قَرَّتِ الْعَيْنُ إذْ رَأَتْهُمْ سُقُوطاً ... كَنُثارٍ مِنَ الصَّبِيِح المَليِحِ
طالمَا قَدْ جُمِّعُوا أَعالِيَ دارِي ... وَنَفْونِي عَنْ طِيبِ رَوْحِ السُّطُوحِ
كَمْ صَرِيعٍ مِنَّا لَهُمْ مُسْتَغِيثِ ... مِثْلِ زِقٍّ بَيْنَ الندَّامَى طَرِيحِ
وقال
كَأَنِّي حِينَ تَعْتَذِرُ المَطايا ... عَلَى فَتْخاءَ ناشِرَةٍ جَناحا
بِخَرْقٍ تَقْصُرُ اْلأَلْحاظُ عَنْهُ ... بَعِيدِ الَماءِ يَبْتَلِعُ الرِّياحا
وقال
مَآخِيرُ لِلْخَيْرِىِّ فِي الْوَرْدِ ... صارَ مِنْ اْلقُرْبِ إلىَ الْبُعْدِ
فِي آخِرِ الَمْجِلسِ هَذا يُرَى ... وَذا عَلَى اْلعَيْنيِنْ وَاْلخَدِّ
قال في نبيذ الدوشاب
لا تَخْلِطُوا الدُّوشابِ فِي قَدَحٍ ... بِصَفاءِ ماءٍ طَيِّبِ الْبَرْدِ
لا تَجْمَعُوا بِاللهِ وَيْحَكُمُ ... غَيْظَ الْوَعِيدِ وَرِقَّةَ الْوَعْدِ
قال في ذم الصبوح
وهي قصيدة مزدوجة وجئنا بها على الوجه الأكمل لأن طالب جيدها لا بد له من ذكر ما فيها.
لِي صاحِبٌ قَدْ مَلَّنِي وَزادَا ... فِي تَرْكَيِ الصَّبوحَ ثُمَّ زادا
قالَ ألا تَشْرَبُ بالنَّهارِ ... وَفِي ضِياءِ الْفَجْرِ وَالأسْحارِ
إذا وَشَىِ باللَّيْلِ صُبْحٌ فَافْتَضَحْ ... وَذَكَرَ الطَّائِرُ شَجْواً فَصَدَحْ
وَالنَّجْمُ فِي حَوْضِ الغروْبِ وَارِدُ ... وَالْفَجْرُ فِي إثْرِ الظَّلامِ طارِدُ
وَنَفَضَ اللَّيُل عَلَى الرَّوْضِ النَّدا ... وَحَرَّكَتْ أَغْصانَهُ رِيحُ الصبَّا
وَقَدْ بَدَتْ فَوْقَ الِهلالِ غُرَّتُهْ ... كَهامَةِ اْلأَسْودِ شابَتْ لِحْيَتُهْ
فَخَمَّشَ النَّارَ بِبَعْضِ نُورِهِ ... وَاللَّيْلُ قَدْ رَفَّعَ مِنْ سُتُورِهِ
وَقالَ شُرْبُ اللَّيْلِ قَدْ آذانا ... وَطَمَسَ الْعُقُولَ وَاْلأَذْهانا
أَلا تَرَى الْبُسْتانَ كَيْفَ نَوَّرَا ... وَنَشَرَ المَنْثُورُ زَهْراً أَصْفَرَا
وَضَحِكَ الْوَرْدُ إلىَ الشَّقائِقِ ... وَاعْتَنَقَ الْقَطْرَ اعْتِناقَ وامِقِ
فِي رَوْضَةٍ كَحُلَلِ الْعَرُوسِ ... وَحُزَمٍ كَهامَة الطَّاووسِ
وَياسَمِينٍ فِي ذُرَى اْلأغْصانِ ... مُنْتَظِمٍ كَقِطَعِ الْعِقْيانِ
وَالسَّرْوَ مِثْلَ قَصَبِ الزَّبَرْ َجِد ... قَد اسْتَمَدَّ الْعَيْشَ مِنْ تُرْبِ نَدى
علَىَ رِياضٍ وَثَرًى ثَرِىِّ ... وَجَدْوَلٍ كاِلْمِبْرَدِ الَمْجِلىِّ
وَأَفْرَجَ الْخَشْخاشُ جَيْباً وَفَتَقْ ... كَأَنَّهُ مَصاحِفٌ بِيضُ الْوَرَقْ
أَوْ مِثْلُ أَقْداحِ مِنَ الْبَلُّورِ ... تَخالهُا تَجَسَّمَتْ مِنْ نُورِ
وَبَعْضُها عُرْيانُ مِنْ أَثْوابِه ... قَدْ خَجِلَ الْبائِسُ مِنْ أَصْحابِهِ
تُبْصِرُهُ مِثْلَ انْثِناءِ الْوَرْدِ ... مِثْلَ الدَّبابِيسِ بِأَيْديِ الْجُنْدِ
وَالسَّوْسَنُ اْلأَبْيَضُ مَنْشُورُ الحُلَلْ ... كَقُطْنٍ قَدْ مَسَّهُ بَعْضُ الْبَلَلْ
وَقَدْ بَدَتْ مِنْهُ ثِمارُ الْكَنْكَرِ ... كَأَنَّها جَماجِمٌ مِنْ عَنْبَرِ
وَحِلَقُ الْبَهارِ بَيْنَ الآسِ ... جُمْجُمَةٌ كَهامَةِ الشَّمَّاسِ
حيالَ شِيحٍ مِثْلَ شَيْبِ النَّصِفِ ... وَجَوْهَرٍ مِنْ زَهَرٍ مُخْتَلِفِ
وَجُلنُّارِ كَاحْمِرارِ الخَدِّ ... أَوْ مِثْلَ أَعْرافِ دُيُوكِ الهْنِدِ
وَاْلأُقْحَوانُ كَالثَّنايا الْغُرِّ ... قَدْ صُقَلتْ أَنْوارُهُ باْلقَطْرِ
قُلْ لِي فَهَذَا حَسَنٌ بِاللَّيْل ... وَيْلِيَ مِمَّا يَشْتَهِي وَعَوْلِي
وَأَكْثَرَ اْلأصنافَ وَاْلأَوْصافا ... فَقُلْتُ قَدْ جَنَّبْتُكَ الْخَلافَا
بِتْ عنْدنَا حَتَّى إذَا الصُّبْحُ سَفَرْ ... كَأَنَّهُ جَدْوَلُ ماءٍ مُنْفَجِرْ
قُمْنا إلَى زَادٍ لنَا مُعَدٍّ ... وَقَهْوةٍ صَرَّاعَةٍ للْجِلْدِ
كَأَنَّما حَباُبها المَنْثُورُ ... كَواكِبٌ فِي فَلَكٍ تَدُورُ
وَمِسْمَعٍ يَلْعَبُ باْلأَوْتارِ ... أَرَقُّ مِنْ ناجِيَةِ الْقَمارِى
وَلاَ تَقُلْ لِي قَدْ أَلِفْتُ مَنْزِليِ ... فَتُفْسِدَ الْوَعْدَ بِعُذْرٍ مُشْكِلِ
فَقالَ هَذَا أَوَّلُ الْجُنونِ ... مَتَى ثَوى الضَّبُّ بِوادِي النُّونِ
دَعَوْتُكُمْ إلَى الصَّبُوحِ ثُمَّ لاَ ... أَكُونُ فِيِه إذْ أَجَبْتُمْ أَوَّلاَ
لِي حاجَةٌ لاَ بُدَّ مِنْ قَضائِها ... لَتَسْتَريِحَ النَّفْسُ مِنْ عَنائِها
ثُمَّ أَجِى وَالصُّبْحُ فِي عِنان ... إلَيْكَ قَبْلَ نَقْرَةِ اْلأَذَان
ثُمَّ مَضَى يُوعِدُ بِالْبُكُورِ ... وَهَزَّ رأْسَ فَرِحٍ مَسْرُورِ
فَقُمْتُ مِنْهُ خائِفاً مُرْتاعَا ... وَقُلْتُ نامُوا وَيْحَكَمْ سِراعَا
لِتَأْخُذَ الْعَيْنُ مِنَ الرُّقادِ ... حَظًّا إلَى تَغْلِيسَةِ المُنادِي
فَمَسَحَتْ جُنُوبُنا الْمَضاجِعَا ... وَلَمْ أَكُنْ لِلنَّومِ قَبلُ طائِعَا
ثَمَّتَ قُمْنا وَالظَّلاَمُ مُطْرِقُ ... وَالطَّيْرُ فِي وُكُورِها لاَ تَنْطِقُ
وَقَدْ تَبَدَّي النَّجْمُ فِي سَوادِهْ ... كَحُلَّة الرَّاهِب فِي حِدادِهْ
وَنَحْنُ نُصْغِي السَّمْعَ نَحْوَ الْبابِ ... فَلمْ نَجِدْ حِسًّا مِنَ الْكَذَّابِ
حَتَّى تَبَّدتْ حُمْرَةُ الصَّباحِ ... وَأَوْجَعَ النَّدْمانَ صَرْتُ الرَّاحِ
وماَلتِ الشَّمْسُ عَلَى الرُّؤُوس ... وَمَلَكَ السُّكْرُ علَىَ النُّفُوسِ
جاَء بِوَجْهِ باردِ التَّبَسُّمِ ... مُفْتَضِحٍ بِما جَنَى مُذَمَّمِ
يَعْثِرُ وَسْطَ الدَّارِ مِنْ حَياِئه ... وَيَنْتفُ اْلأَهْدابَ مِنْ رِدائِه
يُعَطْعِطُ الْقَوْمُ بِهِ حَتَّى سَدَرْ ... وَافْتَتَحَ الْقَوْلَ بِعِيٍّ وَحَصَرْ
وَجاءَنا بِقِصَّةِ كَذَّابَهْ ... لَمْ يَفْتَحِ الْقَلْبُ لهَا أَبْوابَهْ
كَعُذْرِ الْعِنَّينِ بَعْدَ السَّابِعِ ... إلىَ عَرُوسٍ ذاِت هَنٍّ ضائِعِ
فَلَمْ يَزَلْ بِشَأنِهِ مُنْفَردا ... يَرْفَعُ بِالْكأْسِ إلىَ فِيِه يَدا
وَالْقَوْمُ مِنْ مُعَذِّلِ نَشْوان ... وَغَرِقٍ فِي نَوْمِهِ وَسْنانِ
كَأَنَّهُ آخِرُ خَيْلِ الْحَلْبَهْ ... لَهُ مِنَ المُجْهِزِ أَلْفُ ضَرْبَهْ
فَاسْمَعْ فَإِنِّي لِلصَّبُوحِ عائِبُ ... عِنْدِيَ مِنْ أَخْبارِهِ عَجائِبُ
إذا أَرْدتَ الشُّرْبَ عِنْدَ الْفَجْرِ ... وَالنَّجْمُ فِي لُجَّةِ لَيْلٍ يَسْرِي
وَكانَ بَرْدٌ وَالنَّدِيمُ يَرْتَعِدْ ... وَرِيقُهُ عَلَى الثَّنايا قَدْ جَمَدْ
وَلِلْغُلامِ ضَجرَةٌ وَهَمْهَمَهْ ... وَشَتْمَةٌ فِي صَدْرِهِ مُجَمْجِمَهْ
يَمْشِي بِلا رِجْلٍ مِنَ النُّعاسِ ... وَيَدْفِقُ الْكَأْسِ عَلَى الجُلاَّسِ
وَيَلْعنُ الَمْولَى إذا دعاهُ ... وَوَجْهُهُ إنْ جاءَ فِي قَفاهُ
وَإنْ أَحَسَّ مِنْ نَدِيمٍ صَوْتا ... قالَ مُجِيباً طَعْنَةً وَمَوْتا
وَإنْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ ساقٍ يُعْشقُ ... فَجَفْنُهُ بِجَفْنِهِ مُدَبَّقُ
وَرَأْسُهُ كَمِثْلِ فَرْوٍ قَدْ مُطِرْ ... وَصُدْغُهُ كاَلصَّوْلجَانِ المُنْكِسرْ
أُعْجِلَ عَنْ مِسواكِهِ وَزِينَتْهِ ... وَهَيْئَةٍ تُبِصْرُ حُسْنَ صُورَتِهْ
كَأَنَّهُ عَضَّ علَىَ دِماغِ ... مُتَّهَم اْلأَنْفاسِ وَاْلأَرْفاغِ
يَخْدُمُهُمْ بِشَفْشَجٍ مَحْلولِ ... وَيَجْعَلُ الْكَأْسَ بِلا مِنْديِلِ
فَإِنْ طَرَدْتَ الْبَرْدَ بِالُّستورِ ... وَجِئْتَ بالْكافُورِ وَالسَّمُّورِ
فَأَيَّ فَضْلٍ للصَّبُوِح يُعْرَفُ ... عَلَى الْغَبُوقِ وَالظَّلامُ مُسْدِفُ
وَقَدْ نَسِيتُ شَرَرَ الْكانُونِ ... كَأَنَّهُ نُثارُ ياسَمِينِ
تَرْمِى بِهِ الْجَمْرُ إلَى اْلأَحْداقِ ... فَإِنْ وَنَى قُرْطِسَ فِي اْلآماقِ
وَتُرِكَ الْبِساط بَعْدَ الجِدَّهْ ... ذا نُقَطٍ سُودٍ كَجِلْدِ الْفَهْدَهْ
فَقُطِعَ الَمْجِلسُ بِاكْتِئِابِ ... وَذِكْرِ حَرْقِ النَّارِ للِثِّيابِ
وَلَمْ يَزَلْ لِلقَوْمِ شُغْلاً شاغِلاً ... وَأَصْبَحَتْ جِبابُهُمْ مَناخِلا
حَتَّى إذا ما ارْتَفَعَتْ شَمْسُ الضُّحَى ... قيلَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ قَدْ أَتَى
وَرُبَّما كانَ ثَقِيلاً يُحْتَشَمْ ... فَطُوِّلَ الْكَلامَ
حِيناً وَخُتِمْ
وَرُفِعَ الرَّيحَان وَالنَّبِيذُ ... وَزالَ عَنْكَ عَبْثُكَ اللَّذِيذُ
وَلَسْتَ فِي طُولِ النَّهارِ آمِناً ... مِنْ حادِثٍ لَمْ يَكُ قَبْلُ كائِنا
أَوْ خَبَرٍ يُكْرَهُ أَوْ كِتابِ ... يَقْطَعُ طُولَ اللَّهْوِ وَالشَّرابِ
وَاسْمَعْ إلَى مَثالِبِ الصَّبُوحِ ... فِي الصَّيْفِ قَبْلَ الطَّائِرِ الصَّدُوحِ
جِينَ حَلا النَّوْمُ وَطابَ المَضْجَعُ ... وَانْكَسَرَ الْحَرُّ وَلَذَّ المَهْجَعُ
وَانْهَزَمَ الْبَقُّ وَكُنَّ وُقعَّا ... عَلَى الدِّماء كَيْفَ شِئْنَ شُرَّعا
مِنْ بَعْدِما قَدْ أَكَلُوا اْلأَجْسادا ... وَطَيَّرُوا عَنِ الْوَرَى الرُّقادا
فَقُرِّبَ الزَّادُ إلَى نِيامِ ... أَلْسُنُهُمْ ثَقِيلَةُ الْكَلامِ
مِنْ بَعْدِ أَنْ دَبَّ عَلَيْهِ النَّمْلُ ... وَحَيَّةٌ تَقْذِفُ سُمَّا صِلُّ
وَعَقْرَبٌ مَخْدُورَةٌ قَتَّالَهْ ... وَجُعَلٌ وَفَأْرَةٌ بَوَّالَهْ
وَللِمْغُنَيِّ عارِضٌ فِي حَلْقِهِ ... وَنَعْسَةٌ قَدْ قَدَحَتْ فِي حِذْقِهِ
وَإنْ أَرَدْتَ الشُّرْبَ بَعْدَ الْفَجْرِ ... وَالصُّبْحُ قَدْ سَلَّ سُيُوفَ الْحَرِّ
فَساعَةٌ ثُمَّ تَجِيءُ الدَّامِغَهْ ... بِنارِها فَلا تَسُوغُ سائِغَهْ
وَيَسْخَنُ الشَّرابُ وَالِمزاجُ ... وَيِكْثُرُ الخْلافُ وَالضِّجاجُ
مِنْ مَعْشَرٍ قَدْ جُرِّعُوا الحْمَيما ... وَأُطْعِموُا مِنْ زادِهِمْ سُمُومَا
وَأَوْلَعُوا بِالْحَكِّ وَالتَّفَرُّكِ ... وَعَصَتِ اْلآباطُ أَمْرَ الْمَرْتَكِ
وَصارَ رَيْحانُهُمُ كَالْقَتِّ ... وَكُلُّهُمْ لِكْلِّهمْ ذُو مَقْتِ
وَبَعْضُهُمْ عِنْدَ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ ... يُحسُّ جُوعاً مُؤْلِماً للنَّفْسِ
فَإِنْ أَسَرَّ ما بِهِ تَهَوَّسا ... وَلَمْ يُطِقْ مِنْ ضَعْفِهِ تَنَفُّسا
وَطافَ فِي أَصْداغِهِ الصُّداعُ ... وَلَمْ يَكُنْ بِمْثِلِهِ انْتِفاعُ
وَكَثُرَتْ حِدَّتُهُ وَضَجَرُهْ ... وَصارَ كَالْجَمْرِ يَطِيرُ شَرَرُهْ
وَهَمَّ بالْعَرْبَدَةِ الْوَحْشِيَّهْ ... وَصَرَفَ الْكاساتِ وَالتَّحَّيِهْ
وَظَهَرتْ مَشَقَّةٌ فِي حَلْقِهِ ... وَماتَ كُلُّ صاحِبٍ مِنْ فَرْقِهِ