فلما قرأ عيسى كتابه قال:
فَرَرْتُ إِلَيْكَ مِنْ مِحَنِ اللَّيالِي ... فَسَلَّطْتَ الخُطوبَ بِما شَجاني
فَكُنْتُ كَمَنْ شَكا رَمْضاءَ حَرٍّ ... تَلَذَّعَ بِالتَّيِ تَحْتَ الدُّخانِ
تَعَجَّلْ نُصْرَتِي وَتَحرَّ حَقِّي ... وَمَنْ يَرْضَى المُغَيَّبَ بِالْعِيانِ
وَلَمْ يَرَ مِثْلَكَ الرَّامُونَ طِرْفاً ... يُكَلِّفُ ظالِعاً سَبْقَ الرِّهانِ
إذا ما كُنْتَ للْغِاوِينَ كَهْفاً ... تُعِينُهُمُ فَلَلْتَ شَبا لِسانِي
وَلَوْ أَنِّي تُطاوِعُنِي أَناتِي ... وَتُسْعدُنِي عَلَى رَفْضِ الْهَوانِ
لَما عَطَفَ الزَّمانُ عَلَيْكَ وُدِّى ... وَلَمْ أَلْجأْ إِليْكَ مِنَ الزَّمانِ
مَحَوْتَ بما أَتَيْتَ تُبوتَ حَقِّي ... وَما تَمْحُو سِوىَ آيِ الْقُرانِ
وَلَوْ طاوَعْتُ فِيكَ مَقالَ غَاوٍ ... لَنِلْتَ مَطَالِعَ النَّجْمِ الْيَمانِي
وَأَسلَمْتَ الْخِطابَ إلىَ بَلِيدٍ ... يُجادِلُ عَنْكَ مُنْقَطِعِ الْبَيانِ
وَلكِنِّي صَبَرْتُ النَّفْسَ أَرْجُو ... دُنُوًّا مِنْ بَعِيدٍ غَيْرِ دانِ
يَكُونُ مَنِ اسْتَجارَكَ مِنْ مُلِمٍّ ... كَمحْوَلٍّ عَلَى طَرَفِ اللَّسانِ
يَبِيتُ مُقَلْقَلاً يَطْوِي حَشاهُ ... عَلَى هِمَمٍ بَعُدْنَ مِنْ الأْمانِي
سَتُبْعدُ بَيْنَ أَهْلَك غَيْرَ شَكٍّ ... كَما بَعَدَ الْوِهادُ مِنَ الرِّعانِ
حدثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفي قال حدثنا أبي، قال كان عيسى بن موسى أصدق الناس لأبي مسلم على المنصور قال عيسى بن موسى:
أَبا مُسْلمٍ إنْ كُنْتَ عاصِيَ أَمْرِنا ... وَباغَيِنا سُوءً فَلَسْتَ بُمْسِلمِ
سَيُفْنِيكَ ما أَفْنَى اْلقُرونَ التَّيِ خَلَتْوَما حَلَّ فِي أَكْنافِ عادٍ وَجُرْهُمِ
وما كانَ أَنْأَيِ مِنْكَ عِزّاً وَمَفْخَراًوَأَنْهَضَ بالْجَيْش الْهُمامِ الْعَرَمْرَم ِ
فبلغ الشعر أبا مسلم فلما قدم عاتب عليه عيسى بن موسى فجحده وقال لقد نسبه قائله إلى.
حدثنا الحسين بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن الحارث قال لما استوت الخلافة للمهدي قال لعيسى بن موسى قبل أن يتم له سنة إنك أجبت عمك على تقديمي، وأنا أحب أن أخرجك عن هذا الأمر وأجعله لابني، فإن عصيتني استحققت ما يستحقه العاصي القاطع وإن أطعتني فما تبلغ منيتك ما أنويه لك، قال ما تحب وخلع نفسه فأمر له المهدي بعشرين ألف ألف درهم وأقطعه قطائع كثيرة، وأقطع ولده.
