د. حسن بن فرحان المالكي
القعقاع بن عمرو حقيقة أم اسطورة (٥)
صحيفة الرياض ـ ٢٥ صفر ـ ١٤١٨ ه
ينسب إلى أحد الفلاسفة أنه قال ( إذا شرحت فكرتك عشرين مرة ثم ظننت أنه قد فهمك الآخرون فأنت متفائل أكثر من اللازم !! ).
وفي ظني ان ذلك الفيلسوف كان متفائلاً ( أكثر من اللازم ) لأن المصيبة اليوم ليس في ( عدم فهم الآخرين ) بقدر ما تكون المصيبة في تعمدهم ( إساءة الفهم ) ومحاربتهم للحقائق بطرق ملتوية وبتر لكلام الخصوم وتحميل الكلام ما لا يحتمل ، فمثل هولاء لن يفيد أن نشرح لهم عشرين مرة ولا مئة مرة ..!!
ما دام أن النية مبيتة لتحريف المقاصد واساءة الفهم واتهام النيات .. إلى آخر المعزوفة.
أقول هذا حتى لا يمل بعض الأخوة القرّاء إن كررنا بعض الإيضاحات والأقوال وشرحناها بطريقة تمكن من وصول الحقيقة مجردة إلى أكبر قدر ممكن من الناس ثم بعد هذا من أراد أن يسيء القراءة والفهم فإنه يستطيع ذلك بسهولة ولذة أيضاً ..!!
وقبل أن أستطرد في سرد بعض الملاحظات على رسالة الأخ المدخلي عن ( القعقاع بن عمرو ) أود هنا أن أشكر كل الأخوة الذين شاركوا في الحوار سواء من وافقني منهم أو خالفني ، فاشكر الأخ حسام الماجد والأخ خالد البكر وهذا الشكر لا أقوله منة أو مجاملة وإنما واجب ، لأن القارئ ( الإيجابي ) الذي يقرأ الموضوع ثم يتفضل ويكتب عنه نقداً أو تأييداً أو إضافة ثم يرسل للصحيفة ويتابع موضوعه فهذا أفضل ( إيجابية ) من القارئ الذي يقرأ الموضوع بلا إيجابية ، مع أن القارئ للموضوع أفضل ( إيجابية ) من الذي لا يقرأ أصلاً.
فالإخوة الذين شاركوا بإثراء الموضوع لهم فضل يجب أن يذكر ويشاد به بغض النظر عن الصواب والخطأ فكلنا خطاؤون والخطأ بداية التصحيح ، ومن لا يعمل لا يخطىء وكذلك من لا يبحث ولا يكتب فلن يأخذ عليه الناس خطأً ولا صواباً ..!! وهذه سبيلة لا يرضاها عاقل.
( منهج أمثل في الردود )
لكن الإخوة الذين يكتبون الردود والتعقيبات ( مؤيدة أو معارضة ) هم بحاجة إلى معرفة المنهج الأمثل والآلية الصحيحة قبل كتابة المقال وبعثه إلى
الصحيفة ولعل من أبرز ملامح هذا المنهج التركيز على ثلاثة أمور هي :
(١) القراءة قبل النقد فمن العيب العلمي أن يحكم القارئ على الكاتب أو على رأيه في المسألة قبل أن يقرأ المقال نفسه ..!!
وللأسف أن كثيراً من الناس ما أن يسمعوا نقداً لأحد الكتّاب حتى يسارعوا في الموافقة وتبني ذلك النقد بما فيه قبل أن يفرأ الفرد منهم ثم يتخذ القرار عن قناعة تامة. فنحن مصابون بالعقل ( الجمعي ) والتفكير ( الجماهيري ) ..!!
فإذا وجدنا المجلس يذم الكاتب الفلاني ذممناه ..!! وإذا وجدنا ذلك المجلس يمدح مدحنا ..!! ونحن في الحالتين لم نقرأ ولم نتبين ..!! وهذا يذكرني بما ذكره بعض الإخوة من أن رئيساً خطب في حفل كبير وذكر بانه سيشن حربا على دولة أخرى ..!! فصفق له الحاضرون ..!! فاستدرك قائلا ( لكن الحرب لا تعطي نتيجة سنحاربهم بالسلام والمفاوضات ) ..!! فصفق له الحاضرون أيضاً ..!! فنحن مع أول من تكلم ولا نعارض الأخير ...!! وهذه سلبية ينبغي أن نعالجها.
