القعقاع أحد في القرون الثلاثة الأولى !! ولم يكن عندهم سيف مؤرخاً ولو كان كذلك لنقلوا عنه الأخبار التاريخية بل كان عندهم أشبه ما يكون بالقصاص الذين لا يتلفتون إلى مؤلفاتهم وأخبارهم. ولذلك لم يذكره علماء الجرح والتعديل المتقدمون بجرح ولا تعديل فلم يذكره يحيى بن سعيد القطان ولا عبد الرحمن بن مهدي ولا وكيع بن الجراح وامثالهم ، بل ولا نقل عنه البخاري في تواريخه حرفاً واحداً كما لم ينقل عنه يحيى بن معين في تاريخه حرفاً واحداً ولا أبو زرعة ولا غيرهم من المتقدمين ولما ذكر سيف بن عمر عند يحيى بن معين قال : ( فلس خير منه ) ثم تتابع الأئمة على تضعيفه وعدم الالتفات إلى رواياته التاريخية فضلا عن الحديثية !! بينما كانوا ينقلون عن الواقدي أحيانا وينقلون بكثرة عن ابن اسحاق وموسى بن عقبة وعروة بن الزبير وأمثالهم. ولذلك لم تجد المؤرخين ولا المحدثين في القرون الثلاثة الأولى ينقلون حرفاً من روايات سيف بن عمر لا عن القعقاع ولا غيره مما أورده سيف من أحداث. ثم جاء الطبري نهاية القرن الثالث ونقل عن سيف وكان للطبري منهجه الخاص أفصح عنه في المقدمة ، ثم بدأ الناس ينقلون عن الطبري بلا تدقيق في الأسانيد ولذلك نجد ابن كثير يقول ( قال ابن جرير الطبري : ) ثم يسرد رواية لسيف أو غيره ناسباً إياها للطبري مع أن الطبري مجرد ناقل لهذه الرواية !! ..
الملاحظة الثالثة
الحجة الثالثة التي ذكرها الأخ حسام قوله بأن ( القول ان جميع أخبار القعقاع لم يذكرها إلاّ سيف بن عمر يحتاج إلى بحث واستقصاء ) !! ..
أقول : أنا أطمئن الأخ حسام ـ من جهتي ـ إنني لم أكتب إلاّ بعد أن
استيقضت واستخرجت روايات سيف بن عمر ( الثمانمائة ) من تاريخ الطبري ودرستها رواية رواية وقرأت كتاب سيف المكتشف حديثاً الذي حققه الدكتور قاسم السامرائي وتتبعت أخبار القعقاع قدر طاقتي وأزعم إنني استقصيت في الموضوع فيبقى على الأخ حسام أن يستقضي ويتأكد بنفسه فإن وجد خبراً أو ذكراً للقعقاع عند سيف فأنا راجع إلى قوله حتى ولو وجد ذلك الخبر عند راو كذاب فانا أقبل ذلك بشرط ألاّ يكون ذلك الكذاب قد روى عن سيف أو نقل الخبر من سيف واظن ان هذا دليل على قوة الاستقصاء. والأخ حسام مطالب بابطال هذا الاستقصاء او التسليم بما سبق من تفرد سيف باخبار القعقاع ..
ثم ان سيف بن عمر لم يتفرد باخبار القعقاع فقط بل إن قرأت رواياته وقارنتها مع روايات الآخرين وجدت تأريخين مختلفين !! كل تاريخ له رجاله وشخصياته وأحداثه وقد يحاول أن يساير بعض المشهور حتى يخفي أكاذيبه على العوام ..