حدثنا الحسين بن فهم قال حدثنا محمد بن إسحق النفري قال حدثنا صالح بن إسحق قال كان عيسى بن موسى من أجل بني هاشم عقلا، امتنع من أن يخلع نفسه جهده ثم رأى الخلع حزماً بادر إليه، وله في ذلك كلام مأثور وأشعار حسان وأنشد له:
أَشْكوُ إلىَ مَنْ يَعْلَمُ الشَّكْوَى ... وَيَسْمَعُ اْلأَسْرارَ وَالنَّجْوَى
وَمَنْ بِهِ آمُل دَفْعَ الذَّي ... كُنْتُ لهُ مِنْ قَبْلِ أنْ أَهْوَى
صارَ إلَى ما كُنْتُ أَرْثي لَهُ ... وَأَرْتَجِيِه أَعْظمَ الْبلْوَى
يَضْرِبُنِي سَيْفِي وَيْرمِي الْعِدىَ ... نَحْرِي بِسَهْمٍ لِي ما أَشْوَى
قَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ امْرُؤٌ ما لَهُ ... مَيْلٌ إلَى الْحَقِّ وَلا دَعْوَى
يَولِي يِمَيناً أَنَّهُ ناصِحٌ ... وَالنُّصْحُ مِنْهُ أَبَداً دَعْوَى
حدثنا أحمد بن محمد بن إسحق قال حدثني هارون بن محمد بن إسحق بن عيسى بن موسى قال حدثني أبي علي عن إبراهيم بن موسى قال كتب أبو جعفر المنصور إلى عيسى بن موسى كتاباً يحثه فيه على خلع نفسه وتقديم المهدي عليه، فكتب إليه عيسى: بسِمْ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيِمِ وَالْمُوفُونَ بِعْهدهِمْ إذا عاهدوا والصَّابِريِن فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وحِينَ الْبَأْسِ وقال عز وجل
وَأَوفُوا بالْعَهْد إنَّ الْعَهْد كانَ مَسْئُولاً قرأت كتاب أمير المؤمنين وتفهمته وأنعمت بالنظر إليه كما أمر وتنحرته، فوجدت أمير المؤمنين إنما يزيدني لينقصني، ويقربني ليبعدني، وما أجهل ما لي في رضاه من الحظ الجزيل، والأثر الخطير، ولكنه سامني ما تشح به الأنفس وتبذل دونه، وما لا يسمح به والد لولده ما دام له حظ فيه.
وقد علم أمير المؤمنين أنه يريد هذا الأمر لابنه لا له، وهو صائر إلى ما سيصير إليه اشغل ما يكون، وأحوج إلى حسنة قدمها، وسيئة اجتنبها ولا صلة في معصية الله، ولا قطعية ما كانت في ذات الله.
بقية أخبار عيسى بن موسى
قال صاحب الأغاني: وعيسى ممن ولد ونشأ بالحميمة من أرض الشام، وكان من فحول أهله. وشجعانهم وذوي النجدة والرأي والبأس والسؤدد منهم، وقبل أن أذكر أخباره فإني أبدأ بالرواية في أن الشعر له إذ كان الشعر ليس من شأنه، ولعل منكراً أن ينكر ذلك إذا قرأه.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد، ورأيت هذا الخبر بعد ذلك في بعض كتب ابن أبي سعد فقابلت به ما روياه فوجدته موافقا.
قال ابن أبي سعد حدثني علي بن الصباح، قال حدثني أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى، قال لما خلع أبو جعفر عيسى ابن موسى وبويع للمهدي قال عيسى بن موسى:
خُيِّرْتُ أَمْرَينِ ضاعَ الحَزْمُ بَيْنَهمُا ... إمَّا صَغارٌ وَإمَّا فِتْنَةٌ عَمَمُ
وَقَدْ هَمَمْتُ مِراراً أَنْ أُساقِيَهُمْ ... كَأْسَ الْمَنَّيِة لَوْلا الله وَالَّرحِمُ
وَلَوْ فَعَلْتُ لَزاَلتْ عَنْهُمُ نِعَمٌ ... بِكُفْرِ أَمْثالها تُسْتَنْزَلُ النَّقَمُ
على هذه الرواية في الشعر روى من ذكرت؛ وعلى ما صدر من الخلاف في الألفاظ يُغَنَّي.
