشدد العلماء في الرواية عن الرافضة بالذات حتى قال الشافعي رحمه الله :
« لم أر أشهد بالزور من الرافضة » ( الأم ٦ / ٢٠٦ ).
وقال يزيد بن هارن : « يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية الإّ الرافضة ».
وقال شريك : « احمل العلم عن كل من لقيت إلاّ الرافضة ».
وقال ابن المبارك : « لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف » ( تدريب الراوي ٢ / ٥٥٣ ).
الخروج من المازق
لا يتورع المالكي عن الكذب على الآخرين واتهامهم ، فهذا لم يفهم قصده : وهذا يتهم نيته ، وثالث أساء له .. وهو في كل ذلك يعلم الحقيقة لكنه أسلوب للخروج من المازق ، وربما كان وسيلة لاستعطاف مشاعر الآخرين معه ، وكيف يتهمه الناس في نيته ـ كما يقول ـ والنقل ( حرفياً ) من كتبه أو مقالاته ولو قدر أن ( شخصاً ) أساء فهم ما كتبه ، فهل يعقل أن يجتمع الناس كلهم على سوء الفهم ضده.
والمتأمل في ( ردوده ) يرى هذه ( الشنشنة ) مقدمة يبدأ بها حديثه وتكاد تتفق في عباراتها ، وقد استجمعت ( نماذج ) لذلك كما في الملاحظة الأولى
وعباراته ( المتردده ) و ( الغامضة ) في ابن سبأ ( وجوداً أو نفياً ) نموذج للكذب ، وان شئت فقل نموذج للتناقض والريب ، وتلك واحدة من ثمار الكذب.
وثمة نموذج آخر فقد قال في مقاله الأخير في الرياض ( وفي الملاحظة الحادية عشرة ) « والغريب أن الدكتور ـ يعنيني ـ يحرف كلامي ثم يحيل على كتاب الرياض وعلى كتاب بيعة علي حتى أنني أظن أنني أخطأت فإذا رجعت أجد كلامي خلاف ما يقرره فأين الأمانة العلمية ولماذا هذه الأساليب » وأقول وحتى تكتشفوا كذبه عودوا إلى مقالاتي في ( الانقاذ من دعاوى الانقاذ ) ولن تجدوا فيها ( أي ) إحالة على كتابه « بيعة علي » فلم أنقل منه نصه ، بل ولم أقتن الكتاب بعد فضلا عن اطلاعي عليه ، فضلا عن إحالتي عليه ـ فأي الفريقين أحق بالأمن وأين اتهام الآخرين بضعف الأمانة العلمية ويعود السؤال لمن سأل : ولماذا هذا الأساليب وهل تدخل هذه في اطار الصدق أم هي ضمن مجموعة للكذب ؟
وثالثة في كذبه على الامامين ( الذهبي وابن حجر ) بأنهما لم يذكرا دور ابن سبأ في الفتنة لا بحرف واحد يضاف إليه كذبه في ايراد الروايات عن ابن سبأ من غير طريق سيف بن عمر وقد سبق بيان ذلك.
المراوغة
والمراوغة والحيل الباطلة عيب في سلوك المرء بشكل عام ، وهى في قضايا العلم وطرائق الانقاذ أشد خطرا ، وهذا الخلل لا يقل عن سابقه سوءا ، فالمالكي حين تضطره إلى طريق مسدود ليس أمامه إلا الاعتراف بالحق أو رفضه ، يلجأ إلى أسلوب ثالث هو : تناسي القضية الكبرى المطروحة للنقاش