بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 19

فقال بعقب هذا:
وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مِثْلِه ... عَفْوٌ وَلَمْ يَشْفَعْ إلَيْكَ بِشافِعِ
إلاَّ الْعُلُوَّ عَنِ الْعُقَوبَةِ بَعْدَما ... ظَفِرَتْ يَداكَ بِمُسْتَكِينٍ خاضِعِ
فَرَحْمتَ أَطفالاً كأَفْراخِ الْقَطا ... وَعَوِيلَ عانِسَةٍ كَقَوْسِ النَّازِعِ
قَسَماً وَما أُدْلِي إِلَيْكَ بِحُجَّةٍ ... إلاَّ التَّضَرُّعَ مِنْ مِقُرٍ خاشِعِْ
ما إنْ عَصَيْتُكَ وَاْلغُواةُ تُمدُّنِي ... أَسْبابُها إلاَّ بنيَّةِ طائِعِ
وهذه قصيدة طويلة أولها:
يا خَيْرَ مَنْ ذَمَلَتْ يَمانِيَةٌ بِهِ ... بَعْدَ الرَّسُولِ لآِيِسٍ أوْ طامِعِ
وله في عفوه أشعار كثيرة منها قصيدة أولها:
أَعْنِيكَ يا خَيْرَ مَنْ تُعْنَى بِمُؤْتَلِفٍمِنَ الثَّناءِ ائْتلافَ الدُّرِّ فِي النَّظْمِ
أُثْنِى عَلَيْكَ بِما جَدَّدْتَ مِنْ نِعَمِوَما شَكَرْتُكَ إنْ لَمْ أُثْنِ بِالنِّعَمِ
وفيها
رَدَدْتَ مالِي وَلَمْ تَمْنُنْ عَلَيَّ بِهِ ... وَقَبْلَ رَدِّك مالِي ما حَقَنْتَ دَمِي
فَنُؤْتُ مْنُه وَما كافَأْنُها بِيَدٍ ... هِي الْحَياتانِ مِنْ مَوْتٍ وَمِنْ عُدْمِ
اْلبُّرِ لِي مِنْكَ وَطْءُ اْلعُذْرِ عِنْدَكَ لِيفِيما أَتَيْتُ فَلَمْ تَعْذُلْ وَلَمْ تَلُمِ
وَقَامَ عِلْمُكَ بِي فَاحْتَجَّ عِنْدَكَ لِي ... مَقامَ شاهِدِ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمِ


صفحه 20

تَعْفُو بِعَدْلٍ وَتَسْطَو إنْ سَطَوْتَ بِهِ ... فَلا فَقَدْناكَ مِنْ عافٍ وَمُنْتَقِمِ
حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا عبد الوهاب بن محمد ابن عيسى قال استخفى إبراهيم عند بعض أهله من النساء، فوكلت بخدمته جارية جميلة، وقالت لها: أنت له، فإن أرادك لشيء فطاوعيه وأعلميه ذلك حتى يتسع له. فكانت توفيه حقه في الخدمة والاعظام، ولا تعلمه بما قالت لها، فجعل مقدارها في نفسه، إلى أن قبل يوماً يدها فقبلت الأرض بين يديه فقال:
يا غَزالاً لِي إِليْهِ ... شافِعٌ مِنْ مُقْلَتَيْهِ
وَالَّذِي أَجْلَلْتُ خَدَّ ... يْه فَقَبَّلْتُ يَدَيْهِ
بأَبي وَجْهَكَ ما ... أَكْثَرَ حُسَّادِي عَلَيْهِ
أَنا ضَيْفٌ وَجَزاُء الْضَّيْفِ إحْسانٌ إلَيْهِ
وعمل بعد ذلك فيه لحنا من طريق الهزج حدثني عبد الله بن محمد بن علي الكاتب قال حدثنا أبو العيناء قال سمعت إبراهيم بن الحسن بن سهل يقول: لم يكن إبراهيم بن المهدي يصدق أن عفو المأمون عنه يدوم، ويرى أنه سيلحق به جملة، فكان يتعهر ويتهتك ويغنى لكل واحد، ولا يخلى المأمون في كل وقت من مدح.
حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثنا أبي قال كتب إبراهيم ابن المهدي إلى عمرو بن بانة حين ظهر ورضي عنه المأمون يدعوه


