بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 67

د. حسن بن فرحان المالكي

القعقاع بن عمرو حقيقة ام اسطورة (٣)

صحيفة الرياض ـ ١١ صفر ١٤١٨ ه‌

ذكرت في الحلقة الماضية بعض الأقوال والحجج التي ذكرها الأخ عبد الباسط مدخلي مدللاً بها على حقيقة ( وجود ) القعقاع بن عمرو !! وذكرت كيف ان الأخ المدخلي يحاول تجنب ذكر سيف بن عمر ( المصدر الوحيد لأخبار القعقاع !! ) ويحاول أن ينسب إلى مصادر ناقلة عن ( سيف بن عمر ) ولا يشير إلى انها ناقلة إمعانا في الاخفاء على القرّاء وقبلهم المشرف والمناقشين !! حتى لا يكتشف هؤلاء أن مصدر الرسالة الوحيد كان سيف بن عمر التميمي فلو


صفحه 68

سقط لسقطت الرسالة !! ... وقد نجح المدخلي كثيراً في خديعة المناقشين بنسبة أخبار القعقاع إلى تلك المصادر الناقلة وكذلك بنسبة أخبار القعقاع إلى كتب مختلفة ومنسوبة ظلماً إلى مؤرخين متقدمين كالواقدي !! حتى يثبت أن الواقدي قد روى أخبار القعقاع أيضاً !.

وقد حاولت في الحلقة الماضية ان أذكر بعض الأدلة ( الاسنادية ) فقط على بطلان نسبة كتاب ( فتوح الشام ) للواقدي فكيف بالأدلة ( المتينة ) الكثيرة التي تكلم عن بعضها الدكتور محمد صامل السلمي ولو استطرد فيها لأخرجتنا من موضوع ( القعقاع بن عمرو ) إلى موضوع آخر عن ( بطلان نسبة كتاب فتوح الشام ) للواقدي !! .. لكن يستطيع من عنده أدنى اطلاع على كتب الواقدي أن يكتشف بسهولة ان الكتاب منسوب ظلما إلى الواقدي !! بل يظهر أنه الف بعد الواقدي بنحو ستمائة سنة ، وقد صرح مؤلفه بانه ينقل عن ابن خلكان والطبري وأمثالهم ممن لم يولدوا إلاّ بعد وفاة الواقدي !! فكان إثبات المدخلي لهذا الكتاب وإصراره على نسبته إلى الواقدي حيلة من الحيل الكثيرة المستخدمة في كثير من الدراسات الجامعية للأسف ، فالمدخلي ليس إلاّ واحداً من كثيرين يعتمدون على التحايل والضحك على القرّاء والمؤسسات العلمية معاً.

ولو كان غير ذلك لما وجدنا مثل هذه الأخطاء الثقيلة الوزن التي يندى لها جبين العلم والبحث والدراسة !! ثم ان الكتاب المنسوب للواقدي فيه روايات سيف بن عمر أيضاً !! انظر الصفحات ( ٩٧ ، ١٠٥ ، ١١٢ ، ١٩١ ) من المجلد الثاني .. مع أن مؤلف ذلك الكتاب كثيرا ما يذكر روايات سيف ولا يشير إليه إلاّ نادراً !! ربما ان حجته في هذا وهدفه مثل هدف المدخلي !! .. والكتاب لا يحتمل المزيد من النقد لأنه مجموعة من الأساطير والأكاذيب والأهوال


صفحه 69

والمبالغات والقصص التي لم يفلح صاحبها في التبليس إلاّ على أمثال المدخلي الذي يريد إثبات وجود القعقاع بشتى الوسائل والأساليب والمراجع ولو كان ذلك بالنقل عن كتاب ( فتوح الشام ) !!.

وسأستكمل موضوع المدخلي في الأسبوع القادم.

