وأصبح لما استرجع مسلما؛ فإن من علم أن النعمة تفضل من واهبها شكرها مقبلة، وصبر عنها مولية، جعلك الله محتملاً للنعمة مؤدياً للشكر، صابراً عنه المحنة، محفوظاً موفور أجرها، والفوز بالصبر عليها.
ومن فصول لعبد الله قصار
الحكمة شجرة تنبت في القلب، وتثمر من اللسان. لا يقوم عز الغضب بذل الاعتذار. الشفيع جناح الطالب، والبشر رائد الراغب، المرض حبس البدن، والهم حبس الروح. الغضب يبدأ بالعصيان؛ يعظم ذنبه ويقبح صورته، ويعمل بذمه. أول الدنيا إلى إنقضائها كصور في صحيفة كلها نشر بعضها وطوى بعضها. اصبر على مصاحبة الكريم وإن اختلت حاله، فليس ينتفع بالجوهرة من لم ينتظر بقاءها. الشرير لا يظن بالناس خيراً لأنه يراهم بعين طبعه. لئن استبطأنا إجابة دعائنا، لقد سددنا طرقه بذنوبنا. كلما كثر حفاظ الأسرار ازدادت ضياعاً. أعدل الناس من أنصف عقله من هواه، ومن لم يملك ذلك فليس لعقله سلطان. بئس مال البخيل لحادث أو وارث. الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له؛ يحفل بما لا يملكه، طالب لما لا يجده. شكرك نعمة سالفة، يقتضى لك نعمة مستأنفة. كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحاً فيها. الوعد راحة الجود، والمطل مرضه، والإنجاز بره. الساعي كاذب لمن سعى إليه، أو خائن لمن يسعى به.
كفى بالظلم داعياً لنقمه، وطارداً لنعمه. البلاغة أن تقرب ما تريد، ولم تطل سفن الكلام. خير المعروف ما لم يتقدمه مطل، ولم يتبعه من. إذا حضرت الآجال افتضحت الآمال. الصبر على المصيبة يفل حد الشامت بها، ويطيل عبوس المتضاحك لها. المعروف رق، والمكافأة عتق. انتظر عند الظلم عدل الله فيك، وعند المقدرة قدرة الله عليك، ولا يحملك اللجاج على اقتراف إثم، فتشفى غيظك، ويسقم دينك. أعرف الناس بالله أرضاهم بأقداره. الدنيا تهين من أكرمت، والأرض تأكل من أطعمت. من كان في يدك فهو بك أملك منك بنفسك. غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله، لا تعينن من وليته على جبايته بقلة جرايته، فليس يكفيك من لم يكفه. بعض التقدير للقدر دفع، كل علو خطر، وربما أدى إلى الهلاك الحذر.
بسم الله الرحمن الرحيم
أمر من بقي من بني العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن
خليفة للعباسية
شِعْر
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ
وَطَرُفُ مِنْ أخْباِرهِ وَالسَّبَبُ الذَّيِ ادَّعَى لَهُ الِخلافَةَ
حدثنا محمد بن موسى البربري، قال حدثنا محمد بن صالح النطاح قال حدثني أبو مسعود الكوفي؛ قال قال أبو العباس السفاح لعبد الله ابن علي عمه إن قتلت مروان فلك الخلافة بعدي، فقتل مروان لأن صالح بن علي كان من تحت يده.
حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا بن صالح قال حدثني أبو قريش ريحان خادم أبي مسلم، وكان قد جاز المائة، قال قال أبو العباس. من يسير إلى مروان فهو ولي عهدي، فقال عبد الله بن علي أنا.