صفحه 21

فكتب إليه عمرو: أخاف سخط أمير المؤمنين. فكتب إليه إبراهيم: ليس يخلو أمير المؤمنين من أن يكون راضياً عني فما يكره أن تسرني، أو ساخطاً فما يكره أن تعرني، وما تخرج عن هاتين.
حدثني الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت هبة الله بن إبراهيم ابن المهدي يقول حين أخذ أبي إبراهيم كتب إلى المأمون رقعة فقرأها قبل أن يراه وهو أول شعر قرأه له:
أيا مُنْعِماً لَمْ تَزَلْ مُفْضِلا ... أَدامَ الضَّنَى سُخْطُكَ الدَّائُم
ظُلْمتُ فَانْ قُلْتَ لا بَلْ ظَلَمْتَ فَإِّنِي أَنا الكْاذِبُ الآْثِمُ
وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ زَلَّتي ... فَإِّنَي مِنْ جُرْمِها واجِمُ
يُفَزُّ الْحَلِيمُ وَيَكْبو الْجَوا ... دُ وَيَنْبُو لَدَي الضَّرْبَة الصَّارِمُ
فَها أَنا ذا اْلعاِئذُ الْمسِتجيرُ فَاحْكُمْ بِما شِئْتَ يا حاكمُ
عَصَيْتُ وَتُبْتُ كما قَدْ عَصَى ... وَتَابَ إلَى رَبِّه آدَمُ
فَقُلْ قَوْلَ يُوسُفَ لا تَثْرِبُنَّ فَقَدْ يَغْفرُ الْغاِفرُ الرَّاِحمُ
فَلَسْتُ إلىَ زَلَّةٍ عائِداً ... يَدَ الدَّهْرِ ما قَعَدَ الْقاِئمُ
قال فحل ذلك أكثر ما كان في نفسه حدثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال دخلت يوما إلى إبراهيم بتن المهدي فتجارينا ذكر الدول فأنشدني لنفسه:
فَلّلِهِ نَفْسِي إنَّ فِيَّ لَعِبْرَةً ... وَلِلدَّهْرِ نَقْضٌ لِلقُوىَ بَعْدَ إبْرام


صفحه 22

غَدَوْتُ عَلَى الدُّنْيا مَلِيكاً مُسَلَّطاً ... وَرُحْتُ وَما أحْوِى بِها قَبْسَ إبهاِم
حدثنا عون قال أنشد إبراهيم بن المهدي المأمون شعراً يعتذر فيه فقال له حين فرغ منه: قد أفرط شكرك، كما أفرط جرمك، والإحسان محاء للإساءة.
وأنشدني عون له بعقب هذا وكان يستجيده:
وَنَهَيْمتَ نَوْمِي عَنْ جُفونِي فَانْتَهَى ... وأَمَرْتَ لَيْلِي أَنْ يَطُولَ فَطالاَ
نَظَرُ اْلعُيوِن عَلَى اْلعُيوِن هُوَ الَّذِيجَعَلَ الْعُيونَ عَلَى اْلعُيوِن وَبالاَ
حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني أبي قال كان إبراهيم ابن المهدي قد ترك الغناء في آخر أيامه، وذاك أنه غنى المعتصم صوتاً بشعر له في طريقة الثقيل الثاني في الأصبع الوسطى نوحيا على عمد:
ذَهْبْتُ مِنَ الدُّنْيا وَقَدْ ذَهَبًتْ مِنِّيهَوَى الشَّيبُ بِي عَنْها وَوَلَّي بِها عَنِّى
فِإنْ أَبْكِ نَفْسِي أَبْكٍ نَفْساً نَفِيسَةًوَإنْ أَحْتَسِبْها أَحْتَسِبْها عَلَى ضَنِّ
وجعل يغني ويبكي، فقال له المعتصم: ما هذا يا عم؟ قال: حلفت بين يدي الرشيد أني إذا بلغت الستين لم أشرب ولم أغن، قال ومن يشهد بهذا؟ قال جماعة قد بقي منهم مسرور الخادم، فسأله عن ذلك فشهد له، فأعفاه عن الغناء الشرب والغناء فما عاد لذلك إلى أن مات.
حدثني الحسين بن يحيى قال سمعت عبد الله بن العباس بن


