يجلس على سلم وبين بلاغة فيها ماء وحمأة وقد سد مجراها وبين يديه قصبة طويلة وعلى رأسه خف وفي رجليه قلنسيتان ومستمليه في جوف بئر وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة ويقل السماع ويصيح مستمليه من جوف البئر من يكتب عذبك الله، ثم يملي عليهم، فإن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من ماء البلاغة إن كان وضيعاً، وإن كان ذا مروءة رشش عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس في الكنيف إلى أن ينفض المجلس ولا يخرج منه حتى يغرم درهمين.
قال وكانت كنيته أبا العباس فصيرها أبا العبر ثم كان يزيد فيها في كل سنة حرفاً حتى مات، وهي أبو العبر طرد طيل طليرى بك بك بك.
حدثني جحظة قال رأيت أبا العبر بسر من رأى وكان أبوه شيخاً صالحاً، وكان لا يكلمه، فقال له بعض إخوانه لم هجرت ابنك؟ قال فضحني كما تعلمون بما يفعله بنفسه، ثم لا يرضى بذلك حتى يهجنني ويؤذيني ويضحك الناس مني، فقالوا له أي شيء من ذاك وبماذا هجنك؟ قال اجتاز على منذ أيام ومعه سلم فقلت له ولاى شيء هذا معك؟ فقال لا أقول لك فأخجلني وأضحك بي كل من كان عندي،
فلما أن كان بعد أيام اجتاز بي ومعه سمكة، فقلت له أيش تعمل بهذه؟ فقال انيكها فحلفت لا أكلمه أبداً.
أخبرني عمي عبد الله قال سمعت رجلاً سأل أبا العبر عن هذه المحالات التي يتكلم بها أي شيء أصلها قال أبكر فأجلس على الجسر ومعي دواة ودرج فأكتب كل شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضاً وألصقه مخالفاً فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه.
أخبرني عمي قال رأيت أبا العبر واقفاً على بعض آجام سر من رأى وبيده اليسرى قوس جلاهق، وعلى يديه اليمنى باشق، وعلى رأسه قطعة رئة في حبل مشدود بأنشوطة وهو عريان في ايره شعر مفتول مشدود فيه شص قد ألقاه في الماء للسمك، وعلى شفته دوشاب ملطخ، فقلت له خرب بيتك إيش هذا العمل؟ فقال اصطاد يا كشخان يا أحمق بجميع جوارحي؛ إذا مر بي طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريباً مني أرسلت إليه الباشق، والرئة التي على رأسي يجيء الحد ليأخذها فيقع في الوهق، والدوشاب أصطاد به الذباب، وأجعله في الشص فيطلبه السمك ويقع فيه والشص في ايري فإذا مرت السمكة أحسست بها فأخرجتها.
قال وكان المتوكل يرمي به في المنجنيق إلى الماء وعليه قميص
حرير فأذا علا في الهواء صاح الطريق الطريق، ثم يقع في الماء فتخرجه السباح.
قال وكان المتوكل يجلسه على الزلاقة فينحدر فيها حتى يقع في البركة ثم يطرح الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك، ففي ذلك يقول في بعض حمقاته.
ويأمر بي الملك ... فيطرحني في البرك
ويصطادني بالشبك ... كأني من السمك
وحدثني جعفر بن قدامة قال قدم أبو العبر بغداد في أيام المستعين وجلس للناس فبعث إسحق بن إبراهيم فأخذه وحبسه فصاح في الحبس لي نصيحة فأخرج ودعا به إسحق فقال هات نصيحتك قال على أن تؤمنني قال نعم، فقال الكشكية لا تطيب إلا بالكشك. فضحك إسحق وقال هو فيما أرى مجنون فقال لا هو امتخط حوت قال أيش هو امتخط حوت؟ ففهم ما قاله وتبسم ثم قال أظن أني فيك مأثوم، قال لا ولكنك في ماء بصل فقال أخرجوه عني إلى لعنة الله ولا يقيم ببغداد فأرده إلى الحبس، فعاد إلى سر من رأى، وله أشعار ملاح في الجد منها ما أنشدنيه الأخفش له
يخاطب غلاماً أمرد.