وقد ذكرنا خبر خروجه وأمانه وموته في أخبار المنصور حدثنا محمد بن زكريا اللؤلؤي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك
عن الهيثم بن عدي، قال لما قتل عبد الله بن علي بني أمية قال:
الظُّلْمُ يَصْرَعُ أهْلَهُ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ
وَلَقَدْ يَكُونُ لَكَ الْبِع ... دُ أَخاً وَيَقْطَعُكَ الحَمِيمُ
حدثنا مشيح بن حاتم العكلي؛ قال أنشدنا يعقوب بن جعفر ابن عبد الله بن علي لما قتل بني أمية بنهر أبي فطرس
بنَيِ أُميَّةَ قَدْ أُفْنَيْتُ آخِرَكُمْ ... فَكَيْفَ لِي مِنْكُمُ بِاْلأَوَّلِ الماضِي
يُطَيِّبُ النَّفْسَ أَنَّ النَّار تَجْمَعُكُمْ ... عُوِّضْتُمُ مِنْ لظَاها شَرَّ مُعْتاضِ
فَنِيُتُم لا أقالَ اللهُ عَثْرَتَكُمْ ... بِلَيْثِ غابٍ إلىَ اْلأَعْداء نَهَّاضِ
إن كانَ غَيْظِي بِفَوْتِ مِنْكُمُ فَلَقَدْ ... رَضِيتُ فِيكُمْ بما رَبيَّ بِهِ رِاضىِ
حدثنا الغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك: قال حدثنا الهيثم ابن عدي قال: أشرف عبد الله وهو مستخف بالبصرة عند أخيه سليمان بن علي؛ فرأى رجلاً له جمال يجر أثوابه ويتبختر؛ فقيل من هذا؟ فقيل فلان الأموي، فقال يا أسفي، وإن في طريقنا بعد منهم لوعثا، وقال لمولى له بحقي عليك إلا جئتني برأسه؛ ثم أنشد قول سديف:
عَلامَ وَفِيمَ تُتْرَكُ عبد شَمْسٍ ... لهَا فِي كُلِّ راعِيَةٍ ثُغاءُ
فَما فِي الْقَبْرِ فِي حَرَّانَ مِنْها ... وَلَوْ قُتِلَتْ بِأَجْمَعِها فِداءُ
يعني قبر إبراهيم بن محمد الإمام، فمضى مولاه فأخبر سليمان بما قاله، فنهاه أن يقبل منه، فاعتل عليه بأنه فاته.
حدثنا عون بن محمد الكندي، قال حدثنا إسحق الموصلي قال حدثنا الحارث بن الليث مولى عبد الله بن علي عن أبيه قال جعل عبد الله بن ينظر إلى القتلى يوم الزاب، والتفت إلى أبي عون بن محمد بن صول وهما إلى جانبه فقال:
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَذْهَبَ حُزْنَها ... أَخْذِي بِثَأْرِي مِنْ بَنِي مَرْوانِ
وَمِنَ آلِ حَرْبٍ لَيْتَ شَيْخِي شاهِدٌ ... سَفْكِي دِماءَ بَني أبِي سُفْيانِ
حدثني أبو العيناء قال حدثنا الأصمعي؛ قال سمعت جعفر بن سليمان يقول لما قتل عبد الله بن علي من قتل من بني أمية بلغ ذلك إلى سليمان بن علي؛ فقال ما كنت أحب لأخي أن يحتقب هذا الأمر ولقد وفى بما قال صغيراً، بقوله كان أبونا علي بن عبد الله يقول له يا بني إن تمكنت من بني أمية ما تصنع بهم؟ فيقول أذبحهم، قال وقال عبد الله بن علي لأبيه، يا أبت كل ولدك اثنان من أم وثلاثة غيري؛ فإنه لا أخ لي من أمي فأوص بي، قال فأوصى إلى سليمان ابن علي به، وكان سليمان وصى علي بن عبد الله، قال جعفر فكان
عبد الله لوصية علي به أحب إلى سليمان أبي من أخيه، صالح بن علي وهو لأمه وأبيه.
حدثني عمرو بن تركي القاضي قال حدثنا القحذمي عن أبيه قال وفد على علي بن عبد الله رجل من ولد الخطاب بن عبد مناف، فقال له إن الوليد بن عبد الملك شديد العلة، فتمثل على بن عبد الله بقول يزيد بن الصعق الكلابي:
أَوَارِدَةٌ عُلْيا عُكاظٍ تُصلُّهِا ... فِراسٌ وَلمَّا فَوْقَها الصَّاعُ مُهْوَعا
فقال له الرجل لئن مضى للجبلين أهله دما، قال فلما قتل عبد الله ابن علي من قتل روى له هذا الخبر، فأنشد البيت الذي تمثل به أبوه فقال عبد الله بنحو ذلك:
وَرَدْنا دِماءً مِنْ أُمَيَّة عَذْبَةً ... وَكِلْنا لهَا فِي الْقَتْلِ بِالصَّاعِ أصْوُعا
وَما فِي كَثِيرٍ مِنْهُمُ لِقَتِيلنِا ... وَفاءٌ وَلَكِنْ كَيْف بِالثَّأْرِ أَجْمَعا
إذا أَنْتَ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الشَّرِّ كُلِّهِوَأَعْطَيْتَ بَعْضاً فَلْيَكُنْ لَكَ مَقْنَعا
رَعَيْنا نُفوساً مِنْهُمُ بِسُيوفِنا ... وَصاحَ بِهِمْ داعِي الْفَناءِ فَأَسْمَعا
قَضَيْنا بِهِم دَيْناً وَزِدْنا عَلَيِهْمُكما زَادَ بَعْدَ الْقَرْضِ منْ قَدْ تَطَوَّعا
وَكانَ لَهُمْ مِنْ باطِلِ المُلْكِ عِارضٌفَلَمَّا عَلَتْهُ الشَّمْسُ حَقّاً تَقَشَّعا
فَلَيْت عَلِىُّ الْخَيْرِ شاهِدَ أَسْهُمٍأَصابَتْهُمُ لَمْ يُبْقِ فِي الْقَوْسِ مَنْزَعا
حدثنا جبلة بن محمد بن جبلة، قال حدثني أبي قال لما دخل أبو مسلم الكوفة أمر أن يكون إلى جانبه رجل تعرفه الناس، فجاءوه برجل فلقيه عبد الله بن شبرمة الضبي، فسلم عليه ودعا له فأقبل عليه لجلالته وفصاحته، فقال له الرجل هذا ابن شبرمة الضبي، قال فزوى وجهه عنه ففطن ابن شبرمة لذلك، وقال قلت في نفسي ذكر والله يوم الجمل، فقلت أيها الأمير إني من ضبة الكوقة ولست من ضبة البصرة، وقد كانت مع أمير المؤمنين علي عليه السلام يوم الجمل تقاتل ضبة البصرة، قال فأقبل عليَّ وقال كن معنا فسايرته إلى أن نزل وأمرني فنزلت، فدخلت معه بيتاً فيه سيف ومصحف، فقال يا ابن شبرمة إن هذا يريد المصحف يأمرني بهذا يريد السيف فقلت قد علم الأمير أن هذا ينهاه عن هذا إلا في حقه، قال صدقت، ثم كتب كتاباً إلى عبد الله بن علي يحضه فيه على صلة الرحم وجمع الألفة والبيعة لابن أخيه المنصور، ويرغبه ويرهبه، فلما فرغ منه قال لي انظر فيه فنظرت فإذا هو لم يبق غاية، فقال زد فيه شيئاً يا ابن شبرمة، قال فلم أر للزيادة وجهاً إلا أن يكون شعراً فقلت:
قُلْ لأِخِي مُكاشَرَةٍ وَضِغْنٍ ... سَعَرْتَ الْحَربَ بَيْنَ بَنِي أبِيكا
فَأَوْرَثْتَ الضَّغائِنَ مِنْ بِنَيِهْم ... بَنِي أَبْنائِهِمْ وَبَنِي بَنِيكا
وَلَوْ طاوَعْتَني وَقَبِلْتَ رَأْيِي ... لَسِرْتَ لَهُمْ بِسِيرَةِ أَوَّليكَا
وَأَقْرَرْتَ الخِلافَةَ حَيْثُ حَلَّتْ ... وَلَمْ تَعْرِضْ لِمُلْك بَنِي أَخِيكَا
كَأَنَّك قَدْ أصابَكَ سَهْمُ غَرْبٍ ... وَغادَرَكَ الْعُداةُ وَأَسْلَمْوكَا
فقرأه فاستحسنه، وأنفذ الكتاب، فعاد الجواب من عبد الله ابن علي:
ذَرِيِنِي وما جَرَّتْ عَلَى يَّدَ الدَّهْرِفَما يَصْعُبُ الأمْرُ المَهولُ عَلَى حُرِّ
يَرَى الَمْوتَ لا يَنْحاشُ عَنْهُ تُكَرُّماًوَصَبْراً وإِنْ كانَ الْقِيامُ علَىَ الْجَمْرِ
حِفاظاً لِما قَدْ وَرَّثَتْنا جُدُودنُاوَصَبْراً وَمَا لِلْمَرءِ خيْرٌ مِنَ الصَّبْرِ
بِذَلِك أَوْصانَا الْكِرامُ وَلَمْ نَزَلْعَلَى تِلْكَ نَمْضِي لا نَضِجُّ مِنَ الدَّهْرِ
قال أبو بكر والأبيات للحصين بن الحمام المزني حدثنا الحسين ابن إسماعيل قال حدثنا علي بن عبد الله السلمي، قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الحميد بن فضالة بدمشق قال أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن، قال حدثنا عتبة بن حماد الحكمي أبو خليد القاريء، قال حدثنا عبد الرحمن الأوزاعي، قال بعث إلى عبد الله بن علي وأعظمني ذلك واشتد على فأقدمت وأدخلت عليه والناس قيام سماطين بين يديه في أيديهم المكافر كوبات فأدناني ثم قال لي يا عبد الرحمن ما تقول في