صفحه 23

الفضل بن الربيع يقول بلغ إبراهيم بن المهدي من حسن الغناء والعلم إلى نهاية ما بعدها، حتى أنه كان يجاذب إسحاق الموصلي. . . صنعة حسنة شبه بها صنعة الأوائل، منها أنه غنى في شعر مروان أبي حفصة من طريقة الثقيل الأول:
طَرَقَتْكَ زائِرَةٌ فَحَيِّ خَيالَها ... حَسْناءُ تَخْلطُ بِالْجَمَالِ دَلالهَا
حدثنا يحيى بن علي عن أبيه عن إبراهيم بن علي بن هشام أن إسحاق كتب إلى إبراهيم بن المهدي بجنس صوت صنعه مجزأ وأجزاء لحنه فغناه إبراهيم من غير أن يسمعه والصوت:
حَيِّيا أُمَّ يَعْمُرٍ ... قَبْلَ شَحْطٍ مِنَ النَّوِى
فَقُلْتُ لاَ تُعْجِلُو الروَّاحَ فَقالُوا أَلاَ بَلَى
وهذا مما لم يسمع بمثله من فعلهما، والذي فعله إبراهيم بن المهدي أشد وأعجب، واللحن الذي عمله إسحاق في هذا الشعر من الثقيل الثاني وللهذلي فيه لحن في طريقة خفيف الثقيل الأول.
وكان إبراهيم بن المهدي ينسب الثقيل الأول الذي عليه الناس جميعاً إلى الثقيل الثاني، وينسب الثقيل الثاني إلى الثقيل الأول، وتابعه على ذلك عمرو بن بانة، وكان أحد غلمانه.

من شعر إبراهيم
الشَّيْبُ شَيْنٌ وَالْخُضابُ عَذابُ ... وَلِكُلِّ حَيٍّ مُهْجَةٌ سَتُصابُ


صفحه 24

قاَلتْ أماَمُة شِبْتَ يا ابْنَ مُحَمَّدٍ ... شَيْباً وَشابَ أُمامَةُ الأَتْرابُ
وهذا معنى مليح، يقول وقد شبت أنت أيضاً، ومثله لكعب بن زهير وهو أوضح من هذا:
ألاَ بَكَرَتْ عِرْسِي تَلُومُ وَتَعْذِلُ ... وَغْيرَ الذَّيِ قالَتْ أَعَفُّ وَأَجْمَلُ
أُرِيتُ مِنْ الشَّيِب الْعَجيِب الذَّي رَأَتْفَهَلْ أَنْتِ مِنِّي وَيْبَ عَيْرِكِ أَمْثَلُ
كِلانا عَلَتْهُ كَبْرَةٌ فَكَأَنَّما ... رَمَتْهُ سِهاٌم فِي الْمَفارِقِ نُصَّلُ
يقول نحن وإن شبنا على أمرنا في اللهو والبطالة، فكأن سهام الشيب نصل لا زجاج عليها، حين أصابتنا فلم تغن شيئاً. فأخذها أبو نواس فقال وخلط:
خَلَقَ الشَّبابُ وَشرَّتِي لَمْ تَخْلَقِ ... وَرُميِتُ مِنْ عِوَضِ الشَّبابِ بأَفْوقِ
وليس من ذاك لأنه يقول رميت بسهم في اللهو مكسور الفوق لأني شيخ. يقال خلق الثوب يَخْلَق وَأَخْلَقَ يُخْلِقُ ومن مليح ما يشبه هذا ما حدثني به الحسن البلعي عن أبي حاتم السجستاني قال قرأت على الأصمعي شعر حسان ومرت قصيدته:
مَنَعَ النَّوْمَ بالِعْشاءِ الْهُمُومُ
إلى أن بلغت:
لَمْ تَفُقْها شَمْسُ النَّهار بِشَيْءٍ ... غَيْرَ أَنَّ الشَّبابَ لَيْسَ يَدْومُ
فقال الأصمعي: آه، أخبر والله أنها كبيرة!