أنشدني طاهر بن عبد الله الهاشمي، قال أنشدني بريهة المنصوري هذه الأبيات، وحكى أن ناقداً خادم عيسى كان واقفاً بين يديه ليلة أتاه خبر المنصور، ومادره عليه من الخلع، قال فجعل يتململ على فراشه ويهمهم ثم جلس فأنشد هذه الأبيات؛ فعلمت أنه كان يهمهم بها وسألت الله أن يلهمه العزاء والصبر على ما جرى شفقة عليه.
قال ابن أبي سعد في الخبر الذي قدمت ذكره عنهم.
وحدثني محمد بن يوسف الهاشمي، قال حدثني عبد الله بن عبد الرحيم قال حدثني كلثم بنت عيسى قالت قال موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس رأيت كأني دخلت بستانا، فلم آخذ منه إلا عنقوداً واحداً من الحب المتراصف ما الله به عليم، فولد لي عيسى بن موسى ثم ولد لعيسى من قد رأيت: قال ابن أبي سعد في خبره هذا: وحدثني علي بن سليمان الهاشمي قال حدثني عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن مالك مولى عيسى قال حدثني أبي قال كنا مع عيسى لما سكن الحيرة وأرسل إلى ليلة من الليالي فأخرجني من
منزلي، فجئت إليه فإذا هو جالس على كرسي، فقال لي يا عبد الرحمن لقد سمعت الليلة في داري شيئاَ ما دخل سمعي قط إلا ليلة بالحميمة والليلة، فانظر ما هو، فدخلت استقرى الصوت فوجدته في المطبخ، فإذا الطباخون قد اجتمعوا وعندهم رجل من الحيرة يغنيهم بالعود، فكسرت العود وأخرجت الرجل وعدت إليه فأخبرته فحلف لي أنه ما سمعه قط إلا تلك الليلة بالحميمة وليلته هذه.
أخبار أبي العبر ونسبه
هو أبو العباس بن محمد بن أحمد ويلقب حمدونا الحامض بن عبد الله بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس المستوى في أول عمره منذ أيام الأمين، وهو غلام إلى أن ولي المتوكل الخلافة، فترك الجد وعدل إلى الحمق والشهرة به، وقد نيف على الخمسين، ورأى أن شعره مع توسطه لا ينفق مع مشاهدته أبا تمام والبحتري وأبا السمط بن أبي حفصة، ونظراءهم.
حدثني عمي عبد العزيز بن حمدون قال سمعت الحامض يذكر أن أبنه أبا العبر ولد بعد خمس سنين خلت من خلافة الرشيد، قال وعمر إلى الخلافة المتوكل، وكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان في عصره بالجد ونفق نفاقاً عظيماً، وكسب في أيام المتوكل مالاً جليلاً،
وله فيه أشعار حميدة يمدحه بها، ويصف قصره وبرج الحمام والبركة، كثيرة المحال، مفرطة السقوط، لا معنى لذكرها، سيما وقد شهرت في الناس.
وحدثني محمد بن الأزهر، قال حدثني الزبير بن بكار، قال قال عمي ألا يأنف الخليفة لابن عمه هذا الجاهل مما قد شهر به، وفضح عشيرته، والله إنه لعر بني آدم جميعاً، فضلاً عن أهله والأدنين أفلا يردعه ويمنعه من سوء إختياره؟ فقلت إنه ليس بجاهل كما تعتقد، وإنما يتجاهل، وإن له لأدباً صالحاً، وشعراً طيباً، ثم أنشدته له
لا أَقُولُ اللهُ يَظْلِمُنِي ... كَيْفَ أَشْكو غَيْرَ مُتَّهَمِ
وَإذا مالدَهْرُ ضَعْضَعَنِي ... لَمْ تِجدْنِي كافِرَ النِّعَمِ
قَنَعَتْ نَفْسِي بِما رزُقِتْ ... وَتَناهَتْ فِي الْعُلا هِمَمِي
لَيْس لِي مالٌ سِوَى كَرِمِي ... وَبِهِ أَمْنِي مِنَ الْعَدَمِ
فقال لي ويحك، فلم لا يلزم هذا وشبهه؟ فقلت له والله يا عم لو رأيت ما يصل إليه بهذه الحماقات لعذرته، فإن ما استملحت له