ونحن في مجالسنا قريبون إلى حد كبير من ( المصفقين ) لذلك الرئيس ، فإذا ( حَشَّ ) أحد الحاضرين في كاتب ( تتبعناه ) وإن مدح ( تبعناه ) فنحن بحاجة قبل ( موافقة الآخرين ) أو مخالفتهم أن نستأذنهم ونقول لهم إننا لا نستطيع الآن ( اتخاذ موقف ) لسبب بسيط وهو ( اننا لم نقرأ ما قرأتموه ) فإذا قرأنا ذلك المقال سنخبركم بموقفنا ..!! سيقول ذلك المتكلم ألا تثقفون فيَّ ..! أنا قرأت المقال وهو موجود وو ... إلخ.
قولوا له : إذا كان بعض كبار المحدثين قد أخطاوا ونقلوا بعض الأحاديث
مبتورة وفهموا بعض الأحاديث على غير وجهها فمن باب أولى أن ـ تفهموا خطأ أو تنقلوا خطأ ..! وهكذا نستطيع بالإسلوب السهل المتعقل أن نقنع من في المجلس بصحة موقفنا مع الإصرار عليه بل ندعوهم إلى هذا وتنقد طريقتهم في اتخاذ المواقف.
(٢) الفهم بعد القراءة إذا استطعنا أن نقرأ المقال لكاتب من الكتاب فمن العيب العلمي أيضاً ألا نفهم ما كتبه الكاتب ..!! فقد قامت الحجّة علينا إن أسأنا الفهم. وللأسف إنّ بعض القرّاء ـ بعد قراءته لمقال ما ـ لا يحسن فهم المقال ثم يعمم هذا السوء ـ سوء الفهم ـ وينقله للناس أو ينقد وهو لم يفهم الموضوع فلذلك نجده يكرر بعض الشبهة والاعتراضات التي سبق للمقال أن ناقشها ..!! إذن فالقارىء قبل أن يحكم للكاتب أو عليه مطالب بان يقرأ ما كتبه الكاتب ثم يفهمه.
(٣) العدل بعد الفهم والقراءة : بعض القرّاء قد يقرأ المقال ـ وهذا جيد ـ ويفهمه ـ وهذا أجود ـ لكنه لا يستطيع أن يعدل لأن المقال أو الأفكار لا تتفق مع ما قد كان يراه مسبقا ..!!
فهو يحاكم حقائق المقال إلى المقياس خاص به وهذا مقياس قد يكون ظالماً أو غير منضبط ولا تحكمه المعايير فلذلك نجد القارئ ـ أحيانا ـ يظلم الكاتب ويتعمد تحريف أقواله وتفتيحها وبتر الاستدراكات والتوضيحات وربط أفكار الكاتب بامور لم تخطر له على بال ..!! فهذا من نشر أنواع الظلم وهو يفوق ـ في نظري ـ ظلم الذي يحكم ولا يفهم أو ظلم الذي يحكم قبل أن يقرأ.
إذاً فنحن بحاجة إلى تذكير أنفسنا بانه قبل النقد والاعتراض يجب أن نقرأ ثم نفهم ثم نعدل في الحكم. أما ما هو سائد من ظلم قبل القراءة وقبل الفهم
فهذا محرم شرعاً ومذموم عقلاً وفطرة.