صفحه 25

حدثنا ميمون بن هارون قال سمعت الفضل بن مروان يقول كان إبراهيم بن المهدي أصح الناس رأياً لغيره وأفسدهم رأياً لنفسه. فقيل له في ذلك فقال أنا أنظر في أمر غيري برأي سليم من الهوى ويغلب على رأيي في أمر نفسي ما أهواه حدثنا يحيى بن علي قال أخبرني أبي عن يوسف بن إبراهيم وهو ابن خالة إبراهيم بن المهدي قال حضرت إبراهيم بن المهدي وإسحاق بن إبراهيم الموصلي يتلاحيان في التجزئة والقسمة في الغناء، فقلت لهما أراكما توجبان لهما له معنيين ومعناهما واحد، فقال لي إبراهيم لا لوم عليك فيما أنكرت من باب التجزئة والقسمة، لأن المنطق يوجب ما قلت، ولكن أصحاب صناعة اللحون إذا أرادوا وضع صوت ما قلت، ولكن أصحاب صناعة اللحون إذا أرادوا وضع صوت جزؤا شعره على أجزاء معلومة ثم قسموا اللحن على تلك الأجزاء فالتجزئة عندهم تجزئة الشعر، والقسمة قسمة اللحن على الأجزاء. قال ولم يكن أحد بعد اسحق أعلم بالغناء من إبراهيم حدثني يحيى بن علي قال حدثني أبو العيبس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال رأيت إبراهيم بن المهدي يناظر اسحق في الغناء، فتكلما فيه بما فهماه ولم أفهم منه شيئا، فقلت لهما لئن كان ما أنتما فيه من الغناء فما نحن منه في قليل ولا كثير.
حدثني محمد بن سعيد قال حدثني أبو أمامة الباهلي عن الحسين ابن الضحاك وحدثناه المغيرة بن محمد المهبلي أن الحسين بن الضحاك شرب عند ابراهيم بن المهدي يوماً فجرت بينهما ملاحاة في الدين


صفحه 26

والمذهب فدعا له ابراهيم بنطع وسيف وقد أخذ الشراب منه وانصرف الحسين غضبان فكتب ابراهيم يعتذر إليه ويسأله أن يحيبه فقال الحسين:
نديمي غيْرُ مَنْسوبٍ ... إلَى شَيْءِ مِنَ الْحَيْفِ
سَقانِي مِثْلَ ما يَشْرَ ... بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ
فَلَمَّا دارَتِ الْكَأْسُ ... دَعا بالنِّطْعِ والسَّيْفِ
كَذا مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ... مَعَ التِّنِّينِ فِي الصَّيْفِ
فلم يعد لمنادمته مدة، ثم إن إبراهيم تحمل عليه ووصله، فعاد لمنادمته.
حدثنا أحمد بن محمد أبو إسحاق الطالقاني قال حدثني عبيد الله ابن محمد بن عبد الملك الزيات قال لما وثب إبراهيم بن المهدي على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا فأخذ من عبد الملك جدي عشرة آلاف دينار، وقال أردها إذا جاءني مال، ولم يتم أمره واستخفى.
ثم ظهر فطولب بالأموال، فقال إنما أخذتها للمسلمين وأردت أن اقضيها من أموالهم، والأمر إلى غيري. فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها المأمون ومضى بها إلى إبراهيم بن المهدي فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي