حدثنا أبو ذكوان قال حدثنا ابن عائشة قال قالت امرأة من نساء بني أمية لعبد الله بن علي قتلت من أهلي وذويهم اثنى عشر ألفاً فيهم ألفا لحية خضيبة، فقال عبد الله
تُكَبِّرُ عِنْدِي الْقَتْلَ وَهُوَ صَغِيٌر ... عَلَى مَأْرَبٍ وَالدَّائِراتُ تَدُورُ
وَقالَتْ قَتَلْتَ اْلأَهْلَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ ... وَأَنْتَ بِعَفْوٍ لَوْ تَشاءُ جَدِيرُ
فَقُلْتَ وَهَلْ فِيكُمْ لِعَفِوىَ مَوْضِعٌ ... وَلي مِنْكُمُ بَعْدَ الْقَناةِ ثُؤُورُ
لَئِنْ دَنَتِ اْلأَنْسابُ مِنَّا وَمِنْكُمْ ... لَقَدْ باعَدتها بِاْلِعراقِ قُبورُ
فَلا تُنْكِروا أنْ يُؤْخَذَا اَلحْقُّ مِنْكُمْ ... فَما فِي قِصاصٍ الُمْسِلمِينَ نَكِيرُ
وَإنْ تَكُ يُمْنانا أَصابَتْ يَسارنَا ... بِجُرْحٍ فَما جُرْحُ الْيَمين يَضيِرُ
وَقَدْ كُنْتُمُ فِي الشِّرْكِ تَحْذُونَ حذْوَنا ... وَكُلٌّ إلىَ أقْصَى المساءِ يَسِيرُ
فَلَمَّا أتَى اْلإِسْلامُ أَظْلَمَ فَخْرُكُمْ ... وَلاحَ لنَا بَدْرُ الْفَّخار يُنِيِرُ
وَلَوْ شِئْتُمُ ما غابَ عَنْكُمْ ضِياؤُهُ ... وَلكِنْ أباهُ غادِرٌ وَكَفُورُ
حدثنا عون بن محمد الكندي قال حدثني عبد الله بن أبي الخطاب عن أبيه قال لما دخلت ابنة مروان بن محمد علي بن عبد الله بن علي حين قتل مروان فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فقال لست به، فقالت السلام عليك أيها الأمير، قال وعليك السلام
قالت ليسعنا عدلكم، قال إذن لا يبقى على الأرض منكم أحد لأنكم حاربتم علياً عليه السلام، ودفعتم حقه ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين بن علي عليه السلام، وقطعتم رأسه، وقتلتم زيد بن علي وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثلتم به، ولعنتم علي ابن أبي طالب عليه السلام على منابركم، وضربتم علي بن عبد الله ظلماً بسياطكم، وحبستم الإمام إبراهيم في حبسكم، فعدلنا ألا نبقى منكم أحداً، فقلت فليسعنا عفوكم قال أما هذا بنعم، ثم أمر برد أموالها عليها ثم قال عبد الله بن علي:
سَنَنْتُمْ عَلَينْا الْقَتْلَ لا تُنْكِرونَهُفَذُوقُوا كَما ذُقْنا عَلَى سالف الدَّهْر
حدثنا الحسين بن فهم ومحمد بن موسى ومحمد بن سعيد قالوا حدثنا محمد بن صالح النطاح أبو عبد الله قال وجه عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى صالح بن علي، فنظر إليه وتحول فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال صالح بن علي لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في في هر لكفانا ذلك! حدثنا الغلابي قال حدثنا العتبي قال لما أتى عبد الله بن علي موت السفاح ادعى الخلافة، وجعل يقول ذاك ولا يخطب به ولا يشهره حتى دخل البعلبكي المؤذن، فاستأذن وسلم بالخلافة عليه، فخطب الناس ولم يجد بداً من أن يشهر أمره، وكان البعلبكي معه قبل أن يصير مع المنصور، ومدحته الشعراء بالخلافة فقال رؤبة:
يا أَيُّها اْلقاِئلُ قَوْلاً أَجْنَفا ... سَفاهَةً مِنْ قَوْلِهِ وَسَرفَا
ما قامَ عَبْدُ اللهِ إلاَّ آنِفا ... خَوْفاً عَلَى اْلإِسْلامِ أَنْ يُسْتَضْعَفَا
وَأَنْ يُرامَ نَقْضُهُ فَيَتْلفَا ... وَمِنْ صَلاحِ النَّاسِ أَنْ يُسْتَخْلَفا
عَمٌّ بِعَهْدِ ابْنِ أخٍ تَلَحَّفَا ... أَشْجَعُ مِنْ لَيْثِ عَرِينٍ أَغْضَفَا
