ثم قال أريد أن أزيد على هذا فقال:
وَغَزَالٍ إذا تَمَنَّيْتُ يَوْماً ... فَهْوَ لا غَيْرُهُ الذَّيِ أَتَمَنَّى
يَتَجَنَّى فَإِن نَطَقْتُ بِعُذْرِي ... رَدَّهُ ظالمِاً لَهُ وَتَظَنَّي
أَيُّها الَّلاْئُمِ الْعُيُونَ إذا ... أَبْصَرتْ مِنْ وَجْهِهِ جَمَالاً وَحُسْنا
أَخْرِجِ السِّحْرَ مِنْ جُفونِكَ عَنَّا ... ثُمَّ إِنْ لَمْ نَدَعْكَ نَحْنُ فَدَعْنا
حدثنا عبد الله بن المعتز قال حدثني جيران هارون بن المعتصم أن الهدادي غلب على أشعار له وانتحلها، لأن شعره مما لم يدر بين الناس. وأنشدني عبد الله بن المعتز بعقب هذا الحديث له:
زَاَرِني طَيْفُهُ هُبوبَ المُناِدى ... فَتَناجَى فُؤاُدُه وَفُؤاِدي
قَالَ شَخْصِيِ لِشَخْصِهِ سَيِّدِي زُرْ ... تَ كَأَنَّا كُنَّا عَلىَ مِيعاِد
وقال:
وَشادِنٍ أنْ قِسْتُ بَدْرَ الدُّجَى ... بِوَجْهِهِ كُنْتُ مُبينَ المُحالِ
تَحْسُدُهُ شَمْسُ الضُّحَى وَجْهَهُ ... والْغُصُنُ الْغَضُّ عَلىَ اْلإعْتِدالِ
وَصاحِبُ النُّقْصان ِمْن شَأْنِهِ ... أَنْ يَحْسُدَ الْكامِلَ فَضْلَ الْكَمِال
وقد سمعت بعض الطنبوريين يتغنى في هذه الأبيات
ومما أنشده له ابن المعتز بيت واحد؛ ولم أسمع له منه غيره:
سَيِّدِي أَنْتَ أَحْسَنُ الَبرِيَّةِ وَجْهاً ... فَلْتَكُنْ أَحْسَنَ الْعِبِاد فَعالاَ
وكان عبد الله بن المعتز يزعم أن شعر هذا كثير، ولكنه كان لا يظهره، ووجدت من شعره:
وَغَزالٍ أَعطاهُ مَليكُ الْقُلُوبِ ... لَحْظَ عَيْنٍ تُحِلُّ كَسْبَ الذُّنوبِ
أَنا مِنْهُ مُرَوَّعٌ كُلَّ يَوْمٍ ... بِوعِيدٍ أَوْ هَجْرَةٍ أَوْ مَغِيبِ
يا دَواِئي إذا تَطاوَلَ دائِي ... وَطَبِيِبي إذا فَقَدْتُ طَبيِبِي
أَنْتَ أَجْرَيْتَ دَمْعَ عَيْنِيَ بِالْ ... هَجْرِ وَعَلَّمْتَنِي لِحاظَ المُرِيِبِ
أبُو عيسى مُحَمَّدُ بْنُ المُتَوَكِّل
كان عيسى من أفضل أولاد المتوكل نفساً وعلماً وعقلاً وديانة، وكان له درس معروف من القرآن في كل يوم وليلة، لا يخليه ولا يشتغل عنه، وكان يعني بصلاة القيام، حتى يقال إنها ما فاتته قط.
حدثنا إبراهيم بن عبيد الله قال لما أوقع بالمهتدي وجعل في دار سمع ضجة الناس وتكاثرهم، فقال ما هذا؟ قالوا بايع الناس أحمد بن المتوكل. قال ابن فتيان؟ قالوا نعم، قال ويل لهم فهلا أبا عيسى، فإنه كان أقوم بحق الله. وكان أبو عيسى قد سمع حديثاً كثيراً، وعرف شيئاً من الفقه، وكان يلزمه جماعة من العلماء لا يفارقونه، وله شعر قليل أكثره في الزهد.