الملاحظة الرابعة
أما ما ذكره الأخ حسام من أن دمار بغداد قد أضاع كثيراً من المصادر ! التي بامكانها مساندة الروايات في إثبات القعقاع فهذه الحجة التي ذكرها الأخ حسام حجة مطاطة في ظني وينقصها البرهان والدليل لأنه على هذا القول يتوجب ان نتوقف في تضعيف الأحاديث الموضوعة !! لانه يمكن ان تكون هناك مصادر ضاعت في دمار بغداد كانت تحمل متابعات وشواهد وربما اسانيد صحيحة لهذه الأحاديث الموضوعة !! ويمكن ان نتوقف عن تحريم بعض
المحرمات لأنه يمكن ان تكون هناك مصادر فيها نسخ لهذه المحرمات ، وهكذا يمكن ان نتشكك في كل حقيقة ونتوقف في رد كل باطل بهذا التعليل المطاط !! ..
ثم إن دمار بغداد بولغ فيه كثيرا ولم يشك العلماء بعد الدمار من ضياع مصادر مهمة ولم يذكروا مصدرا واحدا مهما ضاع في ذلك الدمار بل ان مصادر التراجم الموضوعة قبل دمار بغداد قد وصلتنا كاملة مثل تاريخ البخاري الكبير والصغير وتاريخ يحيى بن معين وكتاب الجرح والتعديل لابن ابي حاتم وغيرها فهؤلاء اتفقوا على إثبات التراجم المشهورة فلماذا لم نجد واحداً منهم يذكر ترجمة للقعقاع ولو اسما فقط عن طريق غير سيف بن عمر أين ترجمة القعقاع في طبقات ابن سعد وكتب البخاري وطبقات خليفة بن خياط وطبقات مسلم وتاريخ خليفة وكتب الانساب وغيرها !! لماذا تتفق هذه الكتب على ذكر من هو أقل شأنا وشهرة من القعقاع !! أم إن دمار بغداد لم يأت إلاّ على ( تدمير ) ترجمة القعقاع فقط !! ثم لن تكن كتب التراجم والتواريخ في بغداد فقط فقد كانت النسخ مع طلبة العلم في العراق والشام والحجاز واليمن ومصر والأندلس .. الخ فلا يجوز أن نبالغ في الأمر فوق حقيقته ونعطل البحث والدراسة لاحتمال ان دمار بغداد قد أتى على ما يمنعنا من ذلك !! ..
الملاحظة الخامسة
ما ذكره الأخ حسام بأنه يصعب اختلاق شخصية مشهورة مثل القعقاع بأخبارها وأشعارها وقيادتها وامارتها .. الخ ..
أقول : هذه حجتي في أنه لا يعقل أن مثل هذه الشخصية تبقى مجهولة ثلاثة قرون !! ولم يعرفها إلاّ مؤرخ كذاب !! ..
أما كون العهد والمدة بين سيف والقعقاع قريبة لا تبلغ قرناً فلا تدفع الحجة الأقوى السابقة وقرن من الزمان ليس بالمدة اليسيرة كما ان بقاء القعقاع مجهولاً ثلاثة قرون ليس بالأمر المعقول أبداً ..
الملاحظة السادسة
ما ذكره الأخ حسام بان ( الأخبار المختلقة يكون وراءها هوى أو تعصب لمذهب أو نزاع ) فهذا صحيح وسبب اختلاق سيف للقعقاع وغيره أن سيفاً كان معروفا بالتعصب لقبيلته بني تميم كما كان بعض المؤرخين الضعفاء مشهورين بالتعصب لقبائلهم. ولذلك نجد في روايات سيف عشرات الأبطال من بني تميم لم يذكرهم غيره ..
أما ما ذكره الأخ حسام من ان ( الأخبار التاريخية لا تحتاج كل هذا التوثيق ) فأقول : أيضاً الأخبار التاريخية لا يعني أن نقبل الأكاذيب التي تخالف ما اتفق عليه المؤرخون والمحدثون على حد سواء. أما قوله ( ان الثابت مقدم على النافي ) فهذا صحيح إذا كان المثبت والنافي في مستوى واحد من القوة أما أن يكون الثابت من طريق كذاب يعارضه مئات من الثقات والضعفاء على حد سواء فهذا غير مقبول ولا يقره عاقل ..
وأخيراً أشكر الأخ حسام الماجد على اهتمامه ومشاركته ..