رد الماجد

أسعدني جداً ما كتبه الاستاذ حسام بن عبد الرحمن الماجد في صحيفة « الرياض » يوم السبت ٩ صفر ١٤١٨ ه‌ وكان الأخر حسام قد رد عليّ بمقال عنوانه ( الأمر ليس كما تصور المالكي حول شخصية القعقاع ) !! فآثرت أن أدخل مع الأخ حسام في حوار ما دام أن الكلام عن القعقاع. ولأن الأخ حسام ذكر نقاط مهمة ينبغي النظر فيها وانني قبل ان أدخل في الحوار مع الأخ حسام أحب أن أشكره على لغته العلمية ولعل مقاله أول مقال في الرد عليّ لم أجد فيه طعناً في النيات ولا تشويهاً لأقوال ولا بتراً للنصوص فمقاله رغم صغر الحجم إلاّ انه كان فيه تعقل إلى درجة كبيرة رغم انني اختلف معه في كل الحجج التي أوردها واليكم البيان :

الملاحظة الأولى

حجة الأخ حسام ( وهي الحجة الأولى ) قوله : ( ان دراسة التاريخ بهذا المنهج يؤدي إلى رفض أغلب التاريخ الإسلامي ) ! وفسر هذا الحكم بقوله : ( لأن أغلب المؤرخين كان يطعن في توثيقهم مثل ابن اسحاق ـ الواقدي ـ المسعودي ـ أبي مخنف ) ..


صفحه 70

أقول : أولاً : ليس صحيحاً ان دراسة التاريخ دراسة جادة أسانيداً ومتوناً انها ستؤدي إلى رفض اغلب التاريخ الإسلامي فهذا التخوف الذي يبديه الأخ حسام ـ رغم انه تخوف مشهور ـ ناتج عن عدم دراسة لأحداث التاريخ الاسلامي خاصة عصوره الأولى فهناك أسانيد كثيرة وصحيحة عن الفتوح والمعارك والفتنة والأحداث التي حدثت في الصدر الأول فهذا التخوف والتهويل مبني على الجهل بالشيء لا العلم به ثم إنني لم أشترط في إثبات أخبار القعقاع أن تصلني بأسانيد صحيحة !! بل قلت إن وجدتم صادقا أو كذابا ذكر القعقاع غير سيف بن عمر فأنا راجع إلى إثباته وتوثيق سيف !! بشرط ألاّ يكون ذلك ( الذاكر للقعقاع ) قد نقل عن سيف بن عمر وأظن هذا في غاية الانصاف وليس من الانصاف أن تلزمني باثبات القعقاع بناء على روايات مؤرخ كذاب مثل سيف بن عمر !! ..

ثم ان هذا التنزل الذي ذكرته في الحلقتين الماضيتين كان خلاف المنهج العلمي وقد عاتبني عليه بعض الأخوة وقالوا ليس من حقك أن تثبت القعقاع وتوثق بسيف برواية كذاب آخر !! لكنني كنت على يقين أن الكذابين لن يجرؤوا على مثل أكاذيب سيف !! أما خلط الأخ حسام بين ابن اسحاق والواقدي والمسعودي فهذا غريب لأن هؤلاء يتفاوتون فابن اسحاق ثقة عند اكثر المحدثين ولم يطعن فيه الا القليل النادر بججج واهية. نعم ابن اسحاق اتهم بالتدليس فيبقى ثقة فيما صرح فيه بالسماع ، أما الواقدي فقد وثقه بعضهم لكن أكثرهم على تضعيفه ، أما أبو مخنف والمسعودي فدون الواقدي لكن هؤلاء كلهم فوق سيف بن عمر فلا يجوز أن نعمم ونزعم أن المؤرخين مطعون فيهم هكذا بلا تفصيل فهذا تعميم غير علمي لا يقره المحدثون ولا المؤرخون ..


صفحه 71

الملاحظة الثانية

الحجة الثانية التي أوردها الأخ حسام قوله بأن ( أجيالاً من المؤرخين المحققين مثل ابن كثير وابن الأثير وابن حجر .. جاءت بعد سيف بن عمر وقبلوا روايته وخصوصاً أخبار يوم القادسية ولم ينكر ذلك أحد من معاصريه ولا ممن جاء بعده ) !!

