خبيث النية، فاسد الطوية، جائر المعاتب، طالب للمعائب، يقلب لسانه بالملق، ساتر بالتخلق وجه الخلق، موجود عند الرجاء، مفقود مع البلاء. فأتعب عقلك باختياره، ولا توحش نعمتك باصطناعه.
فصل في صفة كتاب
الكتاب والج للأبواب، جرئ على الحجاب. مفهم لا يقيم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، ومنه يداوي الفراق.
فصل اعتذار
ترفع أعزك الله عن ظلمي إن كنت بريئاً، وتفضل بالعفو عني وإن كنت مسيئاً، فو الله إني لا طلب غفر ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة مما لا أعرفه، لتزداد تطولاً، وأزداد تذللاً. وأنا أعيذ حالي عند تكرمك من حاسد يكيدها، ولحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله أن يجعل حظي منك بقدر ودي لك، ومحلي من رأيك بحيث أستحق منك.
فصل في الشوق
إني لآسف على كل يوم فارغ منك، وكل لحظة لا تؤنسها رؤيتك. وسقياً لدهر كان موسوماً بالإجتماع معك، معموراً بلقائك، جمع الله شمل سروري بك، وعمر بقائي بالنظر إليك.
شفاعة في شغل
من عظمك النعمة عليه كثرت الرغبة إليه؛ فاستجلب بالإنعام منك إنعام الله عليك، واسترد ما نهب منك ما يهب لك، واجعل حظي من ولايتك قبول اختياري لك، هذا الرجل، واخلطه بأوليائك القايلين في ظلك، فقد أفردك رغبته، وصرف إليك وجه رجائه، وليس فيه فضل للإنتظار، ولا بقية للإذكار، فعجل إن نويت جوداً، وبادر إن نويت صنعاً، ولا تكن ممن ولايته وعد، وصرفه إعتذار.
فصل في فراق
كأن الدهر أبخل من أن يمليني بك، وأنكد من أن يسوغني قربك وإني له لصابر إلا على فقدك، وراض إلا ببعدك.
فصل في العفو
لا تشن حسن الظفر بقبح الإنتقام، وتجاوز عن مذنب لم يسلك بإقرار طريقا؛ حتى اتخذ من رجاء عفوك رفيقاً.
تهنئة بمولود
اتصل بي خبر مولودك، فسرني لك ما سرك، وأنا أسأل الله أن يتبع النعمة بك عليك ببقائه لك، وأن يعمرك حتى ترى زيادة إليه منه كما رأيتها به.
فصل دعاء
تولى الله عني مكافأتك، وأعان على فعل الخير نيتك، وأصحب بقاءك عزاً يبسط يدك لوليك، وعلى أعدائك، وكلاءة تذب عن ودائع مننه عندك، وزاد في نعمك وإن عظمت، وبلغك آمالك وإن إنفسحت.
مثله
لا أزال الله عنا ظلك، وأعلى في شرف المنازل مرتقاك، ولا أعدمنا فيك إحساناً باقياً، ومزيداً متصلاً، ويوماً محموداً، وغداً مأمولاً، وعزاً يمكن قبضتك، ويمد بسطتك.
تعزية
عارية سرك الله بمدتها، وآثرك بثوابها، وأثابك عند ارتجاعها، فأبشر بعاجل من صنعه، وآجل من جزائه ومثوبته.
عزم الله أجرك، وجعل الثواب عوضك، ووفقك لنيل مرضاته عنك، وإنا لله قولاً بما علم نتنجز به ما وعد.
تعزية
الخلود في الدنيا لا يؤمل، والفناء لا يؤمن، ولا سخط على حكم الله ولا وحشة مع خلافته، والأنس بطاعته، فأد ما استرد صابراً،
وأصبح لما استرجع مسلما؛ فإن من علم أن النعمة تفضل من واهبها شكرها مقبلة، وصبر عنها مولية، جعلك الله محتملاً للنعمة مؤدياً للشكر، صابراً عنه المحنة، محفوظاً موفور أجرها، والفوز بالصبر عليها.
ومن فصول لعبد الله قصار
الحكمة شجرة تنبت في القلب، وتثمر من اللسان. لا يقوم عز الغضب بذل الاعتذار. الشفيع جناح الطالب، والبشر رائد الراغب، المرض حبس البدن، والهم حبس الروح. الغضب يبدأ بالعصيان؛ يعظم ذنبه ويقبح صورته، ويعمل بذمه. أول الدنيا إلى إنقضائها كصور في صحيفة كلها نشر بعضها وطوى بعضها. اصبر على مصاحبة الكريم وإن اختلت حاله، فليس ينتفع بالجوهرة من لم ينتظر بقاءها. الشرير لا يظن بالناس خيراً لأنه يراهم بعين طبعه. لئن استبطأنا إجابة دعائنا، لقد سددنا طرقه بذنوبنا. كلما كثر حفاظ الأسرار ازدادت ضياعاً. أعدل الناس من أنصف عقله من هواه، ومن لم يملك ذلك فليس لعقله سلطان. بئس مال البخيل لحادث أو وارث. الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له؛ يحفل بما لا يملكه، طالب لما لا يجده. شكرك نعمة سالفة، يقتضى لك نعمة مستأنفة. كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحاً فيها. الوعد راحة الجود، والمطل مرضه، والإنجاز بره. الساعي كاذب لمن سعى إليه، أو خائن لمن يسعى به.