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
د. حسن بن فرحان المالكي
القعقاع بن عمرو حقيقة أم اسطورة (٤)
صحيفة الرياض ـ ١٨ صفر ـ ١٤١٨ ه
نكمل اليوم أبرز الملاحظات على رسالة الأخ الأستاذ عبدالباسط مدخلي التي كان عنوانها ( القعقاع بن عمرو ... ) وكنا قد ذكرنا في الحلقات الماضية ستاً من الملاحظات والآن إلى بقيتها فنقول :
الملاحظة السابعة
قال الأخ المدخلي : ( كما اعتقدت على عدة مصادر منها كتاب الطبقات
لابن سعد ) !! أقول : للأسف انني أستطيع بكل ثقة أن أقول إن هذا غير صحيح البته فالقعقاع لم يترجم له ابن سعد ولم يذكره بحرف واحد ، والطبقات موجودة بين أيدينا وليست غريبة فان جاءني الأخ المدخلي أو غيره بترجمة للقعقاع في طبقات ابن سعد باسناد ليس فيه سيف فانا راجع ألى قوله وقد بحثت في الطبقات ولم أجد للقعقاع ذكراً ولا خبراً وترجمةً و لا اسماً !! ثم ان ابن سعد توفي بعد سيف ابن عمر بنحو ستين سنة فان ذكر القعقاع فلن يكون عن غير سيف أقول هذا على افتراض اننا وجدناه مترجما بلا اسناد.
الملاحظة الثامنة
ثم ذكر الأخ المدخلي مصادر أخرى اعتمد عليها وأثبتت القعقاع فقال ( وكتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري ) !!
أقول لا أشك أن هذه زلة علمية أخرى من أخي المدخلي وفيها استغفال للمشرف والمناقشين والقرّاء لأنه من المعلوم عند المدخلي إن كل أخبار القعقاع الموجودة في تاريخ الطبري إنما رواها سيف بن عمر وقد صرح بذلك الطبري في بداية كل أسانيد الروايات التي فيها القعقاع.
الملاحظة التاسعة
ثم أثنى على تاريخ الطبري بقوله ( وهو المصدر الوحيد الذي تحدث باسهاب عن القعقاع بن عمرو حيث فصل أحداث المعارك الاسلامية تفصيلاً دقيقاً ... ) !! أقول سبق البيان بان المتحدث والمفصل لتلك الأحداث هو سيف وليس الطبري فالطبري مجرد ناقل فقط ولا ذنب له في اثبات الشخصيات
المختلقة والروايات المكذوبة التي أوردها سيف بن عمر.
الملاحظة العاشرة
ثم ذكر الأخ المدخلي عدة مصادر أخرى كتاريخ دمشق لابن عساكر وتاريخ ابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير ومعجم البلدان للحموي وكتب التراجم وأوهم القارئ بأن هؤلاء نقلوا أخبار القعقاع استقلالاً !! وليس نقلاً عن سيف !!
الملاحظة الحادية عشرة
قول المدخلي : ( اشرت إلى دور القعقاع في معركة فحل وإن كان المؤرخون قد أغفلوا الحديث عن هذا الدور !! )
أقول : كيف عرفت ذلك الدور وقد أهمله المؤرخون !! ثم ان المؤرخين لم يذكروا كل أخبار القعقاع استقلالاً فلا يجوز أن ننسب للمؤرخين ما انفرد به سيف الكذاب.
الملاحظة الثانية عشرة
تكلم المؤلف من ص ٣ إلى ص ٢٥ عن نسب بني تميم ولم يظفر بنسب القعقاع بن عمرو كما لم يجد أحداً من النسابين المتقدمين أو المتاخرين ذكره بحرف واحد ! وفي هذا أكبر دلالة على اختلاق القعقاع لأنه لو كان موجودا على هذه الشهرة التي يزعمها سيف فستتسابق القبائل والافخاذ والبيوت على اثبات نسبته لها وتدوين ذلك وسيعرفه النسابون الذين ذكروا من هم أقل شأناً