ثم لا يستطيع أحد أن يجبر القارئ على حسن القراءة وحسن الفهم والعدل ولذلك يستطيع القارئ أن يعبث كما يشاء ويرسله للصحيفة أو ينشره في مجلس من المجالس ..!! ولعل من أخطاء القارئ التي يجب التنبيه عليها أنه يفهم أحيانا ( بفهم الآخرين ) ويقرأ ( بعيونهم ) ..!! ويسمع ( بآذانهم ) ..! وينطق ( بألسنتهم ) ..!! ويظلم ( بظلمهم ) ..!! فلذلك سيأثم ( باثامهم ) أيضاً ..!! لأنه ارتضى لنفسه المتابعة ولو على باطل لأن هذه المتابعة توفر له جواً ( اجتماعياً ) جيداً أو خدمة مؤقتة ..!! أو مجاملة ( وظيفية ) تفيده عند اللزوم ..!! وينسى هذا القارئ المسكين انه محاسب على عمله وأن غيره لا يستطيع تحمل الآثام عنه.
إذا فالقارىء مطالب باتخاذ الموقف عن قناعة ولن يستطيع اتخاذ هذا الموقف إلاّ بمعرفة ( الآلية الصحيحة ) التي توصله لهذا ( الموقف ) وقد سبق شرح أبرز جوانب هذه الالية وهي ( القراءة + الفهم + العدل ).
ولو طبق القرّاء هذه الالية بدقة لاتفقنا في كثير من الأمور التي يجب أن نتفق فيها ولأصبحنا من المجتمعات المثالية في ( فهم الحوار ) و ( فهم الاخرين ) هذا الفهم الذي لن ننهض بدونه لأنه ( أي الفهم ) مفتاح كل حسنة وعنوان كل إيجابية من إيجابيات العلم والفكر والمواقف أيضاً.
( رسالة المدخلي أيضا )
بعد هذا الايضاح الذي شجعنا عليه مقولة الفيلسوف التي سقناها في بداية المقال .. نعود للأخ عبد الباسط المدخلي وأحب أن أوضح أيضاً بان المدخلي صاحب الرسالة المنتقدة يبقى أخاً في الله لا أكن لشخصه الكريم إلاّ كل
خير ودعاء. أقول هذا لأن بعض الناس ـ بغير هذا التوضيح ـ قد يظن أن بيني وبين من أتحاور معهم عداوات شخصية ..!! كما أن بعض الاخوة لا يستوعب أنني أثني على أحد ثم أرد عليه ..!! فهم يربطون بين الرد والقدح في الأشخاص وهذا ربط يفعله العامة ويتابعهم عليه بعض الخاصة.
إذن فكوني أكن لأخي عبد الباسط المدخلي أو غيره التقدير لا يعني هذا ( تعطيل النقد الذاتي ) ولا يعني إقراره على ما ذهب إليه كما ان الأخ عبد الباسط أو غيره لا أطلب منه الموافقة مطلقاً على كل ما أقول فله الحق أن يرد ويبدي وجهة نظر مدعمة بالأدلة والبراهين. ولعل أخشى ما أخشاه على الأخ المدخلي التأثر بالوسط الذي هو فيه فكثير من الزملاء والأصدقاء يشجعون المنقود على الاصرار على الخطأ وتبرئة الساحة وارجاع الكيل كيلين ..!! فتضيع الحقائق وسط ركام الردود والمجادلات ، ويساعد في ضياع الحقائق ان أكثر القرّاء عندنا أو كثيرا منهم عندهم ضعف ظاهر ولا يستطيعون اتخاذ قرار ولا معرفة الصواب والخطأ فيقعون لقمة سائغة ( لآخر صيحة ..!! ).
أرجوا أن يفهم القرّاء أنني لم أعمم وانما قلت ( اكثر أو كثير ).
على أية حال : نحن نجد في تاريخنا الاسلامي أروع الأمثلة للرجوع إلى الحق رغم مخالفة الاتباع والرعاع وغوغاء المؤيدين فان لم يتنبه العاقل لهذا فسيجد نفسه متبنيا لموقف خاطىء لا يرتضيه لنفسه.
نحن نرفع شعار ( كل يؤخذ من قوله ويرد ) لكن عند التطبيق لا نأخذ الأقوال إلاّ ممن نحب ولا نرد أقوال إلاّ من نكره ..!! وهذا الحب والبغض ليس مبنياً على أساس صحيح من دين أو عقل وانما مبني على المصالح والآراء الجماهيرية ومجاراة السائد بما فيه من تقليد وركود وتلقين.