أقول : لم يخف عليّ ساعة كتابة المقال الأول ان من المؤرخين بعد القرن الثالث بدأوا ينقلون روايات سيف بن عمر لأن الطبري ضمّن كثيراً منها في كتابه ( تاريخ الأمم والملوك ) وكان تاريخ سيف بن عمر مهملاً في القرن الثاني والثالث وأول من أشهره كان الطبري رحمه الله ..

لكن لعل الأخ حسام ينتفع معي ان البحث التاريخي بل والحديثي لا يعترف بالتقليد فالدراسة والبحث عن الحقيقة المجردة لا ينتهيان بزمن معين دون غيره وقد استدرك ابن كثير وابن حجر على من قبلهما ولم ياخذا ببعض ما اثبته السابقون فما المانع أن نترك بعض ما نقله ابن كثير او ابن حجر إذا تبين لنا بالدليل والبرهان ان الصواب في ترك ذلك .. وقد ذكرت في الحلقة الماضية ان ابن حجر نفسه استدرك أكثر من ألف من الصحابة على من سبقه ونفى صحبتهم وكم من حديث نقله بعض السابقين لكن لنا الحق في الحكم عليه بالصحة أو الضعف وكذلك الأحداث والتراجم ، ليس هناك نص شرعي ولا دليل عقلي يمنعنا من مخالفة ما ذهب اليه بعض المتقدمين.

أما قول الأخ حسام بأن أحداً من معاصري سيف لم ينكر وجود القعقاع !!

فأقول : بل لم يقره أحد من معاصري سيف بن عمر ! بل لم يقر بوجود


صفحه 72

القعقاع أحد في القرون الثلاثة الأولى !! ولم يكن عندهم سيف مؤرخاً ولو كان كذلك لنقلوا عنه الأخبار التاريخية بل كان عندهم أشبه ما يكون بالقصاص الذين لا يتلفتون إلى مؤلفاتهم وأخبارهم. ولذلك لم يذكره علماء الجرح والتعديل المتقدمون بجرح ولا تعديل فلم يذكره يحيى بن سعيد القطان ولا عبد الرحمن بن مهدي ولا وكيع بن الجراح وامثالهم ، بل ولا نقل عنه البخاري في تواريخه حرفاً واحداً كما لم ينقل عنه يحيى بن معين في تاريخه حرفاً واحداً ولا أبو زرعة ولا غيرهم من المتقدمين ولما ذكر سيف بن عمر عند يحيى بن معين قال : ( فلس خير منه ) ثم تتابع الأئمة على تضعيفه وعدم الالتفات إلى رواياته التاريخية فضلا عن الحديثية !! بينما كانوا ينقلون عن الواقدي أحيانا وينقلون بكثرة عن ابن اسحاق وموسى بن عقبة وعروة بن الزبير وأمثالهم. ولذلك لم تجد المؤرخين ولا المحدثين في القرون الثلاثة الأولى ينقلون حرفاً من روايات سيف بن عمر لا عن القعقاع ولا غيره مما أورده سيف من أحداث. ثم جاء الطبري نهاية القرن الثالث ونقل عن سيف وكان للطبري منهجه الخاص أفصح عنه في المقدمة ، ثم بدأ الناس ينقلون عن الطبري بلا تدقيق في الأسانيد ولذلك نجد ابن كثير يقول ( قال ابن جرير الطبري : ) ثم يسرد رواية لسيف أو غيره ناسباً إياها للطبري مع أن الطبري مجرد ناقل لهذه الرواية !! ..

الملاحظة الثالثة

الحجة الثالثة التي ذكرها الأخ حسام قوله بأن ( القول ان جميع أخبار القعقاع لم يذكرها إلاّ سيف بن عمر يحتاج إلى بحث واستقصاء ) !! ..

