د. حسن بن فهد الهويمل
المالكي والتاريخ
صحيفة الرياض ـ ٤ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
كنت منهمكاً في تصحيح طبعة محاضرتي عن « وعي الأنا ووعي الآخر طريق الفاعلية » في مكتبي بنادي القصيم الأدبي فإذا بي أفاجأ بشاب يقدم نفسه أخوك حسن فرحان المالكي وسعدت برؤيته بين يدي دون سابق وعد. وتلك كانت أول مرة أراه فيها وجهاً لوجه ، وما كنت أحسب هذا الكاتب المثير إلى حد الإزعاج بهذا السن ، وتذكرت نرجسية ابن أبي ربيعة : ( أهذا المغيري الذي كان يذكر ) ونبذت ما في يدي ، وأقبلت على الشاب ، أجادله في بعض ما
يشغلني حول اطروحاته ، وأثير معه بعض القضايا ، واستعرض أطراف المحاذير حول تناولاته التي شغلت البعض.
ولما لم يكن اللقاء المتاح كافياً لاستكمال الحوار ، رتبنا لقاء آخر ، مساء اليوم نفسه ، وفيه كانت مطارحات شيقة ، ومفيدة ، وتساؤلات كثيرة ، أكدت لي أن المالكي تنحصر رسالته في فترة تاريخية وإزاء قضية أو قضايا متجانسة. ولكن ـ وبسبب حداثة السن ـ تنقصه أشياء ، ما كنت سعيداً بفقدها عند من يشتغل في مناطق حساسة ، فأنا حريص على أن يستكمل مثلها مثله.
وإذا كنت أختلف معه في بعض ما يذهب اليه ، أتمنى أن تكون تناولاته مثيرة ، وحافزة لأخواننا ، وزملائنا في أقسام التاريخ في جامعاتنا التي تتوفر فيها مثل هذه الأقسام ، ليعيدوا النظر في أمور كثيرة ثم ليخوضوا مع الرجل ، ومع غيره ، معترك الجدل حول القضايا التي اختار لنفسه الخوض فيها ، وألح في طرحها ، وخرج فيها على السائد ، وعلى النمط فإما أن يقلموا أظفاره ، ويضعوه في حجمه الطبيعي ، وإما أن يتشايلوا معه المهمة وليس من اللائق أن يصول ، ويجول وحده في تلك الفجاج ، إذ من واجب المتخصصين ايقاف هدمياته ، لا حقاق الحق ، والدخول في واحد من ثلاثة مستويات فإما أن يكونوا معه وأما أن يكونوا ضده في كل ما ذهب اليه وإما ان يكونوا وسطاً يقبلون الحق ويردون ماسواه إن كان يخلط وأما ان يتوقفوا فيما لا يعرفون وجه الحق فيه وهو قليل. وإذا كان الرجل الذي يكتب من خلال آليات التخصصية اين هم من هذا الطرح المثير الذي سيكون له اثر في الموقف من التاريخ الإسلامي ، أين هم من قبل أن ياتي ومن بعد ما جاء اقول ابتداء : ان اندهاشي من مغامراته الجرئية
لا يعني موافقتي ، ولا مخالفتي له على الاطلاق ، ولا يعني ارتياحي من بعض تناولاته ، كما لا يعني رغبتي في احترام التاريخ ، وعدم المساس به ومع كل هذه التحفظات أجد بعض الرغبة في التناولات المثيرة ، والمحركة للركود ، فالساحة الفكرية ، والثقافية بحاجة إلى تحريك ما ينتابها من الركود. واختلافي معه وترددي في قبول كل رؤاه لا يضيره بشيء ، ان كان ما يطرحه ، ويثيره عن علم ، وحسن نية. فالبشر عرضة للخطأ ، وعرضة للجهل ، وإذا كان التاريخ الاسلامي مظنة للمساءلة ، والمحاكمة ، والإقرار ، والنفي فان له حرمته ، ومكانته في نفوس المسلمين ، ولا يليق المساس به إلاّ بقدر ما يخدم النص والحدث من اسقاط ، أو تصحيح ، أو تأييد ، او دفاع ، ووفق منهج ، وآليات معتبرة ، وفي ظل نتائج لا تؤدي إلى سحب الثقة به كتراث نعتز به والتاريخ الإسلامي يرتبط قوة وضعفا بالمؤرخ وبمنهجه ، ومصادره ، فالبعض يتسع للأساطير ، واللامعقول ، وآخرون يرونه للمتعة والتسلية ، وطائفة منهم يرونه للاعتبار ، وقليل منهم من يمحص الروايات ويحاكم الأخبار ، ولا يدون إلاّ ما وافق العقل والواقع وأيدته الرواية المستفيضة ولا يعول على كل المصادر. وفي ظل الفعل ، ورد الفعل ، لم أجد الحوار الموضوعي الذي يدع شخص الكاتب جانبا ، ويمسك بكلامه موضوعاً ، حتى يتبين الحق ، ومن ثم يحكم القرّاء على الكاتب كل الذي اقرؤه ـ مع الأسف ـ تلاسن واتهام ، والقضايا مازالت بعيدة عن الحوار.
والمالكي الذي طبق منهج المحدثين على الرواية التاريخية تأسياً بسلف صالح ، وطالح ، سيجد نفسه يوما « ما » أمام ركام مخيف من المبالغات ، والأكاذيب ، قد يخدم بعضها التاريخ نفسه. ولكن التسرع في اصدار الأحكام على ضوء تلك الآليات سيؤثر في النهاية على المسلمات. ومنهج المحدثين واحد
من المناهج التي طبقت في قراءة التاريخ ، كمنهج الشك مثلاً عند أسد رستم الذي يرى ان شك المؤرخ رائع حكمته ، وهو يذهب اليه انجلو وسينويوس من أن نقطة الابتداء للباحث هي ( الشك المنهجي ) بحيث يرتاب المؤرخ في كل الأقوال ، وهو ما يذهب اليه أيضاً حسن عثمان ، وقد علل عبد الرحمن بدوي أسباب الكذب في التاريخ من خلال رؤية عقلية أو حدسية ، وفقاعة المالكي واحتدام مشاعره في سياق الفعل الكتابي أدى اليه دأبه ، وتقصيه للقضايا القابلة للتداول وغير القابلة ، وهو ما لا نجده عند كثير من لداته ، وشيء آخر أرجو أن يتقبله المؤرخون المعاصرون ، وهو تخوفهم وترددهم ، وضعف آلياتهم ونميطتهم في تناول الأشياء والأحداث ، وقلة بضاعة البعض منهم ولو أن أحداً منهم كشف عن ساقه ودعى بقلمه ومحبرته ونازل الرجل من خلال علمية متفوقة ومنهجية منضبطة ، لكان بالامكان حفظ التوازن بين داخل بآليات صارمة ، ومدافع من خلال آليات متسامحة.
وأنا أتحفظ على جرأة المالكي ، ومحدودية تناوله والتي يأتي في ذروتها « البيعة » و « ابن سبأ » و « سيف بن عمر » وأتمنى لو أنه حد من اندفاعه ، وخفف من حدته ، وعدل من أحكامه ، وبحث في قضايا غير مطروقة ، وغير مثيرة للتساؤل والشك ، ثم ـ بعد تناوله ـ أرجأ اصدار الأحكام ، وترفع عن التحدي ، وطلب المبارزة ، فالأمر ليس من السهولة بحيث تتلاحق فيه الأحكام بهذه الحدة ، وبتلك الجرأة. ولنأخذ على سبيل المثال موقفه من ظاهرة « عبد الله بن سبأ » بعد اتفاقنا معه فيما يتعلق بالبيعة لعلي ، وضعف ابن عمر في الحديث وهشاشة بعض الرسائل العلمية في منهجها ، ومادتها ، ونتائجها.
لقد تساوق مع غيره من مذهبيين ومستشرقين ، وعقلانيين ، في انكار
ومن قبل ومن بعد أخذت الأقلام المشبوهة تتجه صوب التاريخ الاسلامي ، وتراثه ، تنقب عن هفواته ، وتنفخ في هناته لأغراض دنيئة ، هذه القنافذ الهداجة حفزتني على الاهتمام بالتاريخ ، وبما يدور حوله من دراسات باقلام عربية وغربية منصفة او متحاملة مربية او مستريبة في هذه الأجواء الملوثة ، والمشبوهة استكملت الدراسات حول تفسير التاريخ كالتفسير الاشتراكي كما يصفه انجلز مردريك ، ومناهجه عند الغرب وعند العرب كما يجليه الدوري وعبد الغني حسين وعثمان حسن وأسد رستم وشوقي الجمل ، وحسين نصار ومن ثم عرفت شيئا عن مدارسه وخصائصها وصلة التاريخ بالعلوم الأخرى ومصادره المشروعة وغير المشروعة ، والموثوقة وغير الموثوقة ومستويات نقد التاريخ لقد سعدت حين عدت إلى مكتبتي فوجدت فيها العشرات من هذه الأنواع.
وزاد اهتمامي بالتاريخ الإسلامي بعد أن أوغل فيه العلمانيون ، والحداثيون ، وقرؤوا بعض الأحداث واتخذوها سلما للطعن في التجربة الاسلامية في الحكم. ومازلت أنحي باللائمة على اخواننا المؤرخين ، الأكاديميين ، الذين يمرون بهذه الأشياء وكأنها لا تعنيهم وانحي باللائمة ـ أيضاً ـ على أقسامنا العلمية المتخصصة ، التي لم تتخلص من نمطيتها ، وأسلوب تناولها المعتق وأتحسر على ضحالة الأكثرية منهم ، وارتجالهم الأشياء ، أو التسطح عليها واعجب كل العجب من ضعف التقي وجلد المنافق.
ومما زاد استيائي وصعد من حرصي على قراءة التاريخ الإسلامي ما تتابع من مناهج غربية تسابق المؤرخون على تطبيقها في دراسة التاريخ الاسلامي وتعمد البعض محاكمة الإسلام فيما كتبه بعض الاسلاميين كفعل المستشرقين مع
الاسرائيليات في التفسير ، ومحاكمة الإسلام فيما يفعله الاسلاميون كالذي كتبه العلماني الهالك فرج فودة في كتابه ( الحقيقة الغائبة ) وما تلفظه المطابع ، ودور النشر المشبوهة والمرتزقة من كتب تسيء إلى رموز الإسلام ، ومقدساته ، ولا تعف عن النيل من شخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه الكرام ، وأحداث التاريخ. ومن قبل هذا قرأت باستياء روايات جرجي زيدان التي وظف فيها آليات فرويد الجنسية وكتابات الدكتور طه حسين عن « الفتنة الكبرى » و « المعذبون في الأرض » ، و « الأدب الجاهلي » ومن بعد أولئك جمع غفير من الماركسيين القذرين الذين لم يتورعوا عن النيل من الرسول ومن المجتمع المدني وعندي من ذلك ما يغثي النفوس.
ثم ما نراه ونسمعه من كتابات المتطرفين في فكرهم كال ( العروى ) وغيره ، ممن حكموا العقل المطلق ، أو حكموا المناهج الغربية في قراءة التاريخ ومع انني لا أتردد في ادانة كثير من المؤرخين ، ومع انني ـ أيضاً ـ أو من إيمانا لا يزعزعه الشك ، ان تاريخنا بحاجة إلى غربلة ، ومساءلة ، وتصفية ، وتنقية ، إلاّ ان هذا لا يجعلني اتفق مع المفكرين ، والعقلانيين ، والماديين ، في قراءة التاريخ على هذه الشاكلة ، ولمثل هذه الأهداف الدنيئة. ويقال مثل ذلك عن التفسير المليء بالإسرائيليات ، مما فتح ثنيات على فكر الأمة ، وتراثها. ثم يجب أن نعرف أن مدار الأعمال على النية وعلى العلم واستكمال آليات البحث ، فمن آخذ التاريخ ، ولام المؤرخين وآخذ المفسرين لغرض شريف ومقصد سليم ، وبعد أهلية الاجتهاد لا يرمى في مؤاخذته إلى تقرير نتائج مناهضة للإسلام ، فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم واستعملهم في خدمته ، وطاعته ومن مارس الفعل نفسه وله نوايا دنيئة ، ومقاصد سيئة ، ثم هو دون القدرة المطلوبة لمثل هذا
العمل فاولئك مع الذين لا يستطيعون توصية ولا إلى اهلهم يرجعون.