أيها اْلأَمْرَدُ المولع بِاْلهَجرِ أَفِقْ ما كَذا سَبِيلُ الرَّشادِ
فَكَأَنِّي بِحُسْنِ وَجْهِكَ قَدْ أُلبْ ... سَ فِي عارِضَيْكَ ثَوْبَ حِدادِ
وَكأَنِّي بِعاشِقِيكَ وَقَدْ بُدِّ ... لَتْ فِيهْمِ مِنْ خُلْطَةٍ بِبِعادِ
حِينَ تَنْبُو الْعُيونُ عَنكَ كَما يَنْ ... قَبِضُ السَّمْعُ عَنْ حَدِيثٍ مُعادِ
فَاغْتَنِمْ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ إلىَ كا ... نَ وَتَضُحيِ في جُمْلَةِ اْلأَضدادِ
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أحمد بن علي الأنباري قال كنا في مجلس يزيد بن محمد المهلبي بسر من رأي فجري ذكر أبي العبر فجعلوا يذكرون حماقاته وسقوطه فقلت ليزيد كيف كان عندك. فقد رأيته؟ فقال ما كان إلا أديبا فاضلاً ولكنه رأى الحماقة أنفق وأنفع له فتحامق، فقلت له أنشدك أبياتا له أنشدنيها فانظر لو أراد دعبل فأنه أهجى أهل زماننا أن يقول في معناها ما قدر على أن يزيد على ما قال، قال أنشدنيها فأنشدته قوله
رَأَيْتُ مِنَ الْعَجائِبِ قاضِيَيْن ... هُما أَحْدوثَةٌ فِي الْخافِقَيْنِ
هُما اقْتَسَما الْعَمَىِ نَصْفَيْنِ فَذًّا ... كَما اقتْسَمَا قَضاءَ الجْانِبَيْنِ
هُما فَأْلُ الزَّمانِ بُهلْكِ يَحْيَى ... إذا افْتُتِحَ الْقَضاءُ بِأَعْوَرَيْنِ
وَتَحْسِبُ مِنْهُما مَنْ هَزَّ رَأْساً ... لِيَنْظُرَ فِي مَوارِيث وَدَيْنِ
كَأَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ عَلَيْةِ دَنَا ... فَتَحْتَ بُزالَهُ مِنْ فَرْدِ عَيْنِ
فجعل يضحك من قوله ويعجب منه ثم كتب الابيات.
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن مهرويه قال حدثني ابن أبي أحمد قال قال لي أبو العبر إذا حدثك إنسان بحديث لا تشتهي أن تسمعه فاشتغل عنه بنتف إبطك، حتى يكون هو في عمل وأنت في عمل.
وقال محمد بن داود حدثني أبو عبد الله الداودي قال كان أبو العبر شديد البغض لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه وله في العلويين هجاء قبيح.
وكان سبب ميتته أنه أخرج إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة من أهلها في آجامهم، فسمعه بعض الكوفيين يقول في على صلوات الله عليه قولاً قبيحاً استحل به دمه فقتله في بعض الآجام وغرقه فيها.
ومن شعره:
إن يَكُنْ لِلْعُيونِ فِي وَجْهكَ العَيْ ... شُ فَإِنَّ الْقُلُوبَ تُكْوَى بِجَمْرِ
يا قَلِيلَ النَّظِيرِ مُسْتَطْرَفَ الشَّ ... كْل بَديعَ الجْمَالِ مُغْرًى بِهْجِري
كُفَّ عَنِّي الصُّدُود يا واحِدَ الحُسْ ... ن فَقَدْ عِيلَ مِنْ صُدْودكَ صَبْرِي
وهو القائل
إِلهي إنَّ بِي فَقْراً إِلَيْهِ ... وَأَنْتَ وَلِيُّ إشْفاقِي عَلَيْهِ
فَإِنْ لَمْ تَقْضِ لِي فِيِه بِصَبْرٍ ... يُسَلِّيِني فَدَعْنِي فِي يَدَيْهِ
وحدثني أخوه ويعرف بسعوط وكان جارنا في شارع عبد الصمد لأخيه:
هَوًى دَفِينٌ وَهَوًى بادِي ... اظْلمِْ فَجازِيكَ بِمِرصْادِ
يا واحِدَ اْلأُّمَّةِ فِي حُسْنِهِ ... أَسْرَفْثَ فِي هَجْرِي وَإبْعادِي
قَدْ كِدْتُ مِمَّا نالَ مِنِّي الْهَوَى ... أَخْفَى عَلَى أَعْيِنُ عُوَّادِي
عَبْدُكَ يَحْيَى بِأَخْذِهِ قُبْلَةً ... يَجْعَلُها خاتِمَةَ الزَّادِ
حدثنا أحمد بن محمد الأسدي قال حدثني أبو العبر أنه كان يهوى غلاماً فكان يتيه عليه في محبته فقال له:
أَفَبِي تَتيُه وَقَدْ عَلا ... كَ الشَّعْرُ في خَدٍّ فَحَلْ
وَخَرَجْتَ مِنْ حَدِّ الظِّبا ... ءِ وَصِرْتُ في حَدِّ اْلإِبِلْ
أَصْبَحْتَ تَطْلُبُ وَصْلَنا ... عُدْ لِلْعَداوَةِ بالْخَجَلْ
حدثنا أحمد بن محمد قال قدم علينا أبو العبر من سر من رأى فسألته عن أخباره فقال إن محمد بن عبد الملك قد قصدني وحبس كتباً بأرزاقي فدخلت عليه فأنشدته:
قُمْ فَاسْقِنِي يا مُحَمَّدْ ... مِنْ سُكَيْرٍيّ مُبَرَّدْ
وَلا تُفَنِّد عَلَيْها ... فَلَيْسَ مِثْلِي يُفَنَّدْ
وهذا آخر ما وجد بالأصل الشمسي المنقول عن نسخة
مكتبة شهيد على بالأستانة