أقول : أنا أطمئن الأخ حسام ـ من جهتي ـ إنني لم أكتب إلاّ بعد أن


صفحه 73

استيقضت واستخرجت روايات سيف بن عمر ( الثمانمائة ) من تاريخ الطبري ودرستها رواية رواية وقرأت كتاب سيف المكتشف حديثاً الذي حققه الدكتور قاسم السامرائي وتتبعت أخبار القعقاع قدر طاقتي وأزعم إنني استقصيت في الموضوع فيبقى على الأخ حسام أن يستقضي ويتأكد بنفسه فإن وجد خبراً أو ذكراً للقعقاع عند سيف فأنا راجع إلى قوله حتى ولو وجد ذلك الخبر عند راو كذاب فانا أقبل ذلك بشرط ألاّ يكون ذلك الكذاب قد روى عن سيف أو نقل الخبر من سيف واظن ان هذا دليل على قوة الاستقصاء. والأخ حسام مطالب بابطال هذا الاستقصاء او التسليم بما سبق من تفرد سيف باخبار القعقاع ..

ثم ان سيف بن عمر لم يتفرد باخبار القعقاع فقط بل إن قرأت رواياته وقارنتها مع روايات الآخرين وجدت تأريخين مختلفين !! كل تاريخ له رجاله وشخصياته وأحداثه وقد يحاول أن يساير بعض المشهور حتى يخفي أكاذيبه على العوام ..

الملاحظة الرابعة

أما ما ذكره الأخ حسام من أن دمار بغداد قد أضاع كثيراً من المصادر ! التي بامكانها مساندة الروايات في إثبات القعقاع فهذه الحجة التي ذكرها الأخ حسام حجة مطاطة في ظني وينقصها البرهان والدليل لأنه على هذا القول يتوجب ان نتوقف في تضعيف الأحاديث الموضوعة !! لانه يمكن ان تكون هناك مصادر ضاعت في دمار بغداد كانت تحمل متابعات وشواهد وربما اسانيد صحيحة لهذه الأحاديث الموضوعة !! ويمكن ان نتوقف عن تحريم بعض


صفحه 74

المحرمات لأنه يمكن ان تكون هناك مصادر فيها نسخ لهذه المحرمات ، وهكذا يمكن ان نتشكك في كل حقيقة ونتوقف في رد كل باطل بهذا التعليل المطاط !! ..

ثم إن دمار بغداد بولغ فيه كثيرا ولم يشك العلماء بعد الدمار من ضياع مصادر مهمة ولم يذكروا مصدرا واحدا مهما ضاع في ذلك الدمار بل ان مصادر التراجم الموضوعة قبل دمار بغداد قد وصلتنا كاملة مثل تاريخ البخاري الكبير والصغير وتاريخ يحيى بن معين وكتاب الجرح والتعديل لابن ابي حاتم وغيرها فهؤلاء اتفقوا على إثبات التراجم المشهورة فلماذا لم نجد واحداً منهم يذكر ترجمة للقعقاع ولو اسما فقط عن طريق غير سيف بن عمر أين ترجمة القعقاع في طبقات ابن سعد وكتب البخاري وطبقات خليفة بن خياط وطبقات مسلم وتاريخ خليفة وكتب الانساب وغيرها !! لماذا تتفق هذه الكتب على ذكر من هو أقل شأنا وشهرة من القعقاع !! أم إن دمار بغداد لم يأت إلاّ على ( تدمير ) ترجمة القعقاع فقط !! ثم لن تكن كتب التراجم والتواريخ في بغداد فقط فقد كانت النسخ مع طلبة العلم في العراق والشام والحجاز واليمن ومصر والأندلس .. الخ فلا يجوز أن نبالغ في الأمر فوق حقيقته ونعطل البحث والدراسة لاحتمال ان دمار بغداد قد أتى على ما يمنعنا من ذلك !! ..

الملاحظة الخامسة

ما ذكره الأخ حسام بأنه يصعب اختلاق شخصية مشهورة مثل القعقاع بأخبارها وأشعارها وقيادتها وامارتها .. الخ ..

أقول : هذه حجتي في أنه لا يعقل أن مثل هذه الشخصية تبقى مجهولة ثلاثة قرون !! ولم يعرفها إلاّ مؤرخ كذاب !! ..