كفى بالظلم داعياً لنقمه، وطارداً لنعمه. البلاغة أن تقرب ما تريد، ولم تطل سفن الكلام. خير المعروف ما لم يتقدمه مطل، ولم يتبعه من. إذا حضرت الآجال افتضحت الآمال. الصبر على المصيبة يفل حد الشامت بها، ويطيل عبوس المتضاحك لها. المعروف رق، والمكافأة عتق. انتظر عند الظلم عدل الله فيك، وعند المقدرة قدرة الله عليك، ولا يحملك اللجاج على اقتراف إثم، فتشفى غيظك، ويسقم دينك. أعرف الناس بالله أرضاهم بأقداره. الدنيا تهين من أكرمت، والأرض تأكل من أطعمت. من كان في يدك فهو بك أملك منك بنفسك. غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله، لا تعينن من وليته على جبايته بقلة جرايته، فليس يكفيك من لم يكفه. بعض التقدير للقدر دفع، كل علو خطر، وربما أدى إلى الهلاك الحذر.
بسم الله الرحمن الرحيم
أمر من بقي من بني العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن
خليفة للعباسية
شِعْر
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ
وَطَرُفُ مِنْ أخْباِرهِ وَالسَّبَبُ الذَّيِ ادَّعَى لَهُ الِخلافَةَ
حدثنا محمد بن موسى البربري، قال حدثنا محمد بن صالح النطاح قال حدثني أبو مسعود الكوفي؛ قال قال أبو العباس السفاح لعبد الله ابن علي عمه إن قتلت مروان فلك الخلافة بعدي، فقتل مروان لأن صالح بن علي كان من تحت يده.
حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا بن صالح قال حدثني أبو قريش ريحان خادم أبي مسلم، وكان قد جاز المائة، قال قال أبو العباس. من يسير إلى مروان فهو ولي عهدي، فقال عبد الله بن علي أنا.
وقد ذكرنا خبر خروجه وأمانه وموته في أخبار المنصور حدثنا محمد بن زكريا اللؤلؤي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك
عن الهيثم بن عدي، قال لما قتل عبد الله بن علي بني أمية قال:
الظُّلْمُ يَصْرَعُ أهْلَهُ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ
وَلَقَدْ يَكُونُ لَكَ الْبِع ... دُ أَخاً وَيَقْطَعُكَ الحَمِيمُ
حدثنا مشيح بن حاتم العكلي؛ قال أنشدنا يعقوب بن جعفر ابن عبد الله بن علي لما قتل بني أمية بنهر أبي فطرس
بنَيِ أُميَّةَ قَدْ أُفْنَيْتُ آخِرَكُمْ ... فَكَيْفَ لِي مِنْكُمُ بِاْلأَوَّلِ الماضِي
يُطَيِّبُ النَّفْسَ أَنَّ النَّار تَجْمَعُكُمْ ... عُوِّضْتُمُ مِنْ لظَاها شَرَّ مُعْتاضِ
فَنِيُتُم لا أقالَ اللهُ عَثْرَتَكُمْ ... بِلَيْثِ غابٍ إلىَ اْلأَعْداء نَهَّاضِ
إن كانَ غَيْظِي بِفَوْتِ مِنْكُمُ فَلَقَدْ ... رَضِيتُ فِيكُمْ بما رَبيَّ بِهِ رِاضىِ
حدثنا الغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك: قال حدثنا الهيثم ابن عدي قال: أشرف عبد الله وهو مستخف بالبصرة عند أخيه سليمان بن علي؛ فرأى رجلاً له جمال يجر أثوابه ويتبختر؛ فقيل من هذا؟ فقيل فلان الأموي، فقال يا أسفي، وإن في طريقنا بعد منهم لوعثا، وقال لمولى له بحقي عليك إلا جئتني برأسه؛ ثم أنشد قول سديف:
عَلامَ وَفِيمَ تُتْرَكُ عبد شَمْسٍ ... لهَا فِي كُلِّ راعِيَةٍ ثُغاءُ
فَما فِي الْقَبْرِ فِي حَرَّانَ مِنْها ... وَلَوْ قُتِلَتْ بِأَجْمَعِها فِداءُ
يعني قبر إبراهيم بن محمد الإمام، فمضى مولاه فأخبر سليمان بما قاله، فنهاه أن يقبل منه، فاعتل عليه بأنه فاته.
حدثنا عون بن محمد الكندي، قال حدثنا إسحق الموصلي قال حدثنا الحارث بن الليث مولى عبد الله بن علي عن أبيه قال جعل عبد الله بن ينظر إلى القتلى يوم الزاب، والتفت إلى أبي عون بن محمد بن صول وهما إلى جانبه فقال:
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَذْهَبَ حُزْنَها ... أَخْذِي بِثَأْرِي مِنْ بَنِي مَرْوانِ
وَمِنَ آلِ حَرْبٍ لَيْتَ شَيْخِي شاهِدٌ ... سَفْكِي دِماءَ بَني أبِي سُفْيانِ
حدثني أبو العيناء قال حدثنا الأصمعي؛ قال سمعت جعفر بن سليمان يقول لما قتل عبد الله بن علي من قتل من بني أمية بلغ ذلك إلى سليمان بن علي؛ فقال ما كنت أحب لأخي أن يحتقب هذا الأمر ولقد وفى بما قال صغيراً، بقوله كان أبونا علي بن عبد الله يقول له يا بني إن تمكنت من بني أمية ما تصنع بهم؟ فيقول أذبحهم، قال وقال عبد الله بن علي لأبيه، يا أبت كل ولدك اثنان من أم وثلاثة غيري؛ فإنه لا أخ لي من أمي فأوص بي، قال فأوصى إلى سليمان ابن علي به، وكان سليمان وصى علي بن عبد الله، قال جعفر فكان