وقال
هاتِ كَأْسَ الصَّبوحِ فِي أَيْلُولِ ... بَرَدَ الظَّلُّ فِي الضُّحَى وَالمَقِيِل
وَخَبَتْ جَمَرةُ الْهَواجِرِ عَنَّا ... وَاسْتَرَحْنا مِنَ النَّهارِ الطَّوِيلِ
وَخَرَجْنا مِنَ السَّمُومِ إلىَ بَرْ ... دِ شَمالٍ وَطِيبِ ظِلٍ ظَلِيلِ
وَنَسِيمٍ يُبَشِّرُ اْلأَرْضَ بِالْقَطْ ... رِ كَذَيْلِ الْغِلالَةِ الْمَبْلُولِ
وَوُجُوهُ الْبِلادِ تَنْتَظِرُ الْ ... غَيْثَ انْتظارَ المُحِبَّ رَدَّ الرَّسُولِ
وقال
أَحْسَنُ مِنْ وَقْفِةٍ عَلَى طَلَلِ ... وَمِنْ بُكاءٍ فِي إثْرِ مُحْتَمِلِ
كَأْسُ صَبُوحِ أَعْطَتْكَ فَضْلَتَها ... كَفُّ حَيِبٍ وَالنُّقْلُ مِنْ قُبَلِ
فِي مَجْلِسٍ جالَتِ الْكُؤُوسُ بِهِ ... فَاْلَقْومُ مِنْ مائِلٍ وَمُنْجَدِلِ
يَطُوفُ بِالرَّاحِ بَيْنُهمْ رَشأٌ ... مُحَكَّمٌ فِي الْقُلوُبِ وَالْمُقَلِ
أُفْرِغَ نُوراً فِي قِشْرِ لُؤْلُؤَةٍ ... تَجِلُّ عَنْ قِيمَة وَعَنْ مِثْلِ
يَكادُ لَحْظُ الْعُيُونِ حِينَ بَدا ... يَسْقِيكَ مِنْ خَدِّهِ دَمَ الْخَجَلِ
وقال
قُمْ فَاسقِني يا خَلِيلِي ... مِنَ الْعُقارِ الشُّمُولِ
أُوْلَى الشُّهُورِ بِشُرْبٍ ... شَعْبانُ فِي أَيْلُولِ
قَدْ زَادَ فِي اللَّيْلِ لَيْلٌ ... وَطَابَ ظِلُّ الَمقِيلِ
وقال
مَوْلاَي أَجْوَرُ مَنْ حَكَمْ ... صَبْراً عَلَيْهِ وَإنْ ظَلَمْ
لَعِبَ الْقِلَى بُعُهوِدِه ... فَكَأَنَّما كانَتْ حُلُمْ
وَمُصَرِعينَ مِنَ الْعُقا ... رِ علَى السَّواعِدِ وَاللِّمَمْ
قَتَلَتْهُمُ خَمَّارَةٌ ... عَمْداً وَلَمْ تُؤْخَذْ بِدَمّْ
وَسَقَتْهُمُ مَشْمُولَةً ... ظَلَّتْ تُحَدِّثُ عَنْ إرَمَ
لَمَّا أَرَتْهُمْ كَأْسَها ... شَرِبُوا وَما قَالُوا بِكَمْ
وقال:
اْلآنَ تَمَّ فَأُهْدىِ مَقْلَةَ الرًّيمِ ... وَاهْتَزَّ كَالْغُصْنِ فِي مَيْلٍ وَتَقويِم
اْلآنَ ناجَيِ بِوَحِي الُحَّب عِاشقَهُ ... وَاسْتَعْجَلَ اللَّحْظَ فِي رَدِّ وَتَسْلِيمِ
قَدْ بِتُّ أَلْثمُهُ واللَّيْلُ حارِسَنا ... حَتَّى بَدَا الصُّبْحُ مُبْيَضَّ المقَادِيمِ
وَقامَ ناِعي الدُّجَى فَوْق الِجَدارِ كَما ... نادَى عَلَى مَرْقبٍ شَادٍ بِتَحْكِيمِ
باتَتْ أَبارِيقُنا حُمْراً عَصائِبُها ... بيضاً ذَوَائبها غُصَّ الحَلاَقيم
وَالْبَدْرُ يَأْخُذُهُ غَيْمٌ وَيَتْرُكُهُ ... كَأَنَّهُ ساِفرٌ عَنْ وَجْهِ مَلْطُومِ