وقال رؤبة أيضاً
إنَّ لِعَبْدِ اللهِ عِنْدِي أثَرا ... وَنِعماً جَزاؤُها أَنْ تُشْكَرَا
أَبْهَى الرِّجالِ مَنْظراً ومَخْبَرَا ... قَدَّمَهُ اللهُ فَما تَأَخَّرا
حدثني الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا يحيى بن زكريا مولى علي بن عبد الله قال لما قتل عبد الله بن علي من بني أمية قال عبد الله ابن عمر بن عبد الله بن علي الْعَبَلي وَاْلعَبَلات من بني شمس
تَقُولُ أُمامَةُ لَمَّا رَأَتْ ... شُخوصِي عَنِ المَنْزِلِ المُنْفَسِ
وَقِلَّةَ نَوْمِي عَلَى مَضْجَعِي ... لَدَى هَجْعَةِ اْلأَعْيُنِ النُّعَّسِ
فقال فيها
أَفاضَ المَدامِعَ قَتْلَى كُدا ... وَقَتْلَى بِكُثْوَةَ لمْ تُرْمَسِ
وَقَتْلىَ بِوَجٍّ وَباِللاَّبَتَيْ ... نِ مِنْ يَثْرِبٍ خَيْرِ ما أَنْفُسِ
وَباِلزَّابِيَيْنِ نُفُوسٌ ثَوَتْ ... وَقَتْلىَ بِنَهْرِ أبِي فُطْرُسِ
أَولِئكَ قَوْمٌ أَناخَتْ بِهِمْ ... نَوائِبُ مِنْ زَمَنٍ مُتْعِسِ
فَزَلَّتْ حَياتِي لِمَنْ رَامَها ... وَأَنْزَلتِ الرَّغْمَ بِالِمْعَطِس
فبلغ قوله هذا عبد الله بن علي، فقال عبد الله بن علي:
شَفَى النَّفْسَ لَوْ أَنَّها تَشْتَفِي ... دِماءٌ بِنَهْرِ أبِي فُطْرُسِ
وَقَتْلَى كُدًي حِينَ أَرْدَيْتُهُمْ ... بِكُثْوَةَ وَالَوْاضِحِ اْلأَمْلَسِ
وَقَتْلَى بِوَجٍّ مِنَ الظَّالمِيِنَ ... إلىَ النَّارِ مارَتْ وَلَم تُرْمَسِ
فَمَنْ كانَ قَتْلَهُمُ ساخِطاً ... يَعَضُّ مِنَ الرَّغْمِ بِالْمْعطَسِ
حدثنا أبو الحسن مشيح بن حاتم العكلي، قال حدثنا يعقوب ابن جعفر بن سليمان الهاشمي، قال لما كتب جدي سليمان بن علي وسائر إخوته الأمان لأخيهم عبد الله بن علي على المنصور، قال لهم هذا الأمان لازم إذا وقعت عيني عليه، فلما أدخل داره عدل به ولم يره المنصور، فحبس فكتب من الحبس إلى إخوته: هذه حيلة
جرت على بكم ومنكم فاحتالوا لي فيها، قال وأنشدني من شعره في حبسه ذلك:
نَقَضَ الْعَهْدَ خائِسٌ بِالأمانِ ... مُسْتَحِلٌّ مَحارِمَ الرَّحْمنِ
سَلَبَتْنا الْوَفاءَ وَالْحِلْمَ طَوْعاً ... فَاعْتَلْينا بِهِ بَنُو مَرْوانِ
لَيْتَنِي كُنْتُ فِيِهمُ حَسَبَ الْعيْ ... شِ طَلِيقاً أَجُرُّ حَبْل اْلأَمانِي
كُلُّ عَتْبٍ تُعيِرُنيِه اللَّيالِي ... فَبِسَيْفِي جَنَيْتُهُ وَلسِاني
حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا عمرو بن شبة قال حدثني محمد ابن يحيى قال حدثني عبد الله بن يحيى بن علي عن عبد الله بن الحسين ابن الفرات قال رحت عشية من قرية بطريق مكة مع عبد الله وحسن ابني حسن بن حسن فضمنا المسير وداود وعيسى وعبد لله ابن علي بن عباس قال فسار عبد الله وعيسى ابنا علي أمام القوم فقال داود لعبد الله بن حسن لم لا يظهر محمد أبو ذاك قبل ملك بني العباس؟ فقال عبد الله لم يأت الوقت الذي يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنهم الذين يظهر عليهم قتلا ذريعاً، قال فسمع عبد الله بن علي الحديث، فالتفت إلى عبد الله بن حسن، فقال يا أبا محمد:
سَيَكْفِيكَ الجُعالَةَ مُسْتَمِيتٌ ... خَفِيفُ الحَاِذ مِنْ فِتْيانِ جَرْمِ
أنا والله الذي أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، وولد عبد الله بن علي في آخر ذي الحجة سنة اثنتين ومائة، وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة.