أنشدني محمد بن يحيى لأبي عيسى:
فارَقْتُ أُلاَّفِي وَخِلاَّني ... أَبكاُهُم الدَّهْرُ وَأَبْكاِني
لَمْ يُضِعِ الدَّهْرُ لَهُمْ وَاحِداً ... إلاَّ وَلِي مِنْ ذَاكُمُ إثْناِن
حدثنا أحمد بن يزيد قال لما عزم المعتمد على الخروج إلى الشام والموفق إذ ذاك يحارب الخائن بالبصرة، والدنيا مضطربة، أشار عليه أبو عيسى أخوه ألا يفعل، وحرص به، فأبى عليه، فقال أبو عيسى وعمل لحناً فيه:
أَقُولُ لَهُ عِنْدَ تَوْداعِهِ ... وَكُلٌّ لِعَبْرَتِهِ مُبْلسُ
لَئِنْ قَعَدَتْ عَنْكَ أَجْسادُنا ... لَقَدْ رَحَلَتْ مَعَكَ اْلأَنْفُسُ
ومن شعره:
إلَى اللهِ أَشْكُو ما أَرىِ منْ زَماِننا ... وَكَثْرَةَ ما فِيِه مِنْ الَجْورِ وَالظلُّمْ
وَأَنَّ الَمواِلى قَدْ عَلاهُمْ عَبِيدُهُمْكَما قَدْ تَعالَى الجَهْلُ فِيهِمْ علَىَ الْعِلْمِ
حدثني محمد بن يحيى بن أي عباد قال كان أبو عيسى بن المتوكل يؤثرني ويقدمني، وكنت أحب الاتصال به لفضله ودينه. وكان ربما قال الشعر كالمتفرج لقوله.
وكان قد كتب الحديث وحفظ العلم، وكانت تأتيه من المعتضد بالله فرائض، فكتب إلى كتاباً يقول فيه وقد اتهم بعض جلساء بالسعاية به، ممن كانت لأبي عيسى عنده أياد واصطناع وأنا
وهو كما قال أبو الذوائب مولى بني قيس.
إذا ما وَضَعْتَ العُرْفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِرُزِئْتَ وَلَمْ تْحُمَدْ وَلَمْ تَتَّخِذْ يَدا
وأنشدني محمد بن يحيى لأبي عيسى بن المتوكل:
أُنْظُرْ إلَى الدَّهْرِ فِي تَصْريِف حالَتِهِ ... فَإنَّهُ ما وَفَي غَدْراً لإِنْسانِ
فَلا تُمايِلْهُ مُغْتَرّاً بِطاعَتِهِ ... فَسَوْفَ يُعْقِبُها مِنْهُ بِعِصْيانِ
وَلاَ يَغُرَّنْكَ سُلْطانٌ ظَفِرْتَ بِهِ ... نُسِبْتَ فِيِه إلىَ ظُلْمٍ وَعُدْوانِ
وَجازِ إحْسانَ مَنْ أَوْلاكَ عارِفَةً ... بِاُّلْشكِر عَمَّا أَتَى مِنْهُ وَإحْسانِ
قال لي محمد بن يحيى: وأظنه كان يعرض بالموفق في هذا القول وشبهه، ويحضه على ابن المعتمد وتوفيته حقه ومن شعره:
أُذْكُرْ اللهَ بالَّلساِن وَباْلقَل ... بِ عَلى شِدةٍ وَعنْدَ الرَّخاءِ
وَاعْتَمِدْ شُكْرَهُ عَلىَ كَلُ ِّحالٍ ... لاَ تَكُونَنَّ كافِرَ النَّعْماءِ
حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي قال حدثني من سمع أبا عيسى يقول وقد أمر بالركوب ليحدر من سر من رأى:
سَيكُونُ الذَّيِ قُضِى ... سَخِطَ الْعَبْدُ أَمْ رَضِى
لَيْسَ هَذاَ بِدَائمٍ ... كُلُّ هَذا سَيَنْقَضِى
وهذان البيتان لابن العتاهية من أبيات
بسم الله الرحمن الرحيم
أبُو العَبَّاس عَبْدُ الله بْنُ الُمْعَتزِّ بالله
شاعر مفلق محسن حسن الطبع، واسع الفكر كثير الحفظ والعلم يحسن في النظم والنثر، من شعراء بني هاشم المتقدمين وعلمائهم، ومن نشأ في الرواية والسماعة، يكثر في مجلسه من حدثنا وأخبرنا سمع من صعود صاحب الفراء، وأخذ عنه اللغة والغريب، وعن أعراب فصحاء كانوا يقدمون سر من رأى، وسمع عن أحمد بن أبي فنن، وعن الحسن بن عليل العنزي. وما رأيت عباسياً قط أجمع منه ولا أقرب لساناً كان من قلب، وكان يقدم أهل العلم ويؤثرهم وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرد يجيئه كثيراً ويقيم عنده، وكان ذلك سائغاً لمحمد بن يزيد لكثرة مجيئه إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، وقرب القاضي من منزل ابن المعتز.
وكان قد لقي أبا العباس أحمد بن يحيى مرات، وكان يبعث إليه فيسأله عن الشيء بعد الشيء.
وكان أحمد بن السعيد الدمشقي مؤدبه لا يفارقه، وكانت داره مغاثاً لأهل الأدب، وكان يجالسه منهم جماعة. وكان رأيه مخالفاً لرأي العامة إلا أنه كان يسلم عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذكر له أحد منهم إلا عدد فضائله وناضل عنه ونصره، إلا أنه كان
يقدم بني هاشم ويفضلهم، وما سمعته في حال من الأحوال ينقص أحداً ولا عرض بذلك ولا أومأ إليه. ثم حدث له في آخر أيامه شعر فيه مفاخرة لأهله وبني عمه الطالبيين، وكان يرى أنهم يناقضونه الشعر فكان قوله يمضي على ذلك، وتمر له أبيات يتأول فيها شيئاً فيتأول أعداؤه غير ذلك، ويحتمل الشعر المعنيين. حتى اجتمع إليه جماعة من الطالبيين منهم أبو الحسين محمد بن الحسن المعروف بابن البصري وكان يجالسه على قديم الأيام. ومنهم القاسم بن إسماعيل فحلفوا له أنه ما يقول هذه الأشعار أحد منهم، فتندم على ما كان من قوله على أني وجدت عنه أشعاراً يتكذب فيها على العباس رضي الله عنه وعلى أفاضل ولده وعلى الخلفاء رحمة الله عليهم أكثرها لم يظهر.
وكان يقول من عذيري من الناس تأتيني مثل هذه الأشعار فأجيب بتعريض عن مائة كلمة قد صرح بها كلمة، فأنسب إلى ما أنسب إليه. ثم عمل أشعاراً يعتذر فيها ويمدح أمير المؤمنين علياً وولده عليهم السلام، وأعطى الله عهداً ليقولن باقي عمره في هذا الفن.
ولو كان عندي ما يظنه قوم من أعدائه وينسبونه إلى أنه كان يعتقده ولم يظهر منه ندم منه وتوبة على ما كان يتأول عليه فيه، لما استجزت أن تجري له ذكر فضيلة على لساني أبدا وليس بمسلم عندي ولا عاقل ولا ذي مروءة من علم أن
رجلاً فارق الدنيا وفيه ميل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أو أحد من ولده ثم أعتقد وداً له أو ميلاً إليه أو ثناء عليه.
وليس بمسلم ولا عاقل عندي من علم هذا من أب فانتسب إليه أو من ابن فأقر به. وأنا مبتديء بما هو أجدى على ابن المعتز من فضيلة الشعر بالشواهد على بطلان ما اعتقده قوم فيه أو أنه فارق الدنيا وهو عليه إن شاء الله.
حدثني أبو القاسم الحسن بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن الحسين ابن زيد بن بنت علي بن محمد الحماني قال حدثني أبو الحسين محمد بن الحسن العلوي المعروف بابن البصري قال كنت أجالس عبد الله ابن المعتز وكان يحلف لي بالله لئن ملك من هذا الأمر شيئاً ليجعلن البطنين بطناً واحداً، وليزوجن هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء وقال لا أدع طالبياً يتزوج بغير عباسية، ولا عباسي بغير طالبية، حتى يصيروا شيئاً واحداً، وأجرى على كل رجل منهم عشرة دنانير في الشهر، وعلى كل امرأة خمسة دنانير، واجعل من الدنيا ناحية تفي بذلك.
ومن أشعاره التي كانت من آخر قوله من آخر أيامه ما أنشدنيه لنفسه:
رَثَيْتُ الحَجِيجَ فَقالَ الْعُدا ... ةُ سَبَّ عَليّاً وَبِنْتَ النَّبِي
أَآكُلُ لَحْمِي وَأَحْسُو دَمِي ... فَيا قَوْمِ لِلْعَجَبِ الأعْجَبِ
عَلِىٌّ يَظُنُّونَ بِي بُغْضَهُ ... فَهَلاَّ سِوَى الْكُفْرِ ظَنُّوهُ بِي
إذاً لا سَقَتْنِي عَداً كَفُّهُ ... مِنَ الحَوْضِ وَالَمْشرِب الأْعَذبِ
بَلَى قَرْمْطَيِّينَ مَتُّوا إلَي ... هِ بالنَّسِب الأَفْجرِ الأْكَذَبِ
سَبَبْتُ فَمَنْ لامَنِي فِيهِمُ ... فَلَسْتُ بِمُوصًى وَلا مُعْتَبِ
مُجَلِّي الكُرُوبِ وَلَيْثُ الْحُرُوِ ... بِ في الرَّهَجِ السَّاطِعِ الأْصْهَبِ
وَبَحْرُ الْعُلُومِ وَغَيْظُ الْخُصُومِ ... مَتىَ يَصْطَرِعْ وَهُمُ يَغْلِبِ
يُقَلّبُ فِي فَمِهِ مِقْوَلاً ... كَشِقْشَقِة الجَمَلِ المُصْعَبِ
وَأَوَّلُ مَنْ ظَلَّ فِي مَوْقِفٍ ... يُصَلِّى مَعَ الطَّاهِرِ اْلأَطْيَبِ
وَكانَ أَخاً لنِبَيِّ الْهُدَى ... وَخُصَّ بِذَاكَ فَلاَ يُكْذَبِ
وَكُفْءً لِخَيْر نِسَاء الْعِبَا ... دِ مَا بَيْنَ شَرْقٍ إلىَ مَغْرِبِ
وَأَقْضَى الْقُضَاةِ بِفَصْل اِلخْطَا ... بِ والَمَنْطِقِ اْلأَعْدَلِ اْلأَصْوَبِ
وَفِي لَيْلَةٍ الْغَارِ وَقَّي النَّبِيَّ ... عِشَاءً إلىَ الْفَلَقِ اْلأَشْهَبِ
وَبَاتَ دَرِيَّتَهُ فِي الفْرِا ... شِ مُوَطِّنَ نَفَسٍ عَلَى اْلأَصْعَبِ
وَعْمَرو بْنَ عَبْدٍ وَأَصْحابَهُ ... سَقاهُمْ حَسا الَموْتِ فِي يَثْرِبِ
فَسَلْ عَنْهُ خَيْبَرَ ذاتِ الْحُصُو ... نِ تُخَبِّرْكَ عَنْهُ وَعَنْ مَرْحَبِ