رَواكِعاً كُلَّما حَثَّ السُّقاةُ بِها ... تَلْقَي الْكُؤُوسَ بِتَكْفِيرٍ وَتَعْظيِمِ
لاَ صاحَبَتْنِي يَدٌ لَمْ تُغْنِ أَلْف يَدٍوَلَمْ تَرُدَّ الْقَنا حُمْرَ الْخَياشِيمِ
وقال:
قَدْ نَعَى الدِّيكُ الظَّلاما ... فَاسْقِنِي الرَّاحَ الُمداما
قَهْوَةً بِنْتَ دِنَانٍ ... صُفِّيَتْ خَمْسِينَ عاما
جَعَلَ الْعِلْجُ لَهَا ... مِنْ مُدارِ الطِّينِ هاما
خِلْتُها فِي الْبَيْتِ جُنْداً ... صُفِّفُوا حَوْليِ قِياما
وَتَراها وَهْيَ صَرْعَى ... فَرْعاً بَيْنَ النَّدامَى
مِثْلَ أَبْطالِ حُرُوبٍ ... قُتِّلُوا فِيها كِرامَا
وقال:
لَمْ يَنَمْ لَيْلىِ وَلَمْْ أَنَمِ ... مُفْرَداً بِالْوجْدِ وَالسَّقَمِ
فِي سَبيِلِ الْعاشِقِينَ هَوًى ... لَمْ أَنَلْ مِنْهُ سِوَى التَّهُمِ
وَاسْقِنِي الرَّاحَ صَافَيِة ... تَنْشُرُ اْلاِصْباحَ فِي الظُّلَمِ
وَلَقَدْ أَعْدُو عَلَى أَثْرٍ الْ ... حَيَا راضٍ عَلَى الدَّيَمِ
لاَ تَلُمْ عَقْلِي وَلُمْ طَرَبِى ... إنَّ عَقْلِي غَيْرُ مُتَّهَمِ
وقال:
أَخَذَتْ مِنْ شَبابِيَ الأيَّامُ ... وَتَوَلىَّ الصَّبا عَلَيْهِ السَّلامُ
وَلَقْد حَثَّ بِالُمَداَمةِ كَفِّى ... غَصْنُ بانٍ عَلَيْه بَدْرٌ تَمامُ
وَنَدَامَاي كُلُ خِرْقٍ كَرِيمٍ ... أَتْلَفَتْ وَفْرَهُ أَيادٍ كِرامُ
بَيْنَ أَقْدَاحِهِمْ حَدِيثٌ قَصِيرٌ ... هُوَ سِحْرٌ وَما سِواهُ كَلامُ
وَغِناءٌ يَسْتَعْجِلُ الرَّاحَ بِالرَّا ... حِ كَما ناحَ فِي الْغَصُونِ الْحَمَامُ
وَكَأَنَّ السُّقاةَ بَيْنَ النَّدامَى ... أَلِفاتٌ عَلَى سُطُورٍ قِيامُ
وقال:
يا رُبَّ لَيْلٍ سَحَرٍ كُلِّه ... مُفْتَضِحِ الْبَدْرِ عَليِلِ النَّسِيمِ
يَلْتَقِطُ اْلأَنْفاسَ بَرَدُ النَّدى ... فِيِه فَيَهْدِيِه لِحَرِّ الْهُمُومِ
لَمْ أَعْرف الاصْباحَ مِنْ ضَوْئِهِ ... بِالْبَدْرِ إلاَّ بِانْحِطاطِ النُّجُومِ
لَبِسْتُ فِيِه بِالْتذاذِ الَهَوى ... وَلَذَّةِ الرَّاحِ ثِيابَ النَّعِيمِ
وقال:
أَيا ساقِيَ الْقَوْم لا تَنْسَنا ... وَيا جارَةَ الْعُود غَنِّي لنَا
فَقَدْ نَشَرَ الدَّجْنُ بَيْنَ السَّما ... ءِ وَاْلأَرْضِ مِطْرَفَهُ اْلأَدْكَنا
وقال:
مَنْ عاِئِدي لْلهُمُومِ وَالْحَزَنِ ... وَذِكْرِ ما قَدْ مَضَى مِنَ الزَّمَنِ