شِعْرُ
أبِي مُوسَى عِيسى بْنِ مُوسى
بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِّيِ بن
عَبْدِ اللهِ وَطُرَفُ أَخْبارِهِ
حدثني مشيح بن حاتم العكلي قال حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان قال ذكر عيسى بن موسى بين يدي أبي جعفر بن سليمان فقال ذاك شيخ الدولة وسيد الأهل، وكان أبوه موسى بن محمد غزا مع أبيه محمد في غزاة ذي الشامة المعيطي، فتوفي فقدم محمد ذا الشامة ليصلي عليه فأبى وقال أنت أحق بذلك، فقدمه فصلى عليه وبقي ذو الشامة على قبره حتى دفن، وكان يجيء إلى أبيه وهو مريض فيسأله عنه، فشكر ذلك السفاح وسائر ولد أبيه، فلم ينالوا لما جاءت دولتهم معيطياً بمكروه.
ويروى أنه دست إلى عيسى بن موسى شربة لما امتنع من البيعة للمهدي فأفلت منها بعد أن تناثر شعره، فقال في ذلك يحيى بن زياد ابن أبي جرية البرجمي:
أَفْلَتَ مِنْ شَرْبَةِ الطَّبِيبِ كَما ... أَفْلَتَ ظَبْيُ الصَّرِيمِ مِنْ قُتَرِهْ
مِن قابِضِ يَقْبِضُ الْعَريِضَ إذا ... رُكَّبَ سَهْمُ الحُتوفِ فِي وَتَرِهْ
دافَعَ عَنْهُ الْعَظيِمُ قُدْرَتُهُ ... صَوْلَةَ لَيْثٍ يَزِيدُ فِي خُمُرِهْ
حَتَّى أَتانا وَنارُ شَرْبَتِهِ ... تُعْرَفُ فِي سَمْعِهِ وَفِي بَصَرِهْ
أَزْعَرُ قَدْ طارَ عَنْ مَفارِقِهِ ... وَحْفٌ أَثِيتُ النَّباتِ مِنْ شَعَرِهْ
حدثني الغلابي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال دخل أو نخيلة على المنصور فأنشده أرجوزة منها:
قُلْ لِلأَميِر الْواحِدِ المُوَحِّدِ ... إنَّ الذَّي وَلاَّكَ رَبُّ الَمسجِدِ
خِلافَةً تَبْلُغُ أَقْصَى الْمُسْنَدِ ... فِيكُمْ عَلَى رَغْمِ أُنوفِ الحُسَّدِ
لَيْسَ وَلِيُّ عَهْدِها بِاْلأَرْشَدِ ... وَهْيَ عَلَى جَوْزٍ وَبُعْدِ مَقْصِدِ
مَهِّدْلهَا قَصْدَ السَّبِيلِ تَهْتَدِي ... عِيسَى فَرَحِّلْها إلىَ مُحَمَّدِ
حَتَّى تَكُونَ مِنْ يَدٍ إلىَ يَدِ ... فَقَدْ رَضِينا بِالُهمَامِ اْلأَمْرَدِ
وَقَدْ عَقَدْنا غَيْرَ أَنْ لَمْ نَشْهَدِ ... وَغَيْرَ أَنَّ اْلعَقْدَ لَمْ يُؤَكَّدِ
فوصله المنصور وكتب له بمال إلى الري فخرج وأخذه حدثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفي قال حدثني أبي عن محمد ابن قيس الأشعثي، قال لما قال أبو نخيلة ما قال: ليس ولي عهدها بالأرشد؛
قال عيسى بن موسى وما يدري العبد، فوالله ما أتيت غياً قط! ثم قال يعرض بالمنصور:
وَما آمِر بِالسُّوءِ إلاَّ كَفاعِلٍ ... وَما سامِعٌ إلاَّ كَآخَرَ قائِل
ثم أمر بأبي نخيلة من رمى به في بئر، فتظلم أهله إلى المنصور فقال ما أعرف حقيقة دعواكم، ولو عرفتها ما كنت مقيداً شيخ بني هاشم بعبد بني حيان، فيئسوا وانصرفوا، وكان عيسى بن موسى إذا حج حج معه قوم يتعرضون لمعروفه وصدقاته وصلاته، وكان جواداً تقياً، فقال أبو الشدائد الفزاري:
عِصابَةٌ إنْ حَجَّ عِيسَى حَجُّوا ... وَإنْ أقامَ بِالْعِراقِ دَجُّوا
قَدْ نالَهُمْ نائلُهُ فَلَجُّوا ... وَالَقْوَمُ عِنْديِ حَجُّهُمْ مُعْوَجُّ
ما هَكَذا كانَ يَكُونُ الحَجُّ
فقيل له يا أبا الشدائد أتهجو الحاج؟ فقال:
إنِّي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ المَبِنْيَّهْ ... وَاللهِ ما هَجَوْتُ مِنْ ذِي نِيَّهْ
وَلا امْرءً ذا رِعَةِ تَقَّيِهْ ... لَكنِنَّيِ أُبْقِى عَلَى الْبَقَّيهْ
مِنْ عُصْبَةٍ أَغْلَوْا عَلَى الرَّعِيَّهْ ... أَسْعارَ ذِي مَشْرًى وَذيِ عَطَّيهْ