نعم إن النظريات الجملية موجودة لكن نظريات وقد حل مكانها نظريات أخرى جاهلة لها واقعها التطبيقي مثل من أنت ..!! غير ممكن ..!! ما ترك الأول وللآخر .. إلخ ). وكان لهذه النظريات الجاهلة أثرها المدمر على النظريات القرآنية والحديثية التي تنهى عن التقليد وتأمرنا بالتدبر والتفكر والتعقل والتفقه .. فأصبح التقليد علامة التسنن والاتباع وأصبح البحث الجاد علامة المخالفة والابتداع ..!!
وقد عانى كثير من نوابغ السلف الصالح من هذه النظريات المستحدثة وتستطيعون استعراض أئمة الإسلام الكبار الذين كان لهم أثرهم الطيب على العلم والمعرفة هل تجدون واحد منهم لم يتهم في نيته أو عقيدته أو دينه ..! هل تجدون أحداً منهم لم ينله الأذى من أفعال وألسنة العوام والمقلدين ..! كلكم تذكرون ماذا حدث لسعيد بن المسيب والشافعي وأحمد وأبي حنفية ومالك وابن تيمية وابن القيم والمزي وغيرهم .. هكذا تجد المحاولات ( الماكرة ) لإسكات العلم النافع الذي لا يدرك منفعته إلا أجيال من العصور التالية.
أيضاً هذه إيضاحات التي أقولها الآن دفعنا إليها كلمة الفيلسوف فلا تسأموا من التكرار فالكاتب أو المؤلف أو صاحب الرأي في أمس الحاجة إلى التوضيح ثم التوضيح ثم التوضيح.
( عودة إلى الرسالة ومصادرها )
رأينا في الحلقة الماضية ان الأخ المدخلي عقد أول فصول كتابه بعنوان ( القعقاع بن عمرو ومكانته في بني تميم ) ثم تكلم عن نسب القعقاع ونشأته وأحال في هذا الفصل على أحد عشر مصدراً كلها نقلت من سيف بن عمر ..!
وسبق أن قلنا إنه في هذا الفصل لم يثبت وجود القعقاع فضلا عن نسبه ونشاته ومكانته .. إلخ.
والغريب أن الأخ المدخلي لم يذكر ( سيفا ) في المصادر البتة ..! وهذا ـ كما قلت سابقاً ـ يظهر أنه هدف أساسي من أهداف الأخ المدخلي حتى لا يتهم بانه اعتمد على مصدر واحد غير موثوق ..!!
( مصادر المدخلي ١١٦ مصدرا ..!! )
وأغرب من هذا كله ان مدخلي في رسالته قد أحال على مائة وستة عشر مصدراً ومرجعاً ..!! سردها في نهاية الرسالة في ثلاث وعشرين صفحة ..!! كلها نقلت أخبار القعقاع من سيف بن عمر وليس هناك مصدر من تلك المصادر ذكرت القعقاع استقلالا ..!! فو أراحنا المدخلي وأراح نفسه بذكر مصدر واحد فقط وهو سيف لكان أفضل وأصدق وأقل تكلفة وجهدا من كتابة ذلك ( الثبت ) الطويل الذي بدأ بالقرآن الكريم وانتهى بمحمد عمارة ..!! والغريب ان المدخلي لم يذكر ( سيف بن عمر ) في هذه المصادر والمراجع البتة ..!! وهذا فيه استغفال للقراء والمناقشين يصلح لأن يسجل نادرة من نوادر الرسائل الجامعية في هذا العصر.
كل هذه المصادر ـ سوى القرآن الكريم ـ نقلت أخبار القعقاع عن سيف بن عمر الكذاب .. الذي يعترف المدخلي بانه ( متروك الرواية ) لكن ( لم يترك ) رواياته ..!!
أما عن سبب ورود القرآن الكريم هنا فقد ذكره المدخلي لأنه زعم ـ تبعاً لسيف ـ ان القعقاع صحابي ..!! ثم جاء وصب آيات الثناء على الصحابة على