وَشُرْبِ كَأْسٍ فِي مَجْلِسٍ بَهِجٍ ... لَمْ أَرَ هَمًّا بِهِ وَلَمْ يَرَنِي
مِنْ كَفِّ ظَبْيٍ مُقَرْطَقٍ غَنِجٍ ... يَعْشَقُهُ مَنْ عَلَيْهِ يَعْذُلنُيِ
جاءَ بِها كالسّرِاجِ صافِيَةً ... كَريَمةً لَمْ تُدَنَّسْ وَلَمْ تُهَنِ
مِنْ ماءِ كَرْمٍ قَدْ عُتِّقَتْ حِقَباً ... فِي بَطْنِ أَحْوَى الضَّمِيرِ مُخْتَزَنِ
كَأَنَّهُ مُنْذُ قامَ مُعْتَمدٌ ... بِعَظْمِ ساقٍ شَلاَّءَ فِي بَدَنِ
مَيْتٌ وَفِيِه الَحياةُ كاِمَنةٌ ... تَدْرُجُهُ الْعَنْكَبُوتُ فِي كَفَنِ
وقال:
دَعْنِي فَما طاَعُة الْعُذَّالِ مِنْ دِينِيما سالِمُ الْقَلْبِ فِي الدُّنْيا كَمَفْتُونِ
أَقْرَرْتُ أَنِّيَ مَجْنُونٌ بُحِّبكُمُ ... وَلَيْسَ لِي عِنْدَكُمْ عُذْرُ المَجانِينِ
وَصاحِبٍ بَعْدَ مَسِّ النُّوْمِ مُقْلتَهُ ... دَعَوْتُهُ وَلِسانُ الصُّبْحِ يَدْعُونِي
نَبَّهْتُهُ وَنُجومُ اللَّيْلِ راكِعَةٌ ... فِي حُلَلٍ مِنْ بَقايا لَوْنِها جُونِ
فَقامَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَسَبتَّهُ ... لِعَقْدةِ النَّوْمِ مِنْ فِيِه يُلَبِّينِي
وَطافَ بِالدَّنِّ ساقٍ وَجْهُهُ قَمَرٌ ... فَشَكَّهُ بِسَريعِ الحَدِّ مَسْنُونِ
ذُو طُرَّةٍ نَظَّمَتْ فِي عاجٍ جَبْهَتِهِ ... مِنْ شَعْرِهِ حِلَقاً سُودَ الزَّرافِينِ
كَأَنَّ شَقَّ عِذارٍ شَقُّ عارِضِهِ ... عِيدانُ آسٍ عَلَى وَرْدٍ وَنُسْرِينِ
وقال:
صَحَوْتُ ولكِنْ بَعْدَ أَيِّ فُتونِ ... فَلا تَسْأَلوُنِي تَوْبَتِي وَدَعُونِي
وَدَبَّ مَشِيبيِ بَعْضُهُ نَحْوَ بَعْضِهِ ... فَأَخْرَجَني مِنْ أَنْفُسٍ وَعُيُونِ
وَأُفْرِدْتُ إلاَّ مَنْ تَصَنُّعِ خائِنٍ ... سَرِيعِ شَرارِ الشَّرِّ غَيْرِ أَميِنِ
وَخَمَّارَةٍ يُعْنَي الَمسِيحُ بِديِنِها ... طَرَقْتُ وَضَوْءُ الصُّبْحِ غَيْرُ أَمِينِ
فَلَمَّا رَأَتْنِي أَيْقَنَتْ بِمُعَذَّلٍ ... قَليِلِ بَقاءِ الْوَفْرِ غَيْرِ ضَنيِنِ
وَقامَتْ وَفِي أَجْفانِها سَقَمُ الْكَرَى ... تَفُضُّ بِكَفَّيْها خَواتِم طِينِ
فَلَمَّا رَآها اللَّيْلُ حَثَّ جَناحَهُ ... مَخافَةَ صُبْحٍ فِي الدِّنانِ كَمِينِ
كَأَنَّا وَضَوْءُ الصُّبْحِ يَسْتَعْجِلُ الدُّجَى ... نُطيرُ غُراباً ذا قَوادِمَ جُونِ
فَما زِلْتُ أُسْقاها بِكَفٍّ مُقَرْطق ... كَغُصْنٍ ثَنَتْهُ الرِّيحُ بَيْنَ غُصُونِ
لَوى صُدْغَهُ كالنُّونِ مِنْ تَحْتِ طُرَّةٍ ... مُمَسَّكَةٍ تُزْهِي بِعاجِ جَبيِنِ
وقال:
لا تَمَلاَّ حَثَّنا وَاسْقِيانا ... قَدْ بَدا الصُّبْحُ لنَا وَاسْتَبانا
إنَّ لِلْمَكرُوهِ لَذْعَةَ هَمٍّ ... فِإذا دامَ عَلَى الَمْرءِ هانا
وَامْزِجا كَأْسِي بِريِقَةِ شِرَّ ... طابَ لِلعَطْشانِ ورِدٌ وَحانا
وَنَديِمٍ أَمْرَضَ السُّكْرُ مِنْهُ ... مُقْلَةً فاتِرَةً وَلِسانا
ساوَرْتُهُ بِسَوْرَةِ الرَّاحِ حَتَّى ... صَرَّفَ الْكَأْسَ وَرَدَّ الْبَنانا
لَمْ يَزلْ يَرْكُضُ وَهْوَ مُخَلًّى ... ثُمَّ عَلَّقْنا عَلَيْهِ الْعِنانا
وقال
قَدْ مَضَى آبٌ صاغِراً لَعْنَةُ ... اللهِ عَلَيْه وَلْعَنةُ اللاَّعنِينِا
وَأَتانا أَيْلُولُ وَهْوَ يُنادي ... الصَّبُوحَ الصَّبُوحَ يا غافِليِنا
وقال
أَلاَ مَنْ لَقلْبٍ فِي الَهوَى غَيْرِ مُنْتَهٍوَفِي الْغَيِّ مطُواعٌ وَفِي الرُّشْدِ مُكْرَهُ
أُشَاورِهُ فِي تَوْبَةٍ فَيَقُولُ لا ... فَإنْ قُلْتُ تَأْتِي غَيَّةٌ قالَ أينْ هِي؟
فَيا سَاقِيىَّ الْيَوْمَ عُودَا كَأَمْسِنابِاِبْريقِ خَمْرٍ فِي الْكْؤُوُسِ مُقَهْقِهِ
أُوَرِّثُ نَفْسِي ما لهَا قَبْلَ وَارثِي ... وَأُنْفِقُهُ فِيمَا أُحبُّ وَأَشْتَهِي
وقال
قُلْ لِمَنْ حَيَّا فَأحْيا ... مَيِّتاً يُحْسَبُ حَيَّا
مَا الذَّيِ ضَرَّكَ لوْ أَبْ ... قَيْتُ لِي فِي الْكَأْسِ شَيَّا
أَتْرَانِي كُنْتُ إلاَّ ... مِثْلَ مَنْ قَبَّلَ فِياً
يا خَلِيلَيَّ اسْقِياني ... قَهْوَةً ذاتَ حُمَيَّا
إنْ يَكُنْ رُشْداً فَرُشْداً ... أَوْ يَكُنْ غَيَّا فَغَيَّا
قَدْ تَوَلىَّ اللَّيْلُ عَنَّا ... وَطَوَاهُ الْغَرْبُ طَيَّا
وَكَأَنَّ الصُّبْحَ لَمَّا ... لاَحَ مِنْ تَحْتِ الثُّرَيَّا
مَلِكٌ أَقْبَلَ فِي التَّا ... جِ يُفَدَّى وَيُحَيَّا
من مختار شعره في الطرد
قال يصف الكلب
لَمَّا تَفَرَّى أُفقُ الضِّياءِ ... مِثْلَ إِبتْسامِ الشَّفَةِ اللمْياءِ
وَشَمْطَتْ ذَوَائِبُ الظَّلْماءِ ... قُدْنا لِعيِنِ الْوَحْشِ وَالظَّباء
دَاهيَةً مَحْذُورَةَ اللِّقاءِ ... تَحْملهُا أَجْنِحَةُ الْهَواءِ
تَسْتَلبُ الخَطْوَ بلاَ إبْطاءِ ... أَسرَعُ مِنْ جَفْنٍ إلىَ إغْضاءِ
وَمُخْطَفٍ مُوَثَّقِِ اْلأَعْضاءِ ... خالفَهَا بِجِلْدَةٍ بَيْضاءِ
وَإْثُرهُ فِي أَرْضِهِ الأَدْماءِ ... كَأَثَر الشَّهابِ فِي السَّماِء