فلمَّا رأتْ دارَ الأمير تخاوَصتْ ... فقلت لها قد هبْت من متَهيًّبِ
تخاوصت بعينيها
صياحَ فَراريج العقول وحاجباً ... وصوْتَ المنادي بالصلاة المثوِّبِ
العقور: الحصون والقصور. ويروى: بالأذان المثوب.
وترْجيعَ أصواتِ الخصوم تردُّها ... بيوت فضاءٍ في طمارٍ مبوَّبِ
الطمار: المكان المرتفع. ومبوب أي له باب.
يظلُّ لأعلاها دَوِيٌّ كأنه ... ترنُّمُ قاري بيْتِ نحْلٍ منوِّب
القاري: ذكر النحل الذي يجمعها، والمنوب: المسود، أي يسود هذا النحل بما يعمل موضعه ومنه سمي النوبي لسواده، وأنشد: في بيت نوب عوامل. ويروى نحل مجوب.
وأنشدني محمد بن أحمد، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى لليلى أيضاً:
أنيختْ لدى بابِ ابنِ مروانَ ناقتي ... ثلاثاً لها عنْدَ الرتاجِ صريفُ
يطيف بها فتيانه كلَّ ليلةٍ ... بنيْرَيْنِ مئران الجبال وريف
الرتاج: الغلق، ومنه أرتج على القارئ. ومئران من النشاط. النيران: شحم العام الأول وشحم عامها هذا، ويقال: ناقة ذات نيرين: أي شحم عامي وشحم حولي.
أخبار ليلى مجموعة
حدثني أحمد بن محمد الجوهري، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدثنا محمد بن زياد البكراوني، قال: سمعت العتبي يقول: دخلت ليلى الأخيلية على عبيد الله بن أبي بكرة.
قال محمد: وسمعت ابن عائشة يقول: دخلت امرأة من هوزان على عبيد الله بن أبي بكرة فقلت له: هي الأخيلية. فقال: لعلها. فقالت أصلح الله الأمير، أتيتك من بلاد شاسعة ترفعني رافعة وتهضبني هاضبة، لملمات من البلايا برين عظمي ونكهن جسمي، وتركنني أمشي بالحريض قد ضاق بي البلد العريض بعد عدة من الولد وكثرة من العدد، أفنين عددي وأوعزن تلدي، فلم يتركن لي سبداً ولم يبقين لي لبداً، فسألت في أحياء العرب من المرتجى سيبه والمأمون غيبه والمحمود نائله فدللت عليك - أصلحك الله - وأنا امرأة من هوازن هلك الوالد، وغاب الفاقد، فاصنع بي إحدى ثلاث.
قال: وما هن؟ قالت: تحسن صفدي أو تقيم أودي أو تردني إلى بلدي، فقال: بل نجمعهن لك. فجمع لها الخلال الثلاث. قال أحدهما: ثم أوصى لها بعد مؤته بمثل ميراث أحد بناته.
حدثني أبو عبد الله الحكيمي، قال: حدثنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال: قالت ليلى الأخيلية لبني عبادة قومها، وسئلت عنهم، فقالت: شر كالتراب وخير كالصؤاب.
أنشدني محمد بن أحمد الكاتب، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لليلى:
شُمُّ العَرانينِ أسْماطٌ نِعالهم ... بِيض السرابيلِ لم يعْلقْ بها الغَمَرُ
نعل سمط: إذا كان طاقاً واحداً ليست مطارقة.
أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي، وقال: هو لليلى الأخيلية:
ألا ليت شعْري والخطوب كثيرةٌ ... متى رحْل قيس مستقِلٌّ فراجع
بنفسيَ من لا يسْتقِل برحْلهِ ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائعُ
حدثني عبد الله بن يحيى العسكري قال: روى أبو عمرو الشيباني لليلى تمدح أبي بكر بن كلاب بن ربيعة:
إن كنْتَ تبغي أبا بكرٍ فإنَّهم ... بكلّ ساحةِ قوْم منهم أثَرُ
نعمي وبؤسي بآفاق البلاد فما ... ينال أعداؤهم منهم، ولا قدروا
والعالمون إذا ما الأمر ضافهمُ ... أنَّى يحاوَلُ منه الوِرْد والصدَرُ
واخترت آل أبي بكْرٍ لحاجتنا ... وكان فيهم لمن يختارهم خيَر
وما اتهمت بني جَزْءٍ بظنَّتهِ ... وما أساؤوا وما ضاعَ الذي حضروا
بظنته: أي بظنه أبي جزء، وبنو جزء آل عبد العزيز بن زرارة وهم من بني بكر بن كلاب.
قال: وروى أبو عمرو أيضاً لها تفخر:
نحن منعْنا بين أسْفَل ناعت ... إلى وارداتٍ بالخميس العرمرم
بحيّ إذا قيل أظعنوا قد أتِيتُم ... أقاموا على هَوْلِ الجنانِ المُرَجَّمِ
تحمَّل أولاهم من الدار غدوةً ... وتمسي بها أخراهم لم تَصَرَّمِ
أخبار ليلى مع الحجَّاج
بن يوسف وذلك في آخر عمرها
حدثني أبو عبد الله الحكيمي. قال: حدثني يحيى بن يموت بن المزرع قال: حدثنا رفيع بن سلمة. قال: حدثني أبو عبيدة، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فأنشدته:
فنعم فتى الدنيا لئنْ كانَ فاجراً ... وفوق الفتى إن كان ليسَ بفاجرِ
فتىً هو أحيا من فتاةٍ حييّة ... وأشجعُ من ليْثٍ بخفانَ خادرِ
فتىً فيه فتيانيَّةٌ أريحيَّةٌ ... بقيَّة أعرابيَّةٍ من مُهاجر
فقال فتى من جلساء الحجاج: والله أيها الأمير ما كان في توبة عشير ما تقول ليلى.
فقالت ليلى: والله أيها الأمير لو رأى ذلك توبة لتمنى أن لا تبقى في داره بكر إلا حملت منه.
وأخبرني عبد الله بن يحيى قال: حدثني محمد بن جعفر، قال: حدثنا ابن أبي سعد، قال: حدثني أبي الحسن الموصلي عن سلمه بن أيوب بن مسلمة الهمذاني فقال: كان جدي عند الحجاج فذكر أن امرأة قد دخلت عليه فسلمت فرد عليها، وقال: من أنت؟ قالت: أنا ليلى. قال: صاحبة توبة بن حمير؟ قالت: نعم. قال: فماذا قلت فيه لله أبوك؟ قالت: قلت:
فإنْ تكنِ القتلى بواءً فإنَّكم ... فتىً ما قتلتُم آل عوفِ بن عامرِ
وذكر منها أبياتاً فقال لها أسماء بن خارجة الفزاري: أيتها المرأة إنك لتصغين لهذا الرجل بشيء ما تعرفه به العرب. قال: فقالت: أيها الرجل: هل رأيت توبة؟ قال: لا. قالت: أصلح الله الأمير، فوالله لو رأى توبة فود أن كل عاتق في بيته حامل من توبة. قال: فكأنما فقئ في وجه أسماء حب الرمان. فقال له الحجاج: وما كان لك ولها.
حدثني محمد بن أحمد الكاتب، قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوي عن عبد الله بن أحمد المكي عن عبد الله بن مشهور، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقال لها: أنشديني ما قلت في توبة فأنشدته:
كأنّ فتى الفتيان توبةَ لم ينخْ ... قلائِصَ يفْحصْنَ الحصى بالكراكرِ
ولمْ يبْنِ أبراداً رقاقاً لفتيةٍ ... كرامٍ ويرحلْ قبْلَ فيءِ الهواجرِ
فقال لها الحجاج: هل كان بينك وبينه سوء؟ قالت لا والله إلا أنه أرسل رسولاً