والمالكي واحد ممن نتحفظ على بعض قراءاته.
ولا أشك انه يمثل عنصر الاثارة لزملائنا في الأقسام التاريخية فهل هم معه ، أو ضده ولماذا هذا الصمت الطويل هل ما يقوله لا يستحق الرد ، والمساءلة ، ام أنهم يرون أنفسهم أكبر من الرجل ، ومن المجال الصحفي الذي يشتغل من خلاله. وامنيتي أن يمد المالكي عينه لا إرادة لزينة الحياة الدنيا ، ولكن اتقاء كالذئب الذي ينام بإحدى مقلتيه ، ويتقي باخرى الأعادي ، يمدها ليقرأ لأولئك الذين أسالوا دم التاريخ من عقلانيين ، وعلمانيين ، ومستشرقين ، ثم ينازلهم ، إن كان ثمة فضلة من جهد وعلم. إذا كلما رأيتهم يخبون ، ويضعون في تراثنا ، دون منازع ، تذكرت قول الشاعر :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبان
ان كتابات المالكي الفاقعة اللون ، تهز المسلمات ، وتحفز القارئ إلى إعادة النظر في مصداقية التاريخ ، وليست بأقل إثارة مما يكتبه الآخرون. فمتى يهب الأخوة في الجامعات ، لاعادة الثقة بهم ، وبالتاريخ المستباح ، لإيقاف هذه الهدميات التي تمارس بين الحين والآخر من مغرضين حادقين أليس فيهم رجل علم واثق ، ينازل باقتدار ، ويسائل بحكمة ، ويوقف هذه الجرأة التي نحترمها عند البعض ، وقد لا نتفق مع طائفة من مفرداتها.
ومن المؤكد ان ( التاريخ الإسلامي ) الذي أرى أن يسمى ( تاريخ المسلمين ) يهتم بأحداث السلاطين ، ولا يتسع للفكر ، ورجلاته ، والعلم واساطينه ، كما يمتلىء بالمبالغات ، والخرافات والأساطير ، واللا معقول ،
واللا لائق وسبق ان قيل : ( لا يكتب التاريخ إلا المنتصر ). ومع شديد الاستياء ، فالتاريخ في مفهومنا لا يمتد إلى تراجم الرجال من علماء ، وفلاسفة ، ومفكرين ، وإلى منجزهم ، بل يقف حيث تكون الأحداث السياسية ، والعسكرية ، وأخبار السلاطين. هذا التاريخ بآلياته ، ومرجعياته واهتمامته ، ومناهجه ، بحاجة إلى أقلام مخلصة واعية ، تمسه بلطف ، وتنقيه باقتدار ، لكي توقف طوفان التساؤلات المحرجة.
لقد كانت الضربات الموجعة للتاريخ ، تأتي من علماء الملل والنحل الاسلامية ، التي تعمدت إنكار بعض الأحداث ، وبعض الشخصيات المؤثرة ، كبعض الصحابة ، والتابعين المشبوهين وتأتي هذه الإثارات من المستشرقين الذين دخلوا على التاريخ الاسلامي بآليات غير ملائمة ونوايا مشبوهة ، ووجدوا فيه ما يريدون. وكنت أود لو عمد علماؤنا ومفكرونا ونفوا من التاريخ ما لا يتسع له نص ولا يحتمله عقل ولا تقبله أوضاع ، فنحن أحق بالمعالجة منهم ، وهذه مسؤوليتنا. وإذا يكون ابن سبأ محور كتابات المالكي فإن ممن كتب عن شخصية ابن سبأ في سياق إنكار هذه الشخصية مرتضى العسكري في عملين هامين ومشبوهين في آن هما :
( عبدالله بن سبأ بحث وتحقيق فيما كتبه المؤرخون والمستشرقون عن ابن سبأ ) المطبعة العلمية في النجف ١٣٧٥ ه ـ ١٩٥٦ م ) وعبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ) دار الغدير بيروت طهران ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م.
والجدل حول ابن سبأ يأخذ ثلاثة مستويات ـ المستوى السائد عند المؤرخين الإسلاميين. وهو ثبوت وجوده ، وثبوت دوره في الفتنة ، بكل حجمها